فهذه أسباب الغضب والأمراض الحادثة منها ومن عرف العدالة وتخلق بها كما قدمناه فيما تقدم سهل عليه علاج هذا المرض لأنه جورو خروج عن الإعتدال. ولذلك لا ينبغي أن نسميه بأسماء المديح. وأعني بذلك أن قوما يسمون هذا النوع من الجور أعني الغضب في غير موضعه رجزلية وشدة شكيمة ويذهبون به مذهب الشجاعة التي هي بالحقيقة اسم للمدح وشتان ما بين المذهبين. فإن صاحب هذا الخلق الذي ذممناه تصدر عنه أفعال رديئة كثيرة يجور فيها على نفسه ثم على إخوانه ثمعلى الأقرب فالأقرب من معامليه حتى ينتهي إلى عبيده وإلى حرمه فيكون عليهم سوط عذاب ولا يقيلهم عثرة ولا يرحم لهم عبرة وإن كانوا برآء من الذنوب غير مجترمين ولا مكتسبين سواء بل يتجرم عليهم ويهيج من أدنى سبب يجد به طريقا إليهم حتى يبسط لسانه ويده وهم لا يمتنعون منه ولا يتجاسرون على رده عن أنفسهم بل يذعنون له ويقرون بذنوب لم يقترفوها إستكفافا لشره وتسكينا لغضبه وهو مع ذلك مستمر على طريقته لا يكف يدا ولا لسانا وربما تجاوز في هذه المعاملة الناس إلى البهائم التي لا تعقل وإلى الأواني التي لا تحس. فإن صاحب هذاالخلق الردىء ربما قام إلى الحمار والبرذون أو إلى الحمار والعصفور فيتناولها بالضرر والمكروه وربما عض القفل إذا تعسر عليه وكسر الآنية التي لا يجد فيها طاعة لأمره.
[ ٢١١ ]
وهذا النوع من رداءة الخلق مشهور في كثير من الجهال يستعملونه في الثوب والزجاج والحديد وسائر الآلات، أماالملوك من هذه الطائفة فإنهم يغضبون على الهواء إذا هب مخالفا لهواهم وعلى القلم إذا لم يجر على رضاهم فيسبون ذاك ويكسرون هذا. وكان بعض من تقدم عهده من الملوك يغضب على البحر إذا تأخرت سفينة فيه لاضطرابه وحركة الأمواج حتى يهدهه بطرح الجبال فيه وطمّه بها. وكان بعض السفهاء في عصرنا بغضب على القمر ويسبه ويهجوه بشعر له مشهور. وذلك أنه كان يتأذى به إذا نام فيه.
وهذه الأفعال كلها قبيحة وبعضها مع قبحه مضحك يهزأ بصاحبه. فكيف يمدح بالرجولية والشدة وشرف النفس وعزتها وهي بالمذمة والفضيحة أولى منها بالمديح؟ وأي حظ لها في العزة والشدة ونحن نجدها في النساء أكثر منها في الرجال وفي المرضى أقوى منها في الأصحاء ونجد الصبيان أسرع غضبا وضجرا من الرجال.
والشيوخ أكثر من الشبان ونجد رذيلة الشره. فإن الشره إذا تعذر عليه ما يشتهيه غضب وشجر على من يهىء طعامه وشرابه من نسائه وأولاده وخدمه وسائر من يلابس أمره. والبخيل إذا فقد شيئا من ماله تسرع بالغضب على أصدقائه ومخالطيه وتوجهت تهمته إلى أهل الثقة من خدمه ومواليه. وهؤلاء الطبقة لا يحصلون من أخلاقهم إلا على فقد الصديق وعدم النصيح وعلى الذم السريع واللوم الوجيع.
وهذه حال لا تتم معها غبطة ولا سرور وصاحبها أبدا محزون كئيب متنغص بعيشه متبرم بأموره وهي حال الشقي المحروم.
أما الشجاع العزيز النفس فهوالذي يقهر بحلمه غضبه ويتمكن من التمييز والنظر فيما يدهم ولا يستفزه ما يرد عليه من المحركات لغضبه حتى يتورى وينظر كيف ينتقم ممن وعلى أي قدر.
[ ٢١٢ ]