الخير على قسمه أرسطوطا ليس وحكاه عنه قرقوريوس غيره قال الخيرات منها ما هي شريفة ومنها ماهي ممدوحة ومنها ما هي بالقوى كذلك وما هي نافعة فيها. فالشريفة منها هي التي شرفها من ذاتها وتجعل من اقتناها شريفا وهي الحكمة والعقل والممدوحة منها مثل الفضائل والأفعال الجميلة الإرداية والتي هي بالقوى مثل التهيء والإستعداد لنيل الأشياء التي تقدمت
[ ٨٨ ]
والنافعة هي جميع الأشياء التي تطلب لا لذاتها بل ليتوصل بها إلى الخيرات (وعلى جهة أخرى) الخيرات منها ما هي غايات ومنها ما ليست بغايات والغايات منها ما هي تامة ومنها ما هي غير تامة. فالتي هي تامة كالسعادة. وذلك أنا إذا وصلنا إليها لم نحتج أن نستزيد فنقتني أشياء أخر. وأما التي ليست بغاية ألبتة فكالعلاج والتعلم والرياضة (وعلى جهة أخرى) الخيرات منهاما هو مؤثر لأجل ذاته ومنها ما هو مؤثر لأجل غيره ومنها ما هو مؤثر للأمرين جميعا ومنها ما هو خارجعنها (وعلى جهة أخرى) الخيرات منها ما هوخير على الإطلاق ومنها ما هو خير عند الضرورة والإتفاقات التي تتفق لبعض النسا وفي وقت دون وقت. وأيضا منها ما هو خير لجميع الناس ومن جميع الوجوه وفي جميع الأوقات ومنها ما ليس بخير لجميع الناس ولا ما هو في المية ومنها ما هو في الكيفية وفي سائر المقولات كالقوى والملكات.
ومنها كالأحوال ومنها كالأفعال ومنها كالغايات ومنها كالمواد ومنها كالآلات ووجود الخيرات في المقولات كلها يكون على هذا المثال.
أما في الجوهر أعني ماليس بعرض فالله ﵎ هو الخير الأول فإن جميع الأشياء تتحرك نحوه بالشوق إليه ولأن مآل الخيرات الإلهية من البقاء والسرمدية والتمام منه.
[ ٨٩ ]
وأما في الكمية فالعدد فالمعتدل والمقدار المعتدل وأما في الكيفية فكاللذات، وأما في الإضافة فالكالصدقات والرياسات وأما في الأين والمتة فكالمكان المعتدل والزمان الأنيق البهج. وأما في الموضع فكالقعود والإضطجاع والإتكاء الموافق. وأما في الملك فكالأموال والمنافع وأما في الإنفعال فكالسماع الطيب وسائر المحسوسات المؤثرة وأما في الفعل فكنفاذ الأمر ورواج الفعل (وعلى جهة أخرى) الخيرات منها معقولات ومنها محسوسات.
وأما السعادة فقد قلنا أنها خير ما وهي تمام الخيرات وغاياتها والتمام هو الذي إذا بلغنا إليه لم نحتج معه إلى شيء آخر فلذلك نقول: أن السعادة هي أفضل الخيرات ولكنا نحتاج في هذا التمام الذي هو الغاية القصوى إلى سعادات أخرىوهي التي في البدن والتي خارج البدن (وارسطو طاليس) يقول أنه يعسر على الإنسان أن يفعل الأفعال الشريفة بلا مادة مثل اتساع اليد وكثرة الأصدقاء وجودة البخت. قال ولهذا ما احتاجت الحكمة إلى صناعة الملك في إظهار شرفها. قال ولهذا قلنا إن كان شيء عطية من الله تعالى وموهبة للناس فهو السعادة لأنها عطية منه عز إسمه وموهبة في أشرف منازل الخيرات وفي أعلى مراتبها وهوخاصة بالإنسان التام ولذلك لا يشاركه فيها من ليس بتام كالصبيان ومن يجري مجراهم.
[ ٩٠ ]
وأما أقسام السعادى على مذهب هذا الحكيم فهي خمسة أقسام. أحدها في صحة البدن ولطف الحواس ويكون ذلك من اعتدال المزاج أعني أن يكون جيد السمع والبصر والشم والذوق واللمسز والثاني في الثروة والأعوان وأشباهما حتى يتسع لأن يضع المال في موضعه ويعمل به سائر الخيرات ويواسي منه أهلالخيرات خاصة والمستحقين عامة ويعمل به كل ما يزيد في فضائله ويستحق الثناء والمدح عليه. والثالث أن تحسن أحدوثته في الناس وينشر ذكره بين أهل الفضل فيكون ممدوحا بينهم ويكثرون الثناء عليه لما يتصرف فيه من الإحسان والمعرفة. والرابع أن يكون منجحا في الأمور وذلك إذا استتم كل ما روى فيه وعزم عليه حتى يصير إلى ما يأمله منه. والخامس أن يكون جيد الرأى صحيح الفكر سليم الإعتقادات في دينه وغير دينه بريئا من الخطأ والزلل جيد المشورة في الآراء.
فمن اجتمعت له هذه الأقسام كلها فهو السعيد الكامل على مذهب هذا الرجل الفاضل ومن حصل له بعضها كان حظه من السعادة بحسب ذلك. وأما الحكماء قبل هذا الرجل مثل فيثاغورس وبقراط وأفلاطون وأشباههم فإنهم أجمعوا على أن الفضائل والسعادة كلها في النفس وحدها.
[ ٩١ ]
ولذلك لما قسموا السعادة جعلوها كلها في قوى النفس التي ذكرناها في أول الكتاب (وهي الحكمة والشجاعة والعفة والعدالة) وأجمعوا على أن هذه الفضائل هي كافية في السعادة ولا يحتاج معها إلى غيرها من فضائل البدن ولا ما هو خارج البدن، فإن الإنسان إذا حصل تلك الفضائل لم يضره في سعادته أن يكون سقيما ناقص الأعضاء مبتلي بجميع أمراض البدن. اللهم إلا أن يلحق النفس منها مضرة في خاص أفعالها مثل فساد العقل ورداءة الذهن وما أشبهها. وأما الفقر والخمول وسقوط الحال وسائر الأشياء الخارجة عنها فليست عندهم بقادحة في السعادة ألبتة، وأما الرواقيون وجماعة من الطبيعيين فإنهم جعلوا البدن جزءا من الإنسان ولم يجعلوه آلة كما شرحناه فيما نقدم. فلذلك اضطروا إلى أن يجعلوا السعادة التي في النفس غير كاملة إذا لم يقترن بها سعادة البدن وما هو خارج البدن أيضا أعني الأشياء التي تكون بالبخت والجد، والمحققون من الفلاسفة يحقرون أمر البخت وكل ما يكون به ومعه ولا يؤهلون تلك الأشياء لإسم السعادة لأن السعادة شيء ثابت زائل ولا متغير وهي أشرف الأمور وأكرمها وأرفعها فلا يجعلون لأحسن الأشياء وهو الذي يتغير ولا يثبت ولا يتحصل بروية ولا فكر ولا يتأتى بعقل وفضيلة فيها نصيبا.
[ ٩٢ ]
ولهذا النظر اختلف القدماء في السعادة العظمى فظن قوم أنها لا تحصل للإنسان إلا بعد مفارقة البدن والطبيعات كلها وهؤلاء هم القوم الذين حكينا عنهم أن السعادة العظمى هي في النفس وحدها وسموا الإنسان ذلك الجوهر وحده دون البدن ولذلك حكموا أنها ما دامت في البدن ومتصلة بالطبيعة وكدرها ونجاسات البدن وضروراته وحاجت الإنسان به وافتقاراته إلى الأشياء الكثيرة فليست سعيدة على الإطلاق. وأيضا لما روأها لا تكمل لوجود الأشياء العقلية لأنها لا تستتر عنها بظلمة الهيولي أعني قصورها ونقصانها ظنوا أنها إذا فارقت هذه الكدورة فارقت الجهالات وصفت وخلصت وقبلت الإضاءة والنور الإلهي أعني العقل التام. ويجب على رأى هؤلاء أن الإنسان لا يسعد السعادة التامة إلا في الآخرة بعد موته، وأما الفرقة الأخرى فإنها قالت انه من القبيح الشنيع أن يظن أن الإنسان ما دام حيا يعمل الأعمال الصالحة ويعتقد الآراء الصحيحة ويسعى في تحصيل الفضائل كلها لنفسه أولا ثم لأبناء جنسه ثانيا ويخلف رب العزة تقدس ذكره في خلقه بهذه الأفعال المرضية فهو شقي ناقص حتى إذا مات ودم ذكر الأشياء صار سعيدا تام السعادة.
وارسطوطاليس يتحقق بهذا الرأى وذلك أنه تكلم في السعادة الإنسانية والإنسان هو المركب عنده من بدن ونفس ولذلك حد الإنسان بالناطق المائت وبالناطق الماشي برجلين وما أشبه ذلك وهذه الفرقة التي رئيسها
[ ٩٣ ]
أرسطوطاليس رأت ان السعادة الإنسانية تحصل لللإنسان في الدنيا إذا سعى لها وتعب بها حتى يصير إلى أقصاها ولما رأى الحكيم ذلك وأن الناس مختلفون في هذه السعادة الإنسانيةن وأنها قد أشكلت عليهم أشكالا شديدا احتاج أن يتعب في الإبانة عنها وإطالة الكلام فيها. وذلك أن الفقير يرى أن السعادة العظمى في الثروة واليسار. والمريض يرى أنها في الصحة والسلامة. والذليل يرى أنها فيالجاه والسلطان. والخليع يرى أنها في التمكن من الشهوات كلها على اختلافها والعاشق يرى أنها في الظفر بالمعشوق. والفاضل يرى أنها في إفاضة المعروف على المستحقين. والفيلسوف يرى أن هذه كلها إذا كانت مرتبة بحسب تقسيط العدل أعني عند الحاجة وفي الوقت الذي يجب وكما يجب وعند من يجب. فهي سعادات كلها وما كان منها يراد لشيء آخر فذلك الشيء أحق باسم السعادة ولما كانت كل واحدة من هاتين الفرقتين نظرت نظرا ما وجب أن نقول في ذلك ما نراه صوابا وجامعا للرأيين فنقول: