ولا ينبغي أن يحضر مجالس أهل الشرب إلا أن يكون أهل المجلس أدباء فضلاء. وأما غيرهم فلا لئلا يسمع الكلام القبيح والسخافات التي تجري فيه.
وينبغي أن لا يأكل حتى يفرغ من وظئاف الأدب التي يتعملها ويتعب تعبا كافيا. وينبغي أن يمنع من كل فعل يستره. ويخنفيه فإنه ليس يخفى شيئا إلا وهو يظن أو يعلم أنه قبيح. يومنع من النوم الكثير فإنه يقبحه ويغلظ ذهنه ويميت خاطره. هذا بالليل فأما بالنهار فلا ينبغي أن يتعوده ألبتة. ويمنع أيضا من الفراش الوطيء وميع أنواع الترفه حتى يصلب بدنه ويتعود الخشونة ولا يتعود الخيش والأسراب في الصيف ولا الأوبار والنيران في الشتاء للأسباب التي ذكرناها. ويعود المشي والحركة والركوب والرياضة حتى لا يتعود أضدادها.
[ ٧١ ]
ويعود أن لا يكشف أطرافه ولا يسرع في المشي ولا يرخي يديه بل يضمهما إلى صدره ولا يربي شعره. ولا يزين بملابس النساء ولا يلبس خاتما إلا وقت حاجته إليه. ولا يفتخر على أقرانه بشيء مما يملكه والداه من مآكله وملابسه وما يجري مجراه ولا يشين بل يتواضع لكل أحد ويكرم كل من عاشره.
ولا يتوصل بشرف إن كان له أو سلطان من أهله إن اتفق إلى غضب من هو دونه أو استهداء من لا يمكنه أن يرده عن هواه أو تطاوله عليه. كمن اتفق له إن كان خاله وزيرا أو عمه سلطانا فتطرق به إلى هضيمة أقرانه وثلم أخوانه ولا يتمخط ولا يتثاءب بحضرة غيره. ولا يضع رجلا على رجل ولا يضرب تحت ذقنه بساعده ولا يعمد رأسه بيده. فإن هذا دليل الكسل وأنه قد بلغ به القبيح إلى أن لا يحمل رأسه حتى يستعين بيده. ويعود أن لا يكذب ولا يحلف البتة لا صادقا ولا كاذبا. فإن هذا قبيح بالرجال مع الحاجة إليه في بعض الأوقات فأما الصبي فلا حاجة به إلى اليمين. ويعود أيضا قلة الكلام فلا يتكلم إلا جوابا. وإذا حضر من هو أكبر منه اشتغل بالاستماع منه والصمت له. ويمنع من خبيث الكلام وهجينه ومن السب واللعن ولغو القول. ويعود حسن الكلام وظريفه وجميل اللقاء وكريمه ولا يرخص له أن يستمع لاضدادها من غيره.
[ ٧٢ ]
ويعود خدمة نفسه ومعلمه وكل من كان أكبر منه.
وأحوج الصبيان إلى هذا الأدب أولاد الأغنياء والمترفين. وينبغي إذا ضربه المعلم أن لا يصرخ ولا يستشفع بأحد فإن هذا فعل المماليك ومن هو خوار ضعيف. ولا يعير أحدا إلا بالقبيح والسيء من الأدب. ويعود أن لا يوحش الصبيان. بل يبرهم ويكافئهم على الجميل بأكثر منه لئلا يتعود الريح على الصبيان وعلى الصديق. ويبغض إليه الفضة والذهب ويحذر منهما أكثر من تحذير السباع والحيات والعقارب والأفاعي. فإن حب الفضة والذهب آفته أكثر من آفات السموم. وينبغي أن يؤذن له في بعض الأوقات أن يلعب لعبا جميلا ليستريح إليه من تعب الأدب ولا يكون في لعبه ألم ولا تعب شديد.
ويعود طاعة والديه ومعلميه ومؤديه وإن ينظر اليهم بعين الجلالة والتعظيم ويهلبهم. وهذه الآداب النافعة للصبيان هي للكبار من الناس أيضا نافعة ولكنها للأحداث أنفع لأنها تعودهم محبة الفضائل وينشأون عليها فلا يثقل عليهم تجنب الرذائل ويسهل عليهم بعد ذلك جمثيع ما ترسمه الحكمة وتحده الشريعة والسنة. ويعتادون ضبط النفس عما تدعوهم إليه من الذات القبيحة وتكفهم عن الإنهماك في شيء منها والفكر الكثير فيها. وتسوقهم إلى مرتبة الفلسفة العالية وترقيهم إلى معالي الأمور التي وصفناها في أول الكتاب من التقرب إلى الله ﷿ ومجاورة الملائكة
[ ٧٣ ]
مع حسن الحال في الدنيا وطيب العيش وجميل الأحدوثة وقلة الأعداء وكثرة المداح والراغبين في مودته من الفضلاء خاصة. فإذا تجاوز هذه الرتبة وبلغ أيامه إلى أن يفهم أغراض الناس وعواقب الأمور فهم أن الغرض الأخير من هذه الأشياء التي يقصدها الناس ويحرصون عليها من الثروة وإقتناء الضياع والعبيد والخيل والفرش وأشباه ذلك إنما هو لنر فيه البدن وحفظ صحته. وأن يبقى على إعتداله مدة ما. وأن لا يقع في الأعراض ولا تفجأه المنية. وأن يهنأ بنعمة الله عليه ويستعد لدار البقاء والحياة السرمدية. وأن اللذات كلها في الحقيقة هي خلاص من آلام وراحات من تعب. فإذا عرف ذلك وتحققه ثم تعوده بالسيرة الدائمة وعود الرياضات التي تحرك الحرارة الغريزية وتحفظ الصحة وتنفي الكسل وتطرد البلادة وتبعث النشاط وتذكي النفس. فمن كان ممولا مترفا كانت هذه الأشياء التي رسمتها أصعب عليه لكثرة من يحتف به ويغويه ولموافقة طبيعة الإنسان في أول ما تنشأ هذه اللذات وإجماع جمهور الناس على نيل ما أمكنهم منها وطلب ما تعذر عليهم بغاية جهدهم. فأما الفقراء فالأمر عليهم أسهل بل هم قريبون إلى الفضائل قادرون عليها متمكنون من نيلها والإصابة منها. وحال المتوسطين من الناس متوسطة بين هاتين الحالتين. وقد كان ملوك الفرس الفضلاء لا يربون أولادهم بين حشمهم وخواصهم خوفا عليهم من الأحوال التي ذكرناها ومن سماع ما حذرت منه. وكانوا ينفذونهم مع ثقاتهم إلى النواحي البيعدة منهم.
[ ٧٤ ]
وكان يتولى تربيتهم أهل الجفاء وخشونة العيش ومن لا يعرف التنعم ولا الترفه وأخبارهم في ذلك مشهورة. وكثير من رؤسائهم في زماننا هذا ينقولن أولادهم عندما ينشأون إلى بلادهم ليتعودوا بها هذه الطرق المحمودة في تأديب الأحداث فقد عرفت أضدادها. أعني أن يشتغل بصلاحه وتقويمه فإنه قد صار بمنزلة الخنزير الوحشي الذي لا يطمع في رياضته فإن نفسه العاقلة تصير خادمة لنفسه البهيمية ولنفسه الغضبية فهي منهمكة في مطالبها من النزوات. وكما أنه لا سبيل إلى رياضة سباع البهائم الوحشية التي لا تقبل التأديب كذلك لا سبيل إلى رياضة من نشأ على هذه الطريقة واعتادها وأمعن قليلا في السن. اللهم إلا أن يكون في جميع أحواله عالما بقبح سيرته ذا مالها عائبا على نفسه عازما على الإقلاع والإنابة. فإن مثل هذا الإنسان من يرجى له النزوع عن أخلاقه بالتدريج والرجوع إلى الطريقة المثلى بالتوبة وبمصاحبةب الأخيار وأهل الحكمة وبالأكباب على التفلسف. وإذ قد ذكرنا الخلق المحمود وما ينبغي أن يؤخذ به الأحداث والصبيان فنحن واصفون جميع القوى التي تحدث لليحوان أولا أولا إلى أن ينتهي إلى أقصى الكمال في الإنسانية فإنك شديد الحاجة إلى معرفة ذلك لتبتديء على الترتيب الطبيعي في تقويم واحد منها فنقول:
[ ٧٥ ]