ولما كان الخوف الشديد غير موضعه من أمراض النفس وكان متصلا بهذه القوة وجب أن نذكره ونذكر أسبابه وعلاجه فنقول: إن الخوف يعرض من توقع مكروه وانتظار محذور والتوقع والإنتظار إنما يكونان للحوادث في الزمان المستقبل.
وهذه الحوادث ربما كانت عظيمة وربما كانت يسيرة وربما كانت ضرورية وربماكانت ممكنة، والأمور الممكنة ربما كنا نحن أسبابها وربما كان غيرنا سببها وجميع هذه الأقسام لا ينبغي للعاقل أن يخاف منها.
أما الأمور الممكنة فهي بالجملة مترددة بين أن تكون وبين أن لا تكون ولا يجب أن يصمم على أنها تكون فيستشعر الخوف منها ويتعجل مكروه التألم بها وهي لم تقع بعد ولعلها لا تقع وقد أحسن الشاعر في قوله:
وقل للفؤاد أن ترى بك نزوة من الروع أفرج أكثر الروع باطله
فهذه حال ما كان منها عن سبب خارج وقد أعلمناك أنها ليست من الواجبات التي لا بد من وقوعها. وما كان كذلك فالخوف من مكروهه يجب أن يكون على قدر حدوثة. وإنما يحسن العيش وتطيب الحياة بالظن الجميل والأمل القوي وترك الفكر في كل ما يمكن أن لا يقع من المكاره وأما ما كان سببه سوء اختيارنا وجنايتنا
[ ٢١٥ ]
على أنفسنا فينبغي أن نحترز منه بترك الذنوب والجنايات التي نخاف عواقبها ولا نقدم على أمر لا تؤمن غائلته فإن هذا فعل من نسى أن الممكن هو الذي يجوز أن يكون ويجوز أن لا يكون.
وذلك أنه إذا أتى ذنبا أو جنى جناية قدر في نفسه أنه يخفى ولا يظهر أو لا يخفى فيظهر إلا أنه يتجاوز عنه أولا تكون له غائلة. وكأنه يجعل طبيعة الممكن واجبا كما أن صاحب القسم الأول يجعل أيضا الممكن واجبا إلا أن هذا يأمن الجانب المحذور خاصة وأعني بهذا أن الممكن لما كان متوسطا بين الجانب الواجب والجانب الممتنع صار كالشيء الذي له جهتان إحداهما تلي الواجب والأخرى تلي الممتنع. ومثال ذلك خط اج ب فنقطة اهي الجانب الواجب. ونقطة ب هي الجانب الممتنع. وموضع ج هوالممكن وبعده من الجانبين بعد واحد. فله إلى نقطة (١) جهة. وله إلى نقطة (ب) جهة. فإذا صار مستقبله ماضيا بطل إسم الممكن عنه وحصل إما في جانب الواجب وأما في جانب الممتنع وليس يصح ما دام ممكنا أن يحسب لا من من هذا الجانب ولا من ذاك الجانب بل يعتقد فيه طبيعته الخاصة به وهو أنه يمكن أن يصير إلى ههنا أو إلى هناك. ولهذا قال الحكيم وجوه الأمور الممكنة في أعقابها. وأما الأمور الضرورية كالهرم وتوابعه فعلاج الخوف منه أن نعلم أن الإنسان إذا حب طول الحياة فقد أحب لا محالة الهرم واستشعره إستشعار ما لا بد منه. ومع الهرم يحدث نقصان الحرارة الغريزية والرطوبة الأصلية التابعة لها وغلبة ضديهما من البرد واليبس وضعف الأعضاء الأصلية كلها. ويتبع ذلك قلة الحركة وبطلان النشاط وضعف آلات الهضم وسقوط آلات الطحن ونقصان القوى المدبرة للحيا، أعني القوة الجاذبة والقوة الممسكة والهاضمة والدافعة وسائر ما يتبعها من مواد الحيابة.
[ ٢١٦ ]
وليست الأمراض والآلام شيأ غير هذه الأشيأ ثم يتبع ذلك موت الأحياء وفقد الأعزاء والمستشعر لهذه الأشياء الملتزم لشرائطها في مبدأ كونه لا يخاف منها بل ينتظرها ويرجوها ويدعي له بها ويرغب إلى الله فيها.
فهذه جملة الكلام على الخوف المطلق ولما كان أعظم ما يلحق الإنسان منه هو خوف الموت وكان هذا الخوف عاما وهو مع عمومه أشد وأبلغ من جميع المخاوف وجب أن نبدأ بالكلام فيه فنقول: