(فِي ذكر شعرائهم وَمن تمثل مِنْهُم بِشعر من كبار شعرائهم: عنترة بن شَدَّاد)
كَانَت أمه زنجية، أسود، وَله الْأَشْعَار الفائقة من مستحسنها قَوْله فِي قصيدته الْمَشْهُورَة:
(هَل غادر الشُّعَرَاء من متردم أم هَل عرفت الدَّار بعد توهم)
ويروى: من مترنم، قَالَ الْأَصْمَعِي: يُقَال: ردم ثَوْبك، أَي رقعه، يَقُول: هَل ترك الشُّعَرَاء شَيْئا يرقع أَي هَل تركُوا لقَائِل شَيْئا.
(يَا دَار عبلة بالجوى تكلمي وَعمي صباحا دَار عبلة واسلمي)
(حييت من طلل تقادم عَهده أقوى وأقفر بعد أم الْهَيْثَم)
(هلا سَأَلت الْخَيل يَا ابْنة مَالك إِن كنت جاهلة بِمَا لم تعلمي)
(يُخْبِرك من شهد الوقيعة أنني أغشى الوغى وأعف عِنْد الْمغنم)
[ ١٦٣ ]
(وَمن شعرائهم: سحيم عبد بني الحسحاس)
اشْتَرَاهُ عبد اللَّهِ بن عَامر وأهداه إِلَى عُثْمَان بن عَفَّان [﵁] فَرده عَلَيْهِ، وَقَالَ: لَا حَاجَة لي فِيهِ، وَله أشعار كَثِيرَة وأخبار.
[٨٠] أَنبأَنَا ابْن نَاصِر قَالَ: أنبأ أَبُو الْحُسَيْن بن عبد الْجَبَّار قَالَ: أنبأ الْجَوْهَرِي قَالَ أنبأ ابْن حيوية قَالَ نَا مُحَمَّد بن خلف قَالَ: قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: كَانَ سحيم حَبَشِيًّا، وَقد أدْرك الْجَاهِلِيَّة.
[٨١] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن أبي طَاهِر الْبَزَّاز قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن عَليّ الْجَوْهَرِي قَالَ أنبا أَبُو عمر مُحَمَّد بن الْعَبَّاس بن مُحَمَّد قَالَ أَنا أَبُو عبد اللَّهِ أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق الْمَكِّيّ قَالَ: ثَنَا الزبير بن بكار قَالَ: حَدثنِي عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز عَن خَالِد بن يُوسُف بن الْمَاجشون قَالَ: اشْترى عبد اللَّهِ بن أبي عبد اللَّهِ سحيما عبد بني الحسحاس وَكتب إِلَى عُثْمَان بن عَفَّان: إِنِّي ابتعت لَك غُلَاما حَبَشِيًّا شَاعِرًا، فَكتب إِلَيْهِ عُثْمَان: لَا حَاجَة لي بِهِ فاردده، فَإِنَّمَا قصارى هَذَا العَبْد الشَّاعِر إِن شبع أَن يتشبب بنسائهم،
[ ١٦٤ ]
وَإِن جَاع أَن يهجوهم، فَرده عبد اللَّهِ فَاشْتَرَاهُ رجل من بني الحسحاس من بني أَسد بن خُزَيْمَة، وَكَانَ حَبَشِيًّا مغلظا، أعجمي اللِّسَان، ينشد الشّعْر.
قَالَ الزبير: وحَدثني عمر بن أبي بكر عَن أبي صَالح الفقعسي قَالَ: كَانَ سحيم عبد بني الحسحاس، وَكَانَ حَبَشِيًّا شَاعِرًا.
قَالَ الزبير: وحَدثني موهوب بن رشيد الْكلابِي عَن أبي صَالح الفقعسي قَالَ: كَانَ عبد بني الحساس حَبَشِيًّا شَاعِرًا وَكَانَ يهوى ابْنة مَوْلَاهُ عميرَة بنت أبي معبد ويكنى عَن حبها إِلَى أَن خرج مَوْلَاهُ أَبُو معبد سفرا وَخرج بِهِ مَعَه، وَكَانَ أَبُو معبد يتشوق إِلَى ابْنَته يَقُول:
(عميرَة ودع إِن تجهزت غاديا )
فردد الصَّوْت وَلَا يزِيد عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ: انقذنا يَا سحيم، فهيج مِنْهُ مَا كَانَ بَاطِنا فَقَالَ:
(عميرَة ودع إِن تجهزت غاديا كفى الشيب وَالْإِسْلَام للمرء ناهيا)
ثمَّ بنى عَلَيْهَا فأتمها قصيدة، وانْتهى بهما فِيهَا وفحش عَلَيْهَا
[ ١٦٥ ]
فَقَالَ:
(وبتنا وسادانا إِلَى علجانة وحقف تهاداه الرِّيَاح تهاديا)
(توسدني كفا وَتثني بمعصم عَليّ وتحني رجلهَا من ورائيا)
(وهبت شمالا آخر اللَّيْل قُرَّة وَلَا ثوب إِلَّا درعها وردائيا)
(فمازال ثوبي طيبا من نسيمها إِلَى الْحول حَتَّى أنهى الثَّوْب بَالِيًا)
قَالَ: فَذهب بِهِ جندل أَبُو معبد إِلَى الْمَدِينَة ليَبِيعهُ بهَا فَقَالَ بعد أَن أخرجه يَوْمًا:
(وَمَا كنت أخْشَى جندلا أَن يبيعني بِشَيْء وَلَو أمست أنامله صفرا)
(أخوكم وَمولى مالكم وربيبكم وَمن قد ثوى فِيكُم وعاشركم دهرا)
(أشوقا وَلما يمض لي غير لَيْلَة فَكيف إِذا سَارَتْ الْمطِي بِنَا عشرا)
قَالَ: فرق عَلَيْهِ جندل فَرده مَخَافَة قومه فلاموه وَأَرَادُوا قتل العَبْد، وَكَانَ جندل يضن بِهِ فَخرج بِهِ إِلَى السُّلْطَان بِالْمَدِينَةِ فسجنه وضربه ثَمَانِينَ سَوْطًا ثمَّ خرج بِهِ رَاجعا إِلَى بِلَاده فتغنى بِهِ سحيم وَقَالَ:
(أَبَا معبد بئس العريضة للفتى ثَمَانُون لم تتْرك لحلفكم عبدا)
[ ١٦٦ ]
(كسوني غَدَاة الدَّار سمراء كَأَنَّهَا شياطين لم تتْرك فؤادا وَلَا عهدا)
(فَمَا السجْن إِلَّا ظلّ بَيت دَخلته وَمَا السَّوْط إِلَّا جلدَة خالطت جلدا)
(أَبَا معبد وَالله مَا حل حبها ثَمَانُون سَوْطًا بل يزِيد بهَا وجدا)
(فَإِن تقتلوني تقتلُوا ابْن وليدة وَإِن تتركوني تتكروا أسدا وردا)
(غَدا يكثر الباكون منا ومنكم وتزداد دَاري من دِيَاركُمْ بعدا)
قَالَ: فَأَخْبرنِي عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز أَن هَذَا الْبَيْت الْأَخير للعرجي.
قَالَ المُصَنّف: وَكَانَ آخر أَمر سحيم أَنه أحب امراة من أهل بَيت مَوْلَاهُ فَأَخَذُوهُ وأحرقوه.
(وَمِنْهُم نصيب بن محجن)
أَبُو محجن الشَّاعِر، مولى عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان، وَكَانَ أسود.
[٨٦] أخبرنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ: أنبأ الْمُبَارك بن عبد الْجَبَّار قَالَ: أَنا إِبْرَاهِيم بن عمر الْبَرْمَكِي قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو الْحُسَيْن الزَّيْنَبِي قَالَ نَا مُحَمَّد بن خلف قَالَ ثَنَا عبد اللَّهِ بن عَمْرو وَأحمد بن حَرْب قَالَا: نَا زبير بن أبي
[ ١٦٧ ]
بكر قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن المؤمل بن طالوت قَالَ: حَدثنِي أبي عَن الضَّحَّاك ابْن عُثْمَان الْحزَامِي قَالَ: خرجت فِي آخر أَيَّام الْحَج فَنزلت بالأبواء على امْرَأَة فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْت من حسنها وأطربني فتمثلت بقول نصيب. .
(بِزَيْنَب ألمم قبل أَن يرحل الركب وَقل إِن تملينا فَمَا مل الْقلب)
(خليلي من كَعْب ألما هديتما بِزَيْنَب لَا يفقد كَمَا أبدا كَعْب)
(وقولا لَهَا مَا فِي البعاد لذِي الْهوى يُعَاد وَمَا فِيهِ لصدع النَّوَى شعب)
(فَمن شان أم الصرم أَو قَالَ ظَالِما لصَاحبه ذَنْب وَلَيْسَ لَهُ ذَنْب)
فَلَمَّا سمعتني أتمثل الأبيات قَالَت لي: يَا فَتى، أتعرف قَائِل هَذَا الشّعْر؟ قلت: ذَاك نصيب، قَالَت: نعم، هُوَ ذَاك. فتعرف زَيْنَب؟ قلت: لَا. قَالَت: أَنا وَالله زَيْنَب. قلت: فحياك اللَّهِ. قَالَت: أما إِن الْيَوْم موعده من عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ، خرج إِلَيْهِ عَام أول، وَعَدَني هَذَا الْيَوْم، ولعلك لَا تَبْرَح حَتَّى ترَاهُ. قَالَ: فَمَا بَرحت من مجلسي حَتَّى إِذا أَنا بِرَاكِب يَزُول مَعَ السراب، فَقَالَت: ترى حث ذَلِك الرَّاكِب؟ إِنِّي لأحسبه إِيَّاه. قَالَ: وَأَقْبل الرَّاكِب فأمنا حَتَّى أَنَاخَ قَرِيبا من الْخَيْمَة فَإِذا هُوَ نصيب، ثمَّ ثنى
[ ١٦٨ ]
رجله عَن رَاحِلَته فَنزل، ثمَّ أقبل فَسلم عَليّ وَجلسَ فِيهَا نَاحيَة، وَسلم عَلَيْهَا وسألها وَسَأَلته فاحتفا، ثمَّ إِنَّهَا سَأَلته أَن ينشدها مَا أحدث من الشّعْر بعْدهَا، فَجعل ينشدها، فَقلت فِي نَفسِي: عاشقان أطالا التنائي لَا بُد أَن يكون لأَحَدهمَا إِلَى صَاحبه حَاجَة، فَقُمْت إِلَى رَاحِلَتي أَشد عَلَيْهَا، فَقَالَ لي: على رسلك، أَنا مَعَك. فَجَلَست حَتَّى نَهَضَ، ونهضت مَعَه، فتسايرنا سَاعَة ثمَّ الْتفت فَقَالَ: فَقلت: قلت فِي نَفسك: محبان التقيا بعد طول ثَنَاء، لَا بُد أَن يكون لأَحَدهمَا إِلَى صَاحبه حَاجَة؟ قلت: نعم، قد كَانَ ذَلِك. قَالَ: لَا وَرب هَذِه البنية الَّتِي إِلَيْهَا نعمد مَا جَلَست إِلَيْهَا مَجْلِسا قطّ أقرب من مجلسي الَّذِي رَأَيْت، وَلَا كَانَ بَيْننَا مَكْرُوه قطّ.
قَالَ المُصَنّف: قلت: وَقد روى لنا أَن زَيْنَب كَانَت سَوْدَاء أَيْضا.
[٨٣] وأنبأنا مُحَمَّد بن أبي مَنْصُور قَالَ: أَنا الْمُبَارك بن عبد الْجَبَّار قَالَ: أَنا أَبُو مُحَمَّد الْجَوْهَرِي قَالَ أَنا ابْن حيوية قَالَ: نَا مُحَمَّد بن خلف قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن معَاذ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم قَالَ: حَدثنِي رجل من قُرَيْش عَمَّن حَدثهُ قَالَ: كنت حَاجا وَمَعِي رجل من الْقَافِلَة لَا أعرفهُ وَلم أره قبل ذَلِك وَمَعَهُ هوداج وأثقال وصبية وَعبيد ومتاع فنزلنا منزلا فَإِذا فرش ممهدة
[ ١٦٩ ]
وَبسط قد بسطت فَخرج من بَعْضهَا هودج امْرَأَة زنجية، فَجَلَست على تِلْكَ الْفرش الممهدة، ثمَّ جَاءَ زنجي فَجَلَسَ [إِلَى جنبها، فَبَقيت مُتَعَجِّبا مِنْهُمَا فَبينا أَنا أنظر إِلَيْهَا] إِذْ مر بِنَا مار وَهُوَ يَقُود إبِلا فَجعل يتَغَنَّى وَيَقُول:
(بِزَيْنَب ألمم قبل أَن يرحل الركب وَقل إِن تملينا فَمَا مل الْقلب)
قَالَ: فَوَثَبت الزنجية إِلَى الزنْجِي فخبطته وضربته وَهِي تَقول: شهرتني بَين النَّاس شهرك اللَّهِ. فَقلت: من هَذَا؟ فَقَالُوا لي: نصيب الشَّاعِر وَهَذِه زَيْنَب.
[٨٤] أخبرنَا ابْن نَاصِر قَالَ: أنبأ مَحْفُوظ بن أَحْمد قَالَ: أنبأ أَبُو عَليّ مُحَمَّد ابْن الْحُسَيْن الحارذي قَالَ: ثَنَا الْمعَافى بن زَكَرِيَّا قَالَ: نَا إِبْرَاهِيم ابْن مُحَمَّد بن عَرَفَة قَالَ: ثَنَا أَحْمد بن يحيى قَالَ: ثَنَا الزبير قَالَ: ثَنَا مُحَمَّد بن أَحْمد عَن مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ عَن معَاذ صَاحب الْهَرَوِيّ، قَالَ: دخلت مَسْجِد الْكُوفَة فَرَأَيْت رجلا لم أر قطّ أنقى ثيابًا مِنْهُ، وَلَا أَشد سوادا فَقلت لَهُ: من أَنْت؟ فَقَالَ: أَنا نصيب. فَقلت: أَخْبرنِي عَنْك وَعَن أَصْحَابك. فَقَالَ: جميل إمامنا، وَعمر أوصفنا لربات الحجال، وَكثير أبكانا على الأطلال والدمن، وَقد قلت مَا سَمِعت، قلت: فَإِن النَّاس يَزْعمُونَ أَنَّك لَا تحسن أَن تهجو. قَالَ:
[ ١٧٠ ]
وأقروا لي أَنِّي أحسن أمدح؟ قلت: نعم، قَالَ: فترى لَا أحسن أَن أجعَل مَكَان عافاك اللَّهِ أخزاك اللَّهِ؟ قلت: بلَى، قَالَ: وَلَكِنِّي رَأَيْت النَّاس رجلَيْنِ: رجلا لم أسأله وَلَا يَنْبَغِي لي أَن أهجوه فأظلمه، ورجلا سَأَلته فَمَنَعَنِي، فَكَانَت نَفسِي أَحَق بالهجاء، إِذْ سَوَّلت لي أَن أطلب مِنْهُ.
[٨٥] أَنبأَنَا أَبُو بكر بن أبي طَاهِر الْبَزَّاز قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو إِسْحَاق الْبَرْمَكِي قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو عَمْرو بن حيوية قَالَ: أَنا أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق الْمَكِّيّ قَالَ: ثَنَا الزبير بن بكار قَالَ: حَدثنِي عمي حَدثنِي أَيُّوب بن عَبَايَة قَالَ: حَدثنِي رجل من بني نَوْفَل بن عبد منَاف قَالَ: لما أصَاب نصيب من المَال مَا أصَاب - وَكَانَت عِنْده أم محجن، وَكَانَت سَوْدَاء - تزوج امْرَأَة بَيْضَاء، فَغضِبت أم محجن وَغَارَتْ، فَقَالَ لَهَا: يَا أم محجن، وَالله مَا مثلي يغار عَلَيْهِ إِنِّي لشيخ كَبِير، وَمَا مثلك يغار، إِنَّك لعجوز كَبِيرَة، وَمَا أحد أكْرم عَليّ مِنْك وَلَا أوجب حَقًا، فحوزك هَذَا الْأَمر وَلَا تكذب بِهِ عَليّ، فرضيت وقرت، ثمَّ قَالَ لَهَا بعد ذَلِك: هَل لَك أَن أجمع إِلَيْك زَوْجَتي الجديدة، فَهُوَ أصلح لذات الْبَين وألم للشعث وَأبْعد للشماتة، فَقَالَت: افْعَل. فَأَعْطَاهَا دِينَارا وَقَالَ لَهَا: إِنِّي أكره أَن ترى بك خصَاصَة أَن تفضل عَلَيْك، فاعملي لَهَا إِذا أَصبَحت عنْدك غَدا نزلا بِهَذَا الدِّينَار، ثمَّ أَتَى زَوجته الجديدة فَقَالَ لَهَا: إِنِّي قد أردْت أَن أجمعك إِلَى أم محجن غَدا وَهِي مكرمتك، وأكره أَن تفضل عَلَيْك
[ ١٧١ ]
، فَخذي هَذَا الدِّينَار فأهدي لَهَا بِهِ إِذا أَصبَحت عِنْدهَا غَدا لِئَلَّا ترى بك خصَاصَة وَلَا تذكرين الدِّينَار لَهَا. ثمَّ أَتَى صاحبا لَهُ ليستنصحه، فَقَالَ: إِنِّي أُرِيد أَن أجمع زَوْجَتي الجديدة إِلَى أم محجن غَدا فأتني مُسلما، فَإِنِّي سأستجلسك للغداء، فَإِذا تغديت فسلني عَن أحبهما إِلَيّ، فَإِنِّي سأنفر وَأعظم ذَلِك وَأبي أَن أخْبرك، فَإِذا أَبيت ذَلِك فاحلف عَليّ، فَلَمَّا كَانَ الْغَد زارت زَوجته الجديدة أم محجن وَمر بِهِ صديقه فاستجلسه فَلَمَّا تغديا أقبل الرجل عَلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَبَا محجن، أحب أَن تُخبرنِي عَن أحب زوجتيك إِلَيْك. فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ ﴿أتسألني عَن هَذَا وهما يسمعان﴾ مَا سَأَلَ عَن هَذَا أحد قبلك.
قَالَ: وَإِنِّي أقسم عَلَيْك لتخبرني، فوَاللَّه لَا أعذرك، وَلَا أقبل إِلَّا ذَاك، قَالَ: أما إِذْ فعلت فأحبهما إِلَيّ صَاحِبَة الدِّينَار، وَالله لَا أزيدك على هَذَا شَيْئا، وأعرضت كل وَاحِدَة مِنْهُمَا تضحك، ونفسها مسرورة وَهِي تظن أَنه عناها بذلك القَوْل.
[٨٦] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن أبي مَنْصُور قَالَ: أَنا الْمُبَارك بن عبد الْجَبَّار قَالَ أنبأ الْحسن بن عَليّ الْجَوْهَرِي قَالَ أَنا أَبُو عمر بن حيوية قَالَ: أنبأ أَبُو بكر مُحَمَّد بن خلف قَالَ: أَخْبرنِي يزِيد بن مُحَمَّد المهلبي عَن مُحَمَّد بن سَلام قَالَ:
[ ١٧٢ ]
دخل نصيب على يزِيد بن عبد الْملك فَقَالَ لَهُ: حَدثنِي بِبَعْض مَا مر عَلَيْك. فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ علقت جَارِيَة حَمْرَاء - يَعْنِي بَيْضَاء - فَمَكثت زَمَانا تمنيني الأباطيل فَأرْسلت إِلَيْهَا بِهَذِهِ الأبيات:
(وَإِن أك حالكا فالمسك أحوى وبالسواد جلدي من دَوَاء)
(ولي كرم عَن الْفَحْشَاء نائي كبعد الأَرْض من جو السَّمَاء)
(ومثلي فِي رجالكم قَلِيل ومثلي لَا يرد عَن النِّسَاء)
(فَإِن ترضي فردي قَول رَاض وَإِن تأبي فَنحْن على السوَاء)
فَلَمَّا قَرَأت الأبيات، قَالَت: المَال وَالْعقل يعفيان على غَيرهمَا فزوجتني نَفسهَا.
[٨٧] قَالَ ابْن خلف: وحَدثني أَبُو بكر بن شَدَّاد قَالَ حَدثنِي أَبُو عبد اللَّهِ ابْن أبي بكر قَالَ: حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن زيد بن عبد اللَّهِ السَّعْدِيّ قَالَ: حَدَّثتنِي جدتي عَن أَبِيهَا عَن جدها قَالَ: رَأَيْت رجلا أسود وَمَعَهُ امْرَأَة بَيْضَاء فَجعلت أتعجب من سوَاده وبياضها، فدنوت مِنْهُ، فَقلت: من أَنْت؟ قَالَ: أَنا الَّذِي أَقُول:
(أَلا لَيْت شعري مَا الَّذِي يحدثن لي إِذا مَا غَدا النأي المفرق والبعد)
[ ١٧٣ ]
(أتصرمني عِنْد الألى فهم العدا فتشمتهم بِي أم تدوم على الْعَهْد)
قَالَ: فصاحت: بلَى وَالله تدوم على الْعَهْد. فَسَأَلت عَنْهَا، فَقيل: هَذَا نصيب، وَهَذِه أم بكر.
[٨٨] قَالَ [ابْن] خلف: وَأَخْبرنِي جَعْفَر بن عَليّ الْيَشْكُرِي قَالَ: حَدثنِي الرياشي قَالَ: أَخْبرنِي الْعُتْبِي قَالَ: دخل نصيب على عمر بن عبد الْعَزِيز ابْن مَرْوَان فَقَالَ لَهُ: هَل عشقت يَا نصيب؟ قَالَ: نعم، جعلني الله فدَاك. قَالَ: وَمن؟ قَالَ: جَارِيَة لبني مُدْلِج فأحدق بهَا الواشون فَكنت لَا أقدر على كَلَامهَا إِلَّا بِعَين أَو إِشَارَة، [فَكنت] أَجْلِس إِلَيْهَا على الطَّرِيق حَتَّى تمر بِي فأراها، وَفِي ذَلِك أَقُول:
(جَلَست لَهَا كَيْمَا تمر لعلني أخالسها التَّعْلِيم إِن لم تسلم)
(فَلَمَّا رأتني والوشاة تحدرت مدامعها خوفًا وَلم تكلم)
(مَسَاكِين أهل الْعِشْق مَا كنت مُشْتَرِي حَيَاة جَمِيع العاشقين بدرهم)
فَقَالَ لَهُ عبد الْعَزِيز: وَمَا فعلت المدلجية؟ قَالَ: اشْتريت وأولدت. قَالَ: فَهَل فِي قَلْبك مِنْهَا شَيْء؟ قَالَ: عقابيل أوجاع.
[ ١٧٤ ]
(أَبُو دلامة الشَّاعِر)
واسْمه زند - بالنُّون - ابْن الجون مولى لبنى أَسد كَانَ عبدا حَبَشِيًّا لرجل من أهل الْكُوفَة من بني أَسد يُقَال لَهُ فصاص بن لَاحق فَأعْتقهُ، فصحب السفاح، ثمَّ صحب الْمَنْصُور، ثمَّ صحب الْمهْدي، وَله شعر حسن ونوادر عَجِيبَة مضحكة.
[٨٩] أخبرنَا عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد قَالَ: أنبأ أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ: أنبأ الْحسن بن أبي بكر قَالَ: أنبأ أَبُو سهل أَحْمد بن مُحَمَّد بن زِيَاد قَالَ: سَمِعت ثعلبا يَقُول: لما مَاتَت حمادة بنت عِيسَى امْرَأَة الْمَنْصُور وقف الْمَنْصُور وَالنَّاس حوله على حفرتها ينتظرون مَجِيء الْجِنَازَة، وَأَبُو دلامة فيهم، فَأقبل عَلَيْهِ الْمَنْصُور فَقَالَ: يَا أَبَا دلامة، مَا أَعدَدْت لهَذَا المصرع؟ فَقَالَ: حمادة بنت عِيسَى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: فأضحك الْقَوْم.
[٩٠] أخبرنَا عبد الرَّحْمَن قَالَ أنبأ أَحْمد بن عَليّ قَالَ أنبأ أَحْمد بن مُحَمَّد العتيقي قَالَ نَا مُحَمَّد بن الْعَبَّاس قَالَ نَا ابْن دُرَيْد قَالَ نَا ابْن أخي الْأَصْمَعِي قَالَ: سَمِعت الْأَصْمَعِي يَقُول: أَمر الْمَنْصُور أَبَا دلامة بِالْخرُوجِ نَحْو عبد اللَّهِ بن عَليّ، فَقَالَ لَهُ أَبُو دلامة: أنشدتك بِاللَّه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن تحضرني شَيْئا من عساكرك، فَإِنِّي شهِدت تِسْعَة عَسَاكِر انْهَزَمت كلهَا، وأخاف
[ ١٧٥ ]
أَن يكون عسكرك الْعَاشِر، فَضَحِك مِنْهُ وأعفاه.
[٩١] أَنبأَنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْحُسَيْن قَالَ: أنبأ أَحْمد بن أَحْمد الوَاسِطِيّ قَالَ: أنبأ أَبُو أَحْمد الفرضي قَالَ: أنبأ أَبُو عمر مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد قَالَ: نَا ثَعْلَب عَن مُحَمَّد بن سَلام قَالَ: لَقِي روح بن حَاتِم بعض الحروب، فَقَالَ لأبي دلامة - وَقد دَعَا رجلا مِنْهُم إِلَى البرَاز تقوم إِلَيْهِ؟ قَالَ: لست بِصَاحِب قتال. قَالَ: لتفعلن. قَالَ: إِنِّي جَائِع فأطعمني. فَدفع إِلَيْهِ خبْزًا وَلَحْمًا، وَتقدم فهم بِهِ الرجل، فَقَالَ لَهُ أَبُو دلامة: اصبر، مَا هَذَا؟ ثمَّ قَالَ: أتعرفني؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَل أعرفك؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَمَا فِي الدُّنْيَا أَحمَق منا وَدعَاهُ للغداء فتغديا جَمِيعًا وافترقا. فَسَأَلَ روح عَن مَا فعل، فَحدث فَضَحِك وَدعَاهُ، فَسَأَلَهُ عَن الْقِصَّة فَقَالَ:
(إِنِّي أعوذ بِروح أَن يقدمني إِلَى الْقِتَال فَيجْرِي فيّ بَنو أَسد)
(آل الْمُهلب حب الْمَوْت إرثكم إِذْ لَا أورث حب الْمَوْت عَن أحد)
قَالَ المُصَنّف: توفّي أَبُو دلامة سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَة.
[٩٢] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي قَالَ أنبأ جَعْفَر بن أَحْمد قَالَ أنبا أَبُو بكر مُحَمَّد بن عَليّ الدينَوَرِي قَالَ: سَمِعت أَبَا الْفضل عبد الْوَاحِد بن عبد الْعَزِيز الْوَاعِظ قَالَ: سَمِعت أَبَا الصَّقْر يَقُول: سَمِعت جمَاعَة من أَصْحَابنَا يَقُولُونَ:
[ ١٧٦ ]
سمعنَا أَبَا زيد الْمصْرِيّ يَقُول: رَأَيْت [زنجيا] مُتَعَلقا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة يَقُول كلَاما بالزنجية، فَسَأَلت زنجيا فصيحا أَن يفسره لي فَقَالَ: إِنَّه يَقُول:
(مدامعي مِنْك قريحات وَفِي الحشا مِنْك سريرات)
(طُوبَى لمن مَاتَ وأعضاؤه من الْمعاصِي مستريحات)
[٩٣] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ: أَنا أَبُو الْحُسَيْن بن عبد الْجَبَّار قَالَ أَنبأَنَا أَبُو مُحَمَّد الْجَوْهَرِي قَالَ: أَنبأَنَا ابْن حيوية. قَالَ: نَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن خلف قَالَ: أنبأ عبد اللَّهِ بن شبيب قَالَ: أَخْبرنِي الزبير بن بكار قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد ابْن الْحسن قَالَ: حَدثنِي فهَيْرَة بن مرّة قَالَ: كَانَ لي غُلَام أسود يَسُوق بِأَصْحَابِي وينطق بالزنجية بِشَيْء يشبه الشّعْر، فَمر بِنَا رجل يعرف لِسَانه، فاستمع لَهُ، ثمَّ قَالَ: يَقُول:
(فَقلت لَهَا إِنِّي اهتديت لفتية أناخوا بِي عجاج قَلَائِص سَهْما)
(فَقَالَت كَذَاك العاشقون وَمن يخف عُيُون الأعادي يَجْعَل اللَّيْل سلما)
قَالَ ابْن خلف: وحَدثني عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان قَالَ: حَدثنِي القحطبي قَالَ: أَخْبرنِي بعض الروَاة قَالَ: بَينا أَنا يَوْمًا على ركي قَاعِدا، وَذَلِكَ فِي أَشد مَا يكون من الْحر إِذا بِجَارِيَة سَوْدَاء تحمل جرا لَهَا، فَلَمَّا وصلت
[ ١٧٧ ]
إِلَى الركي وضعت جرها، ثمَّ تنفست الصعداء وَقَالَت:
(حر هجر وحر حب وحر أَيْن من ذَا وَذَا وَذَاكَ المفر)
وملأت الجرة وانصرفت، فَلم ألبث إِلَّا يَسِيرا حَتَّى جَاءَ أسود وَمَعَهُ جر فَوَضعه بِحَيْثُ وضعت السَّوْدَاء الْجَرّ فَمر بِهِ كلب أسود فَرمى إِلَيْهِ رغيفا كَانَ مَعَه وَقَالَ:
(أحب لحبها السودَان حَتَّى أحب لحبها سود الْكلاب)
[٩٤] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي قَالَ أنبأ جَعْفَر بن أَحْمد قَالَ أنبأ أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد الْكَرِيم الجواليقي قَالَ أنبأ مُحَمَّد بن فَارس الْحَافِظ قَالَ: نَا عبد اللَّهِ بن مُحَمَّد بن جَعْفَر قَالَ: حَدثنِي عَليّ بن حَمْزَة قَالَ: ثَنَا أَبُو العيناء قَالَ ثَنَا الْأَصْمَعِي عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء عَن السّري بن جَابر قَالَ: دخلت بِلَاد الزنج فَرَأَيْت زنجية تدق الْأرز وتبكي وَتقول كلَاما لم أَقف عَلَيْهِ، فَسَأَلت شَيخا، فَقَالَ تَقول:
(رميت بطرفي يمنة ثمَّ يسرة فَلم أر غير اللَّهِ يألفه قلبِي)
(فجئتك إدلالا بِمن قد عَرفته وبالفعل وَالْإِحْسَان تغْفر لي ذَنبي)
(أياديك لَا تخفى وَإِن طَال عدهَا وإحسانك المبذول فِي الشرق والغرب)
[ ١٧٨ ]
بلغنَا عَن ذِي النُّون [الْمصْرِيّ] أَنه قَالَ: كنت يَوْمًا مارا فِي تيه الشَّام فَإِذا أَنا بزنجي مفلفل الشّعْر كلما ذكر اللَّهِ [تَعَالَى] حَالَتْ لبسته وتغيرت، وَصَارَ وَجهه كدارة الْقَمَر، وَزَالَ السوَاد، فَقلت لَهُ: يَا أسود، إِنِّي أرى مِنْك عجبا، قَالَ: وَمَا الَّذِي رَأَيْت؟ قلت: أَرَاك كلما ذكرت اللَّهِ ﷿ حَالَتْ لبستك وَتغَير لونك فَقَالَ: وَمن هَذَا تعجب؟ أإنك لَو ذكرت اللَّهِ ﷿ حَقِيقَة ذكره لحلت لبستك وَتغَير لونك، ثمَّ جعل ذَلِك الزنْجِي يخطو فِي التيه وَيَقُول:
(ذكرنَا وماكنا نَسِينَا لنذكر وَلَكِن نسيم الْقرب يَبْدُو فيبهر)
(فأحيا بِهِ عني وَأَحْيَا بِهِ لَهُ إِذْ الْحق عَنهُ مخبر ومعبر)
وبلغنا عَن بعض السّلف أَنه قَالَ: لقِيت أسود فِي الْبَريَّة كلما ذكر اللَّهِ [﷿] ابيضّ، فَقلت لَهُ: مَا هَذَا؟ فَأَنْشد:
(أَمُوت إِذا ذكرتك ثمَّ أَحْيَا فكم أَحْيَا عَلَيْك وَكم أَمُوت)
(شربت الْحبّ كأسا بعد كأس فَمَا نفد الشَّرَاب وَلَا رويت)
[ ١٧٩ ]