إن هذه الأسباب كلها ماخلا المحبة الإلهية إذا كانت مشتركة بين المتحابين وكانت واحدة بعينها جاز في الشيئين أن ينعقدا معا وينحلا معا وجاز أيضا أن يبقى أحدهما وينحل الآخر.
مثال ذلك أن اللذات المشتركة بين الرجل والمرأة هي سبب للمحبة بينهما فقد يجوز أن تجتمع المحبات لأن السبب واحد وهي اللذة.
[ ١٥٥ ]
وقد يجوز أن تنقطع إحداهما وتبقى الأخرى وذلك أن اللذة تتغير ولا تكاد تثبت كما تقم وصفها. فقد يجوز أن يتغير سبب إحدى المحبتين ويثبت الآخر. وايضا فإن بين الرجل وبين زوجته خيرات مشتركة ومنافع مختلفة وهما يتعاونان عليها أعني الخيرات الخارجة عنها وهي الأسباب التي تعمر بها المنازل.
فالمرأة تنتظر من زوجها تلك الخيرات لأنه هو الذي يكتسبها ويحضرها. وأما الرجل فإنه ينتظر من زوجته ضبط تلك الخيرات لأنها هي التي تحفظها وتدبرها لتثمر ولا تضيع فمتى قصر أحدهما اختلفت المحبة وحدثت الشكايات ولا تزال كذلك إلى أن تتقطع أو تبقى مع الشكايات والملامة. وكذلك حال المنفعة المشتركة بين الناس إذا كانت واحدة بعينها.
وأما المحبات المختلفة التي أسبابها مختلفة فهي أولى بسرعة التحلل. ومثال ذلك أن تكون محبة أحد المتحابين لأجل المنفعة ومحبة الآخر لأجل اللذة كما يعرض ذلك للمعاشرين على أن أحدهما مغن والآخر مستمع فإن المغنى منهما يحب المستمع لأجل المنفعة والمستمع منهما يحب المغنى لأجل اللذة. وكما يعرض أيضا بين العاشق والمعشوق اللذين أحدهما يلتذ بالنظر والآخر ينتظر المنفعة وهذا الصنف من المحبة يعرض فيه أبدا التشكي والتظلم. وذلك أن طالب اللذة يتعجل مطلوبه وطالب المنفعة يتأخر عنه ولا يكاد يعتدل الأمر بينهما. لذلك ترى العاشق يشكو معشوقه ويتظلم منه وهو بالحقيقة ظالم ينبغي أن يشتكي لأنه يتعجل لذته بالنظر ولا يرى المكافأة بما يستحق صاحب.
والمحبة اللوامة كثيرة الأنواع غلا أن الأصل فيها ما ذكرت. ويوشك أن تكو المحبة بين الرئيس والمرؤوس والغنى والفقير تعرض لها الملامة والتوبيخ لأجل اختلاف الأسباب ولأن كل واحد ينتظر من المكافأة عند الآخر ما لا يجده عنده فيقع فساد في النيات بينهما ثم استبطاء ثم ملامات.
[ ١٥٦ ]
ويزيل ذلك طلب العدالة ورضاء كل واحد بما يستحقه من الآخر وبذل كل واحد للآخر العدل المبسوط بينهما.
والمماليك خاصة لا يرضيهم من مواليهم إلا الزيادة الكثيرة في الإستحقاق وكذلك الموالي يستبطئون العبيد في الخمدمة والشفقة والنصيحة وفي جميع ذلك يقع اللوم وفساد الضمير.
فهذه المحبة اللوامة لا يكاد يخلوا الإنسان منها إلا على شريطة العدل وطلب الوسط من الإستحقاق والرضا به وهو صعب.