إن الأجسام الطبيعية كلها تشترك في الحد الذي يعمها ثم تتفاضل بقبول الآثار الشريفة والصور التي تحدث فيها. فإن الجماد منها إذا قبل صورة مقبولة عند الناس صار بها أفضل من الطينة الأولى التي لا تقبل تلك الصورة. فإذا بلغ إلى أن يقبل صورة النبات صار بزيادة هذه الصورة أفضل من الجماد.
وتلك الزيادة هي الإغتذاء والنمو والإمتداد في الإقطار وإجتذاب ما يوافقه من الأرض والماء وترك ما لا يوافقه ونفض الفضلات التي تتولد فيه من غذائه عن جسمه بالصموغ. وهذه الأشياء التي ينفصل بها النبات من الجماد. وهذه الحالة الزائدة في النبات التي شرف بها على الجماد تتفاضل: وذلك أن بعضه يفارق الجماد مفارقة يسيرة كالمرجان وأشباهه. ثم يتدرج فيها فيحصل له من هذه الزيادة شيء بعد شيء فبعضه ينبت من غير زرع ولا بذر ولا يحفظ نوعه بالثمر والبزر. ويكفيه في حدوثه امتزاج العناصر وهبوب الرياح وطلوع الشمس فلذلك هو في أفق الجمادات وقريب الحال منها. ثم تزداد هذه الفضيلة في النبات فيفضل بعضه على بعض بنظام وترتيب حتى تظهر فيه قوة الأثمار وحفظ النوع بالبزر الذي يخلف به مثله فتصير هذه الحالة زائدة فيه ومميزة له عن حال ما قبله. ثم تقوى هذه الفضيلة فيه حتى يصير بعضه على بعض حتى يبلغ إلى أفقه ويصير في أفق الحيوان.
[ ٧٦ ]
وهي كرام الشجر كالزيتون والرمان والكرم وأصناف الفواكه إلا أنها بعد مختلطة القوى أعني أن قوى ذكورها وإناثها غير متميزة فهي تحمل وتلد المثل ولم تبلغ غاية أفقها الذي يتصل بأفق الحيوان. ثم تزداد وتمعن في هذا الأفق إلى ان تصير في أفق الحيوان فلا تحتمل زيادة. وذلك أنها أن قبلت زيادة يسيرة صارت حيوانا وخرجت عن أفق النبات. فحينئذ تتميز قواها ويحصل فيها ذكورة وأنوثة وتقبل من فضائل الحيوان أمورا تتيمز بها عن سائر النبات والشجر كالنخل الذي طالع أفق الحيوان بالخواص العشر المذكورة في مواضعها ولم يبق بينه وبين الحيوان إلا مرتبة واحدة وهي الإنقلاع من الأرض والسعي إلى الغذاء. وقد روى في الخبر ما هو كالإشارة أو كالرمز إلى هذا المعنى وهو قوله ﷺ: ﴿أكرموا عماتكم النخل فإنها خلقت من بقية طينة آدم﴾ فإذا تحرك النبات وانقلع من أفقه وسعى إلى غذائه ولم يتقيد في موضعه إلى أن يصير إليه غذاؤه وكونت له آلات أخر يتناول بها حاجاته التي تكمله فقد صار حيوانا.
وهذه الآلات تتزايد في الحيوان من أول أفقه وتتفاضل فيه فيشرف فيه بعضها على بعض كما كان ذلك في النبات فلا يزال يقبل فضيلة بعد فضيلة حتى تظهر فيه قوة الشعور باللذة والأذى فيلتذ بوصوله إلى منافعه ويتألم بوصول مضاره إليه. ثم يقبل الهام الله ﷿ إياه فيهتدي إلى مصالحه فيطلبها وإلى أضداده فيهرب منها. وما كان من الحيوان في أول أفق النبات فإنه لا يتزاوج ولا يخلف المثل بل يتوالد كالديدان والذباب وأصناف الحشرات الخسيسة.
ثم يتزايد فيه قبول الفضيلة كما كان في النبات سواء. ثم تحدث فيه قوة الغضب التي ينهض بها إلى دفع ما يؤذيه فيعطي من السلاح بحسب قوته وما يطيق استعماله. فإن كانت قوته الغضبية شديدة كان سلاحه تاما قويا. وإن
[ ٧٧ ]
كانت ناقصة كان ناقصا وإن كانت ضعيفة جدا لم يعط سلاح ألبتة بل أعطى آلة الهرب كشدة العدو والقدوة على الحيل التي تنجيه من مخاوفه. وأنت ترى ذلك عيانا من الحيوان الذي أعطى القرون التي تجري له مجرى الرماح.
والذي أعطى الأنياب والمخالب التي تجري له مجرى السكاكين والخناجر. والذي أعطى آلة الرمى التي تجري له مجرى النبل والنشاب. والذي اعطى الحوافر التي تجري له مجرى الدبوس والطبرزين. فأما ما لم يعط سلاحا لضعفه عن استعماله ولقلة شجاعته ونقصان قوته الغضبية ولأنه لو أعطيه لصار كلا عليه فقد أعطى آلة الهرب والحيل بجودة العدو والخفة والختل والمراوغة كالأرانب وأشباهها. وإذا تصفحت أحوال الموجودات من السباع والوحش والطير رأيت هذه الحكمة مستمرة فيها فتبارك الله أحسن الخالقين لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين، فأما الإنسان فقد عوض من هذه الآلات كلها بان هدى إلى استعمالها كلها وسخرت هذه كلها له وسنتكلم على ذلك في موضعه. فأما أسباب هذه الأشياء كلها والشكوك التي تعترض في قصد بعضها بعضا بالتلف والأنواع من الأذى فليس يليق بهذا الموضع وسأذكرها أن أخر الله في الأجل عند بلوغنا إلى الموضع الخاص بها.
[ ٧٨ ]