مثال ذلك أنا إذا أخرجنا من مركز الدائرة خطا مستقيما إلى المحيط صار طرفاه محدودين أحدهما المركز والآخر نهايته عند المحيط والبعد بينهما غاية البعد. ومثاله من المحسوس البياض والسوادفان أحدهما يضاد الآخر وهما محدودان موجودان والبعد بين الضدين غاية البعد فأما التي بينهما فهي بلا نهاية وكذلك الألوان هي بلا نهاية. وأما أطراف الفضيلة فلما كانت أكثر من واحد لمتسم ضدا لأن لكل ضد ضدا واحدا ولا يمكن أن توجد أضداد كثيرة لضد واحد.
والسبب في ذلك أن البعد بينهما غاية البعد وقد نجد للفضيلة الواحدة أكثر من واحد.
وذلك إذا تصورنا الفضيلة مركزا وأخرجنا منه خطا مستقيما فحصلت له نهاية أمكننا أن نخرج من الجانب الآخر المقابل له خطا آخر على استقامته فتصير له نهاية أخرى ويصيران جميعا مقابلين للمركز الذي فرضناه فضيلة إلا ان أحدهما يجري مجرى الأفراط والغلو والآخر يجري مجرى التفريط والتقتير. وإذا قد فُهم ذلك فليعلم أن لكل فضيلة طرفين محدودين يمكن الإشارة إليهما وأوساط بينهما كثيرة لا نهاية لها ولا يمكن الإشارة إليها. إلا أن الوسط الحقيقي هو واحد الذي سميناه فضيلة.
ثم ليعلم أننا بحسب هذا البيان نجعل أجناس الشرور والرذائل ثمانية لأنها ضعف الفضائل الأربع التي تقدم شرحها وهي هذه: التهور والجبن طرفان للوسط الذي هو الشجاعة. والشره والخمود طرفان للوسط الذي هو العفة. والسفه والبله طرفان للوسط الذي هو الحكمة. والجور والمهانة (أعني الظلم والإنظلام) طرفان للوسط الذي هو العدالة.
[ ٢٠٢ ]
فهذه أجناس الأمراض التي تقابل الفضائل التي هي صحة النفس وتحت هذه الأجناس أنواع لا نهاية لها ونبدأ بذكر التهور والجبن اللذين هما طرفا الشجاعة وهي فضيلة النفس وصحتها فنقول:
التهور والجبن
إن سببهما ومبدأهما النفس الغضبية ولذلك صارت الثلاثة بأسرها من علائق الغضب. والغضب في الحقيقة هو حركة للنفس يحدث بها غليان دم القلب شهوة للإنتقام. فإذا كانت هذه الحركة عنيفة أججت نار الغضب وأضرمتها فاحتد غليان دم القلب وامتلأت الشرايين والدماغ دخانا مظلما مضطربا يسوء منه حال العقل ويضعف فعله ويصير مثل الإنسان عند ذلك على ما حكته الحكماء مثل كهف ملىء حريقا وأضرم نارا فاختنق فيه اللهيب والدخان وعلا التأجج والصوت المسمى وحي النار فيصعب علاجه ويتعذر إطفاؤه ويصير كل ما يدنيه للإطفاء سببا لزيادته ومادة لقوته.
فلذلك يعمى الإنسان عن الرشد ويصمعن الموعظة بل تصير المواعظ في تلك الحال سببا للزيادة في الغضب ومادة اللهب والتأجج وليس له في تلك الحال حيلة. وإنما يتفاوت الناس في ذلك بحسب المزاج حارا يابسا كان قريب الحال من حال الكبريت الذي إذا أدنيت منه الشرارة الضعيفة التهب، وإن كان بالضد فحاله بالضد وهذا في مبدأ أمره وعنفوان حركة الغضب به. فأما إذا احتدم فيكاد الحال يتقارب فيه وتصور ذلك من الحطب اليابس والرطب ومبدأ إشتعال النار بسرعة وشدة من الكبريت والنقط. ثم انحدر منهما
[ ٢٠٣ ]
إلى الإدهان المتوسطة إلى أن تنتهي إلى الإحتكاك فإن الإحتكاك وإن كان ضعيفا في توليد النار فربما قوى حتى تلتهب منه الإجمة العظيمة. وكفاك مثل السحاب الذي هو من البخارين كيف يحتك حتى تنقدح بينهما النيران وينزل منهما الصواعق التي لا يثبت أثرها شيء من المواد ولا يفارق ما يتعلق به حتى يصير رميما وإن كان جبلا أطلسا وحجرا أصم.
وأما بقراطس فإنه قال إني للسفينة إذا عصفت الرياح وتلاطمت عليها الأمواج وقذفت بها إلى اللجج التي كالجبال أرجى مني للغضبان الملتهب.
وذلك أن السفينة في تلك الحال يلطف لها الملاحون ويخلصونها بضروب الحيل وأما النفس إذا استشاطت غضبا فليس يرجى لها حيلة ألبتة.
وذلك أن كل ما رجة به الضغب من التضرع والمواعظ والخضوع يصير له بمنزلة الجزل من الحطب يوهجه ويزيده إشتعالا. أما أسبابه المولدة له فيه العجب. والإفتخار. والمراء. واللجاج. والمزاح. والتيه. والإستهزاء. والغدر. والضيم. وطلب الأمور التي فيها لذة ويتنافس فيها الناس ويتحاسدون عليها. وشهوة الإنتقام غاية لجميعها لأنها بأجمعها تنتهي إليه ومن لواحقه الندامة وتوقع المجازاة بالعقاب عاجلا وآجلا وتغير المزاج وتعجل الألم. وذلك أن الغضب جنون ساعة وربما أدى إلى التلف بإختناق لحرارة القلب وربما كان سببا لأمراض صعبة مؤدية إلى التلف. ثم من لواحقه مقت الأصدقاء وشماتة الأعداء وإستهزاء الحساد والأردال من الناس. ولكل واحد من هذه الأسباب وإماطتها فقد أوهنا قوة الغضب وقطعنا مادتها وأمنا غائلتها.
[ ٢٠٤ ]
فإن عرض لنا منها عارض كان بحيث نطيع العقل ونلتزم شرائطه وحدثت فضيلته أعني الشجاعة فيكون حينئذ أقدامنا على ما نقدم عليه كما يجب وبحيث يجب وبالمقدار الذي يجب وعلى من يحب.