وأما الرجل الخير الفاضل فإن سيرته جيدة محبوبة فهو يحب ذاته وأفعاله ويسر بنفسه ويسر به أيضا غيره ويختار كل إنسان مواصلته ومصادقته فهو صديق نفسه والناس أصدقاؤه وليس يضاده إلا الشرير فقط ويعرض لمن هذه سيرته أن يحسن
[ ١٦٣ ]
إلى غيره بقصد وبغير قصد. وذلك أن أفعاله لذيذة محبوبوة واللذيذ المحبوب مختار فيكثر المقبلون عليه والمحتفون به والآخذون عنه.
وهذا هو الإحسان الذاتي الذي يبقى ولا ينقطع ويتزايد على الأيام ولا ينتقص.
وأما الإحسان العرضي الذي ليس بخلقي ولا هو سيرة لصاحبه فإنه ينقطع ويلحق فيه اللوم. والمحبة التي تعرض منه تلحق بالمحبات اللوامة.
ولذلك يوصي صاحبه بتربيته فيقال له تربية الصنعة أصعب من إبتدائها. والمحبة التي تحدث بين المحسن والمحسن إليه يكون فيها زيادة ونقصان أعني أن محبة المحسن للمحسن إليه أشد من محبة المحسن إليه للمحسن. واستدل أرسطوطاليس على ذلك بأن المقرض وصانع المعروف يهتم كل واحد منهما بمن أقرضه واصطنع المعروف عنده ويتعاهد أنهما ويحبان سلامتهما. أما المقرض فربما أحب سلامة المقترض لمكان الأخذ لا لمكان المحبة أعني أنه يدعو له بالسلامة والبقاء وسبوغ النعمة ليصل إلى حقهز وأما المقترض فليس يعني كبير عناية بالمقرضولا يدعو له بهذه الدعوات وأما مصطنع المعروف فإنه بالحق الواجب يود الذي اصطنع إليه معروفه وإن لم ينتظر منه منفعة. ذلك أن كل صانع فعل جيد محمود يحب مصنوعه فإذا كان مصنوعه مستقيما جيدا وجب أن يكون محبوبا في الغاية. فقد تبين أن محبة المحسن أشد من محبة المحسن إليه.
وأما المحسن إليه فشهوته للإحسان أشد وأزيد من شهوة المحسن. وايضا فإن المحبة المكتسبة بالإحسان المرباة على طول الزمان تجري مجرى القنيات التي يتعب بتحصيلها فإن ما يكتسب منها على سبيل التعب والنصب تكون المحبة له أشد والضن به أكثر.
[ ١٦٤ ]
ومن وصل إلى المال بغير تعب لم يكترث به ولم يشح عليه وبذله في غير موضعه كما يفعل الوراث ومن يجري مجراهم.
وأما من وصل إليه بتعب وسافر في طلبه وشقى بجمعه فإنه لا محالة يكون شديد الضن به والمحبة له. ولهذه العلة صارت الأم أكثر محبة للولد من الأب ويعرض لها من الحنين والوله أضعاف ما يعرض للأب.
وبهذا النوع من المحبة يحب الشاعر شعره ويعجب به أكثر من أعجاب غيره ولك فاعل فعل يتعب به فهو يحب فعله. وأيضا فإن المنفعل لا يتعب كتعب الفاعل والآخذ منفعل والمعطي فاعل فمن هذه الوجوه يتبين أن مصطنع المعروف يحب من أحسن إليه حيا شديدا. ومن الناس من يصطنع المعروف لأجل الخير نفسه. ومنهم من يصطنعه لأجل الذكر الجميل. ومنهم من يصطنعه رياء فقط. ومن البين أن أعلاهم مرتبة من صنعه لذاته أعني لذات الخير. وصاحب هذه الرتبة لا يعرف الذكر الجميل والثناء الباقي ومحبة من لم يصطنع المعروف عنده وإن لم يقصد ذلك الفعل ولا بالنية.
ولما حكمنا فيما تقدم حكما مقبولا لا يرده أحد وهو أن كل إنسان يجب نفسه وكانت هذه المحبة لا محالة تنقسم بالأقسام الثلاثة التي ذكرناها أعني اللذة والمنافع والخير وجب من ذلك أن لا يوجد من لا يميز بين هذه الأقسام حتى يعرف الأفضل، فالأفضل منها فلا يدري كيف يحسن إلى نفسه التي هي محبوبته فيقع في ضروب من الخطأ لجهله بالخير الحقيقي.
ولذلك صار بعض الناس يختار لنفسه سيرة اللذة وبعضهم سيرة الكرامة والمنافع لأنهم لا يعرفون ما هو أفضل منها.
[ ١٦٥ ]
وأما من عرف سيرة الخير وعلو مرتبته فهو لا محالة يختار لنفسه أفضل السير وأكرم الخيرات فلا يؤثر اللذات البهيمية ولا اللذات الخارجة عن نفسه فإنها عرضية كلها ومستحيلة ومنحلة لكنه يختار لها أتم الخيرات وأعلاها واعظمها وهو الخير الذي لها بالذات أعني الذي ليس بخارج عنها وهو الذي ينسب إلى جزئه الإلهي ومن سار بهذه السيرة وأختارها لنفسه فقد أحسن إليها وأنزلها في الشرف الأعلى وأهلّها لقبول الفيض الإلهي واللذة الحقيقية التي لا تفارقه أبدا. وإذا كان بهذه الحال فهو لا محالة يفعل سائر الخيرات الأخر وينفع غيره ببذل الأموال والسماحة بجمع ما يتشاح الناس عليه ويخص أصدقاءه من ذلك بكل ما يضيق عنه ذرع أصحاب السير الباقية فيصير معظما عند كل واحد ولا سيما عند صديقه. وقد بينا فيما تقدم ان الإنسان مدني بالطبع وشرحنا ومن كان تمامه عند غيره فمن المحال أن يصل مع الوحدة والتفرد إلى سعادته التامة.
الأصدقاء: فالسعيد إذا من اكتسب الأصدقاء واجتهد في بذل الخيرات لهم ليكتسب بهم مالا يقدر أن يكتسبه لذاته فيلتذ بهم أيام حياته ويلتذون أيضا به.
وقد شرحنا حال هذه اللذة وأنها باقية إلهية غير منحلة ولا متغيرة وهؤلاء في جملة الناس قليلون جدا. وأما أصحاب اللذات البهيمية والنافع فيها فكثيرون جدا وقد يكتفي من هؤلاء بالقليل كالأبازير في الطعام وكالملح خاصة.
[ ١٦٦ ]
وأما الصديق الأول الذي ذكرنا وصفه فلا يمكن أن يكون كثيرا لعزته ولأنه محبوب بإفراط وإفراط المحبة لا يصح ولا يتم إلا لواحد. وأما حسن العشرة وكرم اللقاء والسعي لكل أحد بسيرة الصديق الحقيقي فمبذول لأجل طلب الفضيلة ولأنا قد قلنا فيما تقدم أن الرجل الخير الفاضل يسلك في عشرة معارفه مسلك الصديق وإن لم تتم الصداقة الحقيقية فيهم. وارسطوطاليس يقول: (إن الإنسان محتاج إلى الصديق عند حسن الحال وعند سوؤ الحال. فعند سوء الحال يحتاج إلى معونة الأصقاء وعند حسن الحال يحتاج إلى المؤانسة وإلى من يحسن إليه) .
ولعمري ان الملك العظيم يحتاج إلى من يصطنعه ويضع إحسانه عنده كما أن الفقير من الناس يحتاج إلى صديق يصطنعه ويضع عنده المعروف. قال (ومن أجل فضيلة الصداقة يشارك الناس بعضهم بعضا ويتعاشرون عشرة جميلة ويجتمعون في الرياضات والصيد والدعوات، وأما سقراطيس فإنه قال بهذه الألفاظ: (إني لأكثر التعجب ممن يعلم أولاده أخبار الملوك ووقع بعضهم ببعض وذكر الحروب والضغائن ومن انتقم أو وثبت على صاحبه ولا يخطر ببالهم امر المودة وأحاديث الألفة وما يحصل من لخيرات العامة لجميع الناس بالمحبة والأنس. وأنه لا يستطيع أحد من الناس أن يعيش بغير المودة وإن مالت إليه الدنيا بجميع رغائبها. فإن ظن أحد أن أمر المودة صغير فالصغير من ظن ذلك. وإن قدر أنه موجود ويسير الخطب يدرك بالهوينا فما أصعبه وما أعسر وجود صداقة يوثق بها عند البلوى) ثم قال: (لكني أعتقد وأقول أن قدر المودة وخطرها عندي أعظم من جميع ذهب كنوز قارون ومن ذخائر الملوك ومن جميع ما يتنافس فيه أهل الأرض من
[ ١٦٧ ]
الجواهر وماتحويه الدنيا برا وبحرا ما يتقلبون فيه من سائر الأمتعة والأثاث.
ولا يعدل جميع ذلك ما اخترته لنفسي من فضيلة المودة. وذلك أن جميع ما أحصيته لا ينفع صاحبه إذا حلت به لوعة مصيبة في صديقه.
وافهم من الصديق ههنا أنه آخر هو أنت سواء كان أخا من نسب أو غريبا أو ولدا أو والدا ولا يقوم له جميع ما في الأرض مقام صديق يثق به في مهم يساعده عليه سعادة عاجلة أو آجلة تتم له.
فطوبى لمن أوتي هذه النعمة العظيمة وهو خلو من السلطان. وأعظم طوبى لمن أتيه في سلطان. ذلك أن من باشر أمور الرعية وأراد أن يعرف أحوالهم وينظر في أمورهم حق النظر لن يكفيه أذنان ولا عينان ولا قلبد واحد فإن وجد إخوانا ذوي ثقة وجد بهم عيونا وآذانا وقلوبا كأنها بأجمعها له فقربت عليه أطرافه واطلع من أدنى أمره على أقصاه ورأى الغائب بصورة الشاهد. فأنى توجد هذه الفضيلة إلا عند الصديق وكيف يطمع فيها عند غير الرفيق الشفيق؟)؟ كيف يختار الصديق وإذ قد عرفنا هذه النعمة الجليلة فيجب علينا أن ننظر كيف نقتنيها ومن أين نطلبها وإذا حصلت لنا كيف نحتفظ بها لئلا يصيبنا فيها ما أصاب الرجل الذي ضرب به المثل حين طلب شاة سمينة فوجدها وارمة فاغتر بها وظن الورم سمنا فأخذه الشاعر فقال:
أعيذها نظرات صادقة ان تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
[ ١٦٨ ]
لا سيما وقد علمنا أن الإنسان من بين الحيوان يتصنع حتى يظهر للناس منه مالا حقيقة له فيبذل ماله وهو بخيل ليقال هو جواد ويقدم في بعض المواطن على بعض المخاوف ليقال هو شجاع.
وكذلك يكون حال من لا يعرف الحشائش والنبات فإنها تشتبه في عينه حتى ربما تناول منها شيئا وهو يظنه حلو فإذا طعمه وجده مرا وربما ظنه غذاء فيكون سما. فينبغي لنا أننحذر ركوب لخطر في تحصيل هذه النعمة الجليلة حتى لا نقع في مودة المموهين الخداعين الذين يتصورون لنا بصورة الفضلاء الأخيار. فإذا حصلونا في شباكهم افترسونا كما تفترس السباع أكيلتها. والطرق إلى السلامة من هذا الخطر بحسب ما أخذناه عن سقراطيس إذا أردنا أن نستفيد صديقا أن نسأل عنه كيف كان في صباه مع والديه ومع إخواته وعشيرته فإن كان صالحا معهم فارج الصلاح منه وإلا فابعد منه وإياك وإياه. قال: (ثم إعرف بعد ذلك سيرته مع أصدقائه قبلك فأضفها إلى سيرته مع إخوته وآبائه. ثم تتبع أمره في شكر من يجب عليه شكره أو كفره النعمة. ولست أعني بالشكر المكافأة التي ربما عجز عنها بالفعل ولكن ربما عطل نيته في الشكر فلا يكافىء بما يستطيع وبما يقدر عليه ويغتنم الجميل الذي يسدى إليه ويراه حقا له أو يتكاسل عن شكره باللسان. وليس أحد يتعذر عليه نشر النعمة التي تتولاه والثناء على صاحبها والإعتداد له بها. وليس شيء أشد إحتياجا للنقم من الكفر وحسبك ما أعده الله لكافر نعمته من النقم مع تعاليه عن الإستضرار بالكفر.
[ ١٦٩ ]
ولا شيء أجلب للنعمة ولا أشد تثبيتا لها من الشكر وحسبك ما وعد الله به الشاكرين مع إستغنائه عن الشكر. فتعرف هذا الخلق ممن تريد مؤاخاته واحذر أن تبتلي بالكفر للنعم ولا تكن بالمستحقر لأيادي الإخوان وإحسان السلطان.
ثم انظر إلى ميله إلى الراحات وتباطئه عن الحركة التي فيها أدنى نصب. فإن هذا خلق ردىء ويتبعه الميل إلى اللذات فيكون سببا للتقاعد عما يجب عليه من الحقوق.
ثم انظر نظرا شافيا في محبته للذهب والفضة وإستهانته بجمعهما وحرصه عليهما فإن كثيرا من المتعاشرين يتظاهرون بالمحبة ويتهادون ويتناصحون فإذا وقعت بينهم معاملة في هذين الحجرين هر بعضهم على بعض هرير الكلاب وخرجوا إلى ضروب العداوة. ثم انظر في محبته للرئاسة والتفريط فإن من أحب الغلبة والترؤس وأن يفرط لا ينصفك في المودة ولا يرضى منك بمثل ما يعطيك ويحمله الخيلاء والتيه على الإستهانة بأصدقائه وطلب الترفع عليهم ولا تتم مع ذلك مودة ولا غبطة ولا بد من أن تؤول الحال بينهم إلى العداوة والأحقاد والأضغان الكثيرة. ثم انظر هل هو ممن يستهزىء بالغناء واللحون وضروب اللهو واللعب وسماع المجون والمضاحيك فإن كان كذلك فما أشغله عن مساعدات إخوانه ومواساتهم وما أشد هربه عن مكافأة بإحسان وإحتمال النصب ودخول تحت جميل. فإن وجدته بريئا من هذه الخلال فلتحتفظ عليه ولترغب فيه ولتكتف بواحد إن وجد فإن الكمال عزيز.
وأيضا فإن من كثرت أصدقاؤه لم يف بحقوقهم واضطر إلى الأغضاء عن بعض ما يجب عليه والتقصير في بعضه وربما ترادفت عليه أحوال متضادة أعني أن تدعوه مساعدة صديق إلى أن يسر بسروره ومساعدة آخر أن يغتم بغمه وأن يسعى بسعي واحد ويقعد بقعود آخر مع أحوال تشبه هذه كثيرة مختلفة.
[ ١٧٠ ]
ولا ينبغي أن يحملك ما حضضتك عليه من طلب الفضائل ممن تصادقه على تتبع صغار عيوبه فتصير بذلك إلى أن لا يسلم لك أحد فتبقى خلوا من الصديق. بل يجب أن تغض عن المعايب اليسيرة التي لا يسلم من مثلها البشر وتنظر ما تجده في نفسك من عيب فتحتمل مثله من غيرك. واحذر عداوة من صادقته أو خالته أو خالطته مخالطة الصديق واسمع قول الشاعر:
عدوك من صديقك مستفاد فلا تستكثرن من الصحاب
فإن الداء أكثر ما تراه يكون من الطعام أو الشراب
آداب الصداقة لذلك يجب عليك متى حصل لك صديق أن تكثر مراعاته وتبالغ في تفقده ولا تستهين باليسير من حقه عند مهم يعرض له أو حادث يحدث به.
فأما في أوقات الرخاء فينبغي أن تلقاه بالوجه الطلق والخلق الرحب وأن تظهر له في عينك وحركاتك وفي هشاشتك وارتياحك عند مشاهدته إياك ما يزداد به في كل يوم وكل حال ثقة بمودتك وسكونا إليك ويرى السرور في جميع أعضائك التي يظهر السرور فيها إذا لقيك. فإن التحفي الشديد عن طلعة الصديق لا يخفى وسرور الشكل بالشك أمر غير مشكل. ثم ينبغي أن تفعل مثل ذلك بمن تعلم أنه يؤثره ويحبه من صديق أو ولد أو تابع أو حاشية وتثنى عليهم من غير إسراف يخرج بك إلى الملق الذي
[ ١٧١ ]
يمقتك عليه ويظهر لك منك تكلف فيه. وإنما يتم لك ذلك إذا توخيت الصدق في كل ما تثنى به عليه. والزم هذه الطريقة حتى لا يقع منك توان فيها بوجه من الوجوه وفي حال من الأحوال. فإن ذلك يجلب المحبة الخالصة ويكسب الثقة التامة ويهديك محبة الغرباء ومن لا معرفة لك به.
وكما أن الحمام إذا ألف بيوتنا وآنس لمجالسنا وطاف بها يجلب لنا أشكاله وأمثاله فكذلك حال الإنسان إذا عرفنا واختلط بنا إختلاط الراغب فينا الآنس بنا. بل يزيد على الحيوان الغير الناطق بحسن الوصف وجميل الثناء ونشر المحاسن. وأعلم أن مشاركة الصديق في السراء إذا كنت فيها وإن كانت واجبة عليك حتى لا تستأثرها ولا تختص بشيء منها فإن مشاركته في الضراء أوجب وموقعها عنده أعظم. وانظر عند ذلك أن إصابته نكبة أو لحقته مصيبة أوعثر به الدهر كيف تكون مواساتك له بنفسك وما لك وكيف يظهر له تفقدك ومراعاتك. ولا تنتظرن به أن يسألك تصريحا أو تعريضا بل اطلع على قلبه وأسبق إلى ما في نفسه وشاركه في مضض ما لحقه ليخف عنه. وإن بلغت مرتبة من السلطان والغنى فاغمس إخوانك فيها من غير امتنان ولا تطاول. وإن رأيت من بعضهم نبوا عنك أو نقصانا مما عهدته فداخله زيادة مداخلة واختلط به واجتذبه إليك. فإنك إن أنفت من ذلك أو تداخلك شيء من الكبر والصلف عليهم انتقض حبل المودة وانتكثت قوته. ومع ذلك فلست تأمن أن يزولوا عنك فتستحي منهم وتضطر إلى قطيعتهم حتى لا تنظر إليهم.
[ ١٧٢ ]
ثم حافظ على هذه الشروط بالمداومة عليها لتبقى المودة على حال واحدة. وليس هذا الشرط خاصا بالمودة بل هو مطرد في كل ما يخصك أعني أن مركوبك وملبوسك ومنزلك متى لم تراعها مراعاة متصلة فسدت وانتقضت. فإذا كانت صورة حائطك وسطوحك كذلك ومتى غفلت أو توانيت لم تأمن تقوضه وتهدمه فكيف ترى أن تجفو من ترجوه لكل خير وتنتظر مشاركته في السراء والضراء؟ ومع ذلك فإن ضرر تلك يختص بك بمنفعة واحدة. وأما صديقك فوجوه الضرر التي تدخل عليك بجفائه وانتقاض مودته كثيرة عظيمة. ذلك أنه ينقلب عدوا وتتحول منافعه مضارا فلا تأمن غوائله وعدواته مع عدمك الرغائب والمنافع به وينقطع رجاؤك فيما لا تجد له خلفا ولا تستفيد عنه عوضا ولا يسد مسده شيء.
وإذا راعيت شرطوه وحافظت عليها بالمداومة أمنت جميع ذلك. ثم احذر المراء معه خاصة وإن كان واجبا أن تحذره مع كل أحد فإن مماراة الصديق تقتلع المودة من أصلها لأنها سبب الإختلاف والإختلاف سبب التباين الذي هربنا منه إلى ضده وقبحنا أثره واخترنا عليه الألفة التي طلبناها وأثنينا عليها وقلنا أن الله ﷿ دعا إليها بالشريعة القويمة. وإني لأعرف من يؤثر المراء ويزعم أنه يقدح خاطره ويشحذ ذهنه ويثير شكوكه فهو يتعمد في المحافل التي تجمع رؤوساء أهل النظر ومتعاطي العلوم مماراة صديقه ويخرج في كلامه معه إلى ألفاظ الجهال من العامة وسقاطهم ليزيد في خجل صديقه وليظهر انقطاعه وتبلجه. وليس يفعل ذلك عند خلوته به ومذاكرته له وإنما يفعله حين يظن به أنه أدق نظرا أو أحضر حجة وأغزر علما واحدّ قريحة. فما كنت أشبهه إلا بأهل البغي وجبابرة أصحاب الأموال والمشبهين بهم من أهل البدع فإن هؤلاء يستحقر بعضهم بعضا ولا يزال يصغر بصاحبه ويزدري على مروءته
[ ١٧٣ ]
ويتطلب عيوبه ويتتبع عثراته ويبالغ كل واحد فيما يقدر عليه من إساءة صاحبه حتى يؤدي بهم الحال إلى العداوة التامة التي يكون معها السعاية وإزالة النعم وتجاوز ذلك إلى سفك الدم وأنواع الشرور. فكيف يثبت مع المراء محبة ويرجى به ألفة؟ ثم احذر في صديقك إن كنت متحققا بعلم أو متحليا بأدب أن تبخل عليه بذلك الفن أو يرى فيك أنك تحب الإستبداد دونه والإستئثار عليه فإن أهل العلم لا يرى بعضهم في بعض ما يراه أهل الدنيا بينهم. ذلك أن متاع الدنيا قليل فإذا تزاحم عليه قوم ثلم بعضهم حال بعض ونقص حظ كل واحد من حظ الآخر. وأما العلم فإنه بالضد وليس أحد ينقص منه ما يأخذه غيره بل يزكو على النفقة ويربو مع الصداقة ويزيد على الإنفاق وكثرة الخرج فإذا بخل صاحب علم بعلمه فإنما ذلك لأحوال فيه كلها قبيحة. وهي أنه أما أن يكون قليل البضاعة منه فهو يخاف أن يفنى ما عنده أو يرد عليه مالا يعرفه فيزول تشرفه عند الجهال. وأما أن يكون مكتسبا به فهو يخشى أن يضيق مكسبه به وينقص حظه منه. وأما أن يكون حسودا والحسود بعيد من كل فضيلة لا يوده أحد. وإني لأعرف من لا يرضى بأن يبخل بعلم نفسه حتى يبخل بعلم غيره ويكثر عتبه وسخطه على من لا يفيد غيره من التلامذة المستحقين لفائدة العلم. وكثيرا ما يتوصل إلى أخذ الكتب من أصحابها ثم منعهم منها. وهذا خلق لا تبقى معه مودة بل يجلب إلى صاحبه عداوة لا يحسبها ويقطع أطماع أصدقائه من صداقته. ثم احذر أن تنبسط بأصحابك ومن يخلو بك من اتباعك وتحمل أحدا منهم على ذكر شيء في نفسه. ولا ترخص في عيب شيء يتصل به فضلا عن عيبه ولا يطمعن
[ ١٧٤ ]
أحد في ذلك من أولى السبائك والمتصلين بك لا جدا ولا هزلا وكيف تحتمل ذلك فيه وأنت عينه وقلبه وخليفته على الناس كلهم بل أنت هوفإنه إن بلغه شيء مما حذرتك منه لم يشك أن ذلك كان عن رأيك وهواك فينقلب عدوا وينفرك عنك نفور الضد.
فإن عرفت منه أنت عيبا فوافقه عليه موافقة لطيفة ليس فيها غلظة. فإن الطبيب الرقيق ربما بلغ بالدواء اللطيف ما يبلغه غيره بالشق والقطع والكي بل ربما توصل بالغذاء إلى الشفاء واكتفى به عن المعالجة بالدواء. ولست أحب أن تغضى عما تعرفه في صديقك وأن تترك موافقته عليه بهذا الضرب من الموافقة.
فإن ذلك خيانة منك ومسامحة فيما يعود ضرره عليه وليس من حق الصديق أن يعرف ويبذل بعيوب الأضداد حتى يعيبوه ويثلبوه. ثم احذر النميمة وسماعها.
وذلك أن الأشرار يدخلون بين الأخيار في صورة النصحاء فيوهمونهم النصيحة وينقلون إليهم في عرض الأحاديث اللذيذة أخبار أصدقائهم محرفة مموهة حتى إذا تجاسروا عليهم بالحديث المختلق يصرحون لهم بما يفسد موداتهم ويشوه وجوه أصدقائهم إلى أن يبغض بعضهم بعضا.
وللقدماء في هذه المعنى كتب مؤلفة يحذرون فيها من النميمة ويشبهون صورة النمام بمن يحك بأظافيره أصول البنيان القوية حتى يؤثر فيها ثم لا يزال يزيد ويمعن حتى يدخل فيها المعقول فيقلعه من أصله ويضربون له الأمثال الكثيرة المشبهة بحديث الثور مع الأسد في كتاب كليلة ودمنه. ونحن تكتفي بهذا القدر من الإيماء لئلا نخرج عن رسم كتابنا وعما بنينا عليه مذهبنا من الإيجاز في الشرح.
[ ١٧٥ ]
ولست أترك مع الإيجاز والإختصار تعظيم هذا الباب وتكريره عليك لتعلم أن القدماء إنما ألفوا فيه الكتب وضربوا له الأمثال وأكثروا فيه من الوصايا لما رواءه من النفع العظيم عند السامعين من الأخيار ولما خافوه من الضرر الكثير على من يستهين به من الأغمار. وليعلم المثل المضروب في السباع القوية إذا دخل عليها الثعلب الرواغ على ضعفه أهلكها ودمرها.
وفي الملوك الحصفاء يدخل بينهم أهل النميمة في صورة الناصحين حتى يفسدوا نيتهم على وزرائهم المبالغين في نصيحتهم المجتهدين في تثبيت ملكهم إلى أن يغضبوا عليهم ويصرفوا به عيونهم منهم وإلى أن يبطشوا بهم قتلا وتعذيبا وهم غير مذنبين ولا مجترمين ولا مستحقين إلا الكرامة والإحسان فإذا بلغ بهم من الإفساد والإضرار ما بلغوه من هؤلاء فباللأحرى أن يبلغوه منا إذا لم يجدوه في أصدقائنا الذين اخترناهم على الأيام وادخرناهم للشدائد وأحللناهم محل أرواحنا وزدناهم تفضلا وإكراما.
ويتبين لك من جميع ما قدمناه أن الصداقة وأصناف المحبات التي تتم بها سعادة الإنسان من حيث هو مدني بالطبع إنما اختلفت ودخل فيها ضروب الفساد وزال عنها معنى التأحد وعرض لها الإنتشار حتى احتجنا إلى حفظها والتعب الكثير بنظامها من أجل النقائص الكثيرة التي فينا وحاجتنا إلى إتمامها مع الحوادث التي تعرض لنا من الكون والفساد. فإن الفضائل الخلقية إنما وضعت لأجل المعاملات والمعاشرات التي لا يتم الوجود الإنساني إلا بها. ذلك أن العدل إنما احتيج إليه لتصحيح المعاملات وليزول به معنى الجور الذي هو رذيلة عند المتعاملين.
[ ١٧٦ ]
وإنما وضعت العفة فضيلة لأجل اللذات الرديئة التي تحي الخيانات العظيمة على النفس والبدن. وكذلك الشجاعة وضعت فضيلة من أجل الأمور الهائلة التي يجب أن يقدم الإنسان عليها في بعض الأوقات ولا يهرب منها وعلى هذا جميع الأخلاق المرضية التي وصفناها وحضضنا على إقتنائها. وأيضا فإن جميع هذه الفضائل تحتاج إلى أسباب خارجة من الأموال واكتسابها من وجوهها ليمكنه أن يفعل بها فعل الأحرار والعادل يحتاج إلى مثل ذلك ليجازي من عاشره بجميل ويكافىء من عامله بإحسان وجميعها لا تقوم إلا بالأبدان والأنفس وما هو خارجعنها على حسب تقسيمنا السعادات فيما مضى.
وكلما كانت الحاجات كثيرة احتيج إلى المواد الخارجة عنا أكثر فهذه حالة السعادات الإنسانية التي لا تتم لنا إلا بالأفعال والأحوال المدنية وبالأعوان الصالحين والأصدقاء المخلصين وهي كما تراها كثيرة والتعب بها عزيم ومن قصر فيها قصرت به السعادة الخاصة به. ولذلك صار الكسل ومحبة الراحة من أعظم الرذائل لأنهما يحولان بين المرء وبين جميع الخيرات والفضائل ويسلخان الإنسان من الإنسانية. ولذلك ذممنا المتوسمين بالزهد إذا تفردوا عن الناس وسكنوا الجبال والمفازات واختاروا التوحش الذي هو ضد التمدن لأنهم ينسلخون عن جميع الفضائل الخلقية التي عددناها كلها. وكيف يعف ويعدل ويسخو ويشجع من فارق الناس وتفرد عنهم وعدم الفضائل الخلقية. وهل هو إلا بمنزلة الجماد والميت وأما محبة الحكمة والإنصراف إلى التصور العقلي وإستعمال الآراء الإلهية فإنها خاصة بالجزء الإلهي من الناس وليس يعرض لها شيء من الآفات التي تعرض للمحبات الأخرى الخلقية وضروب الفساد
[ ١٧٧ ]
ولذلك قلنا أنها لا تقبل النميمة ولا نوعا من أنواع الشرور لأنها الخير المحض وسببها الخير الأول الذي لا تشوبه مادة ولا تلحقه الشرور التي في المادة وما دام الإنسان يستعمل الأخلاق والفضائل الإنسانية فإنها تعوقه عن هذا الخير الأول وهذه السعادة الإلهية ولكن ليس يتم له إلا بتلك ومن أصل تلك الفضائل بنفسه ثم اشتغل عنها بالفضيلة الإلهية فقد اشتغل بذاته حقا ونجا من مجاهدات الطبيعة والآمها ومن مجاهدات النفس وقواها وصار مع الأرواح الطيبة واختلط بالملائكة المقربين فإذا انتقل من وجوده الأول إلى وجوده الثاني حصل في النعيم الأبدي والسرور السرمدي.
رأى أرسطوطاليس في السعادة التامة وقد أطلق أرسطوطاليس جميع هذه الألفاظ وقال أن السعادة التامة الخالصة هي لله ﷿ ثم للملائكة والمتأهلين. ثم قال ولا ينبغي أن يضاف إلى الملائكة تلك الفضائل التي عددناها في سعاد الإنسان فإنهم لا يتعاملون ولا يكون عند أحد منهم وديعة فيحتاج إلى ردها ولا لأحد منهم تجارة فيحتاج إلى العدالة ولا يفزعه شيء فيحتاج إلى النجدة ولا له نفقات فيحتاج إلى الذهب والفضة ولا له شهوات فيحتاج إلى ضبط النفس وإلى فضيلة العفة ولا هو مركب من الإستقصات الأربعة التي تحل في أضدادها فيحتاج إلى الغذاء.
[ ١٧٨ ]
فإذا هؤلاء الأبرار المطهرون من بين خلق الله ﷿ غير محتاجين إلى الفضائل الإنسية والله تعالى وتقدس وجل أعلى من ملائكته فيجب أن ننزه عن جميع ماذكرناه من فضائل الإنسان وإنما نذكره بالخير البسيط الذي يشبهه وننسب إليه الأمور العقلية التي تليق به. فبالحق الواجب الذي لا مرية فيه لا يحبه إلا السعيد الخير من الناس الذي يعرف السعادة والخير بالحقيقة فلذلك يتقرب إليه بهما جهده ويطلب مرضاته بقدر قاته ويتقبل أوامر بنحو استطاعته. ومن أحب الله تعالى هذه المحبة وتقرب إليه هذا التقرب وأطاعه هذه الطاعة أحبه الله وقربه وأرضاه وأستحق خلته التي أطلقتها الشريعة على بعض البشر حيث قيل إبراهيم خليل الله، وأما أرسطوطاليس فإنه أطلق بعد ذلك بالعلة شيئا غير مطلق في لغتنا. وذلك أنه قال (من أحب الله وتعاهده كما يتعاهد الأصدقاء بعضهم بعضا أحسن إليه) ولذلك يظن بالحكيم اللذات العجيبة وضروب الفرح الغريبة ويرى من تحقق بالحكمة أنها ملذة غاية الإلتذاذ فلا يلتفت إلى غيرها ولا يعرج على سواها. وإذا كان الأمر على ما وصفنا فالحكيم السعيد التام الحكمة هو الله تعالى فليس يحبه إلا السعيد الحكيم بالحقيقة لأن الشبيه إنما يسر بشبيهه فقط. ولذلك صارت هذه السعادة ارفع وأعلى من تلك السعادة التي ذكرناها وهي غير منسوبة إلى الإنسان لأنها مهذبة من الحياة الطبيعية مبرأة من التقوى النفسانية مباينة لجميعها غاية المباينة وإنما هي موهبة إلهية يهبها الباريب جلت عظمته لمن إصطفاه من عباده ثم التمسها منه وسعى لها سعيها ورغب فيها ولزمها مدة حياته واحتمل المشقة والتعب فإن من لم يصبر على إدامة التعب إشتاق اللعب؟.
[ ١٧٩ ]
الراحة البدنية ليست من أسباب السعادة
ذلك أن اللعب يشبه الراحة والراحة ليست من تمام السعادة ولا من أسبابها وإنما يميل إلى الراحات البدنية من كان طبيعي الشكل بهيمي النجار كالعبيد والصبيان والبهائم فليس ينسب الحيوان غير الناطق ولا الصبيان والعبيد إلى السعادة ولا من كان مناسبا لهم. وأما العاقل الفاضل فإنه يطلب بهمته أعلى المراتب وأرسطوطاليس يقول لا ينبغي أن تكون همم الإنسان إنسية وإن كان إنسانا ولا يرضى بهم الحيوان الميت وإن كان هو أيضا ميتا بل يقصد بجميع قواه أن يحيا حياة إلهية فإن الإنسان وإن كان صغير الجثة فهو عظيم بالحكمة شريف بالعقل. والعقل يفوق جميع الخلائق لأنه الجوهر الرئيس المستولي على الكل بأمر مبدعه تعالى جده) وقد قلنا فيما تقدم إن الإنسان ما دام في هذا العالم فهو محتاج إلى حسن الحال الخارجة عنه ولكن ينبغي أن ينصرف إلى طلب ذلك بقوته كلها ولا يطلب الإستكثار منه. فقد يصل إلى الفضيلة من ليس بكثير المال ولا ظاهر اليسار فإن الفقير من المال والأملاك قد يفعل الأفعال الكريمة ولذلك قالت الحكماء. إن السعداء هم الذين رزقوا القصد من الخيرات الخارجة عنهم وفعلوا الأفعال التي تقتضيها الفضيلة وإن كانت فيهم قليلة:
[ ١٨٠ ]
هذا كلام الحكيم في هذه المرتبة التي وعدناك الكلام فيها وهو يقول بعد ذلك ليس في معرفة الفضائل كفاية بل الكفاية في العمل بها. ومن الناس من ينصاع إلى الفضائل وينقاد إلى الموعظة ويرغب في الخيرات وهؤلاء قليلون وهم الذين يمتنعون من جميع الردآت والشرور. وذلك للغريزة الجيدة والطبع الجيد الفائق. ومنهم من ينقاد إلى الخيرات حتى يمتنع من الردآت والشرور بالوعيد والفزع والإنذارات من العذاب فيهرب من الجحيم والهاوية وما أعد فيها من الآلام. ولذلك حكمنا أن بعض الناس أخيار بالطبع وبعضهم أخيار بالشرع وبالتعلم.
فالشريعة تجري لهؤلاء جرى الماء للإنسان الذي به يسيغ غصه. ومن لا ينقاد لها فهو كالشرق بالماء فلا يشرب الماء ولا يجده يسيغ غصته وهو الهالك الذي لا حيلة فيهولا طمع في إصلاحه وبرئه. ولهذه العلة قلنا: إن من كان بالطبع خيرا فاضلا فذلك لمحبة الله إياه وليس أمره إلينا ولا نحن كنا سببه بل الله ﷿. ومثل هذا هو الذي يقول فيه ارسطوطاليس أن عناية الله به أكبر. فتحصل مما قدمناه أن أنصاف السعداء من الناس أربعة وهم موجودون بالتصفح والحس. وذلك أنا نجد من الناس من هو خير فاضل من مبدأ تكوينه نرى فيه النجابة طفلا ونتفرس فيه الفلاحة ناشئا بأن يكون حيا كريم الخيم يؤثر مجالسة الأخيار ومؤانسة الفضلا وينفر من اضدادهم وليس يكون بذلك غلا بعناية تلحقه من أول مولده كما قلناه.
[ ١٨١ ]
ونجد أيضا من لا يكون بهذه الصفة من مبداء تكوينه بل يكون كسائر الصبيان إلا أنه يسعى ويجتهد ويطلب الحق إذا رأى اختلاف الناس فيه ولا يزال كذلكحتى يبلغ مرتبة الحكماء أعني أن يصير علمه صحيحا وعمله صوابا. وليس يبلغ هذه الدرجة إلا بالتفلسف وإطراح العصببات وسائر ما حذرنا منه، ونجد أيضا من يوجد بهذه السيرة أخذا على الإكراه. إما بالتأديب الشرعي. وإما بالتعليم الحكمي. ومعلوم أن المطلوب هو القسم الثاني إذا كانت الأقسام الباقية هي من خارج ولا يمكن أن تطلب أعني أن من يتفق له في أصل مولده السعادة ومن يكره عليها ليس من أقسام الطالب المجتهد وتبين أيضا مقام الطالب المجتهد ومنزلته من السعادة التامة الحقيقية وأنه وحده من بين سائر الطبقات هو السعيد الكامل المقرب إلى الله عزوجل المحب المطيع المستحق خلته ومحبته كما تقدم وصفه.
[ ١٨٢ ]
المقالة السادسة دواء النفوس
[ ١٨٣ ]
نبتدىء بعون الله وتوفيقه وتأييده في هذه المقالة بذكر شفار الأمراض التي تلحق نفس الإنسان وعلاجها ونذكر الأسباب والعلل التي تولدها وتحدث منها فإن حذاق الأطباء لا يقدمون على علاج مرض جسماني إلا بعد أن يعرفوه ويعرفوا السبب والعلة فيه ثم يرومون مقابلته بأضداده من العلاجات ويبتدؤن من الحمية والأدوية اللطيفة إلى أن ينتهوا في بعضها إلى إستعمال الأغذية الكريهة والأدوية البشعة وفي بعضها إلى القطع بالحديد والكي بالنار.
ولما كانت النفس قوة إلهية غير جسمانية وكانت مع ذلك مستعملة لمزاج خاص ومربوطة به رباطا طبيعيا إلهيا لا يفارق أحدهما صاحبه إلا بمشيئة الخالق ﷿ وجب أن نعلم أن أحدهما متعلق بصاحبه متغير بتغيره فيصبح بصحته ويمرض بمرضه ونحن نرى ذلك مشاهدة وعيانا بما يظهر لنا من أفعالها.
وذلك أنا كمانرى المريض من جهة بدنه لا سيما إن كان سبب مرضه أحد الجزئين الشريفين أعني الدماغ والقلب يتغير عقله ويمرض حتى ينكر ذهنه وفكره وتخيله وسائر قوى نفسه الشريفة ويحس هو من نفسه بذلك. كذلك أيضا، نرى المريض من جهة نفسه إما بالغضب وإما بالحزن وإما بالعشق وإما بالشهوات الهائجة به تتغير صورة بدنه حتى يضطرب ويرتعد ويصفر ويحمر ويهزل ويسمن ويلحقه ضروب التغير المشاهدة بالحس. فيجب لذلك أن نتفقد مبدأ الأمراض إذا كان من نفوسنا فإن كان مبدؤها من ذاتها كالفكر في الأشياء الرديئة وإجالة الرأى فيها وكاستشعار الخوف والخوف من الأمور العارضة والمترقبة والشهوات الهائجة قصدنا علاجها بما يخصها.
[ ١٨٥ ]
وإن كان مبدؤها من المزاج ومن الحواس كالخور الذي مبدأه ضعف حرارة القلب مع الكسل والرفاهي وكالعشق الذي مبدأه النظر مع الفراغ والبطالة قصدنا أيضا علاجه بما يخص هذه.
وأيضا لما كان طب الأبدان ينقسم بالقسمة الأولى إلى قسمين أحدهما حفظ صحتها إذا كانت حاضرة والآخر ردها إليها. إذا كانت غائبة وجب أن نقسم طب النفسو هذه القسمة بعينها فنردها إذا كانت غائبة ونتقدم في حفظ صحتها إذا كانت حاضرة فنقول إذا كانت خيرة فاضلة تحب نيل الفضائل وتحرص على إصابتها وتشتاق إلى العلوم الحقيقية والمعارف الصحيحة فيجب على صاحبها أن يعاشر من يجانسه ويطلب من يشاكله. ولا يأنس بغيرهم ولا يجالس سواهم. ويحذر كل الحذر من معاشرة أهل الشر والمجون والمجاهرين بإصابة اللذات القبيحة وركوب الفواحش المتفتخرين بها المنهمكين فيها ولا يصغى إلى أخبارهم مسطيبا ولا يروى أشعاهم مستحسنا ولا يحضر مجالسهم مبتهجا. وذلك أن حضور مجلس واحد من مجالسهم وسماع خبر واحد من أخبارهم يعلق من وضره ووسخه بالنفس ما لا يغسل عنها إلا بالزمان الطويل والعلاج الصعب وربما كان سببا لفساد الفاضل المحنك وغواية العالم المستبصر حتى يصير فتنة لهما فضلا عن الحدث الناشىء المسترشد.
والعلة في ذلك أن محبة اللذات البدنية والراحات الجسمية طبيعة للإنسان لأجل النقائص التي فيه فنحن بالجبلة الأولى والفطرة السابقة إلينا نميل إليها ونحرص عليها وإنما نزم أنفسنا عنها بزمام العقل حتى نقف عند ما يرسم لنا ونقتصر على المقدار الضروري منها. وإنما استتنيت في أول هذا الكلام وشرطت بما شرطت لأن معاشرة الأصدقاء الذين ذكرت أحوالهم في المقالة المتقدمة وحكمت بتمام السعادة معهم ولهم. لا تتم إلا بالمؤانسة والمداخلة.
[ ١٨٦ ]