وإذ قد لخصنا أمر هاتين المنزلتين من السعادة القصوى فقد تبين بيانا كافيا أن إحداهما بالإضافة إلينا أولى والأخرى ثانية ومن المحال أن أنسلك إلى الثانية من غير أن نمر بالأولى فقد وجب أن نعود إلى ما بدأنا به من ذكر الرتبة الأولى من السعادة الأخيرة ونستوفي الكلام فيها وفي الأخلاق التي بنينا الكتاب عليها ونخلي عن بيان الرتبة الثانية إلى وقت آخر فنقول: أن من عنى ببعض القوى التي ذكرناها دون بعض أو تعمد لإصلاحها في وقت دون وقت لم تحصل له السعادة. وكذلك يكون حال الرجل في تدبير منزله إذا عنى ببعض أجزائه دون بعض أو في وقت دون وقت فإنه لا يكون مدبر منزل. وكذلك حال مدبر المدينة إذا خص بنظره طائفة دون طائفة أووقتا دون وقت لا يستحق إسم الرياسة على الإطلاق. (وارسطوطاليس: تمثل بأن قال أن الخطاف الواحد إذا ظهر لا يدل على طبيعة الربيع. ولا يوم واحد معتدل الهواء يبشر بالربيع. فعلى طالب السعادة أن يطلب السيرة اللذيذة عنده فيسر بها دائما فإن تلك السيرة هي واحدة ولذيذة في نفسها. فلذلك قلنا أنه ينبغي أن يتشوقها دائما ويثبت عليها أبدا، ولما كانت السيرة ثلاثة لأنها تنقسم بإنقسام الغايات الثلاثة التي يقصدها الناس. أعني سيرة اللذة وسيرة الكرامة. وسيرة الحكمة وكنت سيرة الحكمة أشرفها
[ ١٠٤ ]
وأتمها وكانت فضائل النفس كثيرة. وجب أن يفضل الإنسان بأفضلها ويشرف بأشرفها. فسيرة الأفاضل السعداء سيرة لذيذة بنفسها لأن أفعالهم أبدا مختارة وممدوحة وكل إنسان يلتذ بما هو محبوب عنده. يلتذ بعدل العادل أو يلتذ بحكمة الحكيم والأفعال الفاضلة والغايات التي ينتهي إليها بالفضائل لذيذة محبوبة فالسعادة ألذ من كل شيء " وأرسطوطاليس يقول أن السعادة الإلهية وإن كانت كما ذكرناها من الشرف وسيرتها ألذ وأشرف من كل سيرة فإنها محتاجة إلى السعادات الأخر الخارجة لأن تظهر بها وإلا كانت كامنة غير ظاهرة. وإن كانت كذلك كان صاحبها كالفاضل النائم الذي لا يظهر فعله وحينئذ لا يكون بينه وبين غيره فرق ما وصفنا حالهما فيما تقدم فالمطلع إذا على حقيقة هذه السعادة المتمكن من إظهار فعله بها هو الذي يلتذ بها وهو الذي يسر سرورا حقيقيا غير مموه ولا مزخرف بالباطل. وهو الذي يخرج من حد المحبة إلى العشق والهيمان وحينئذ يأنف أن يصير سلطانه العالي يحب سلطان بطنه وفرجه فلا يخدم بأشرف جزء فيه أخس جزء فيه. وأعني بالسرور والمزخرف بالأباطيل اللذات التي تشاركنا فيها الحيوانات التي ليست بناطقة فإن تلك اللذات حسية تنصرم وشيكا وتملها الحواس سريعا. فإذا دامت عليها صارت كريهة وربما عادت مؤلمة وكما أن للحس لذة عرضية على حدة فكذلك للعقل لذة ذاتية على حدة لأن لذة العقل لذة ذاتية ولذة الحس عرضية.
[ ١٠٥ ]
فمن لا يعرف اللذة بالحقيقة كيف يلتذ بها؟ ومن لا يعرف الرياسة الذاتية كيف يصير إليها؟ فأنا قد قدمنا وصفها وشوقنا إليها بإعادة الكلام فيها مرارا وقلنا. من لا يعرف الخير المطلق والفضيلة التامة ولا يعرف الحكمة العملية يعني إيثار الأفضل والعمل به والثبات عليه لا ينشط له ولا يرتاح إليه. ومن كان كذلك فكيف يلتذ ويتنعم بما شرحناه ودللنا عليه؟ وقد كان للحكماء المتقدمين مثل يضربونه ويكتبونه في الهياكل " وهي مساجدهم ومصلاهم: وهو هذا الملك الموكل بالدنيا يقول إن ههنا خيرا وهناك شرا وههنا ما ليس بخير ولا شر. فمن عرف هذه الثلاثة حق معرفتها تخلص مني ونجا سالما. ومن لم يعرفها قتلته شر قتلة وذلك أني لا أقتله قتلا وحيا ولكني أقتله أولا أولا في زمان طويل ".
فهذا المثل من نظر فيه وتأمله عرف منه جميع ما قدمنا ذكره، وينبغي أن يعلم ان السعيد الذي ذكرنا حاله ما دام حيا تحت هذا الفلك الدائر بكواكبه ودرجاته ومطالع سعوده ونحوسه يرد عليه من النكبات والنوائب وأنواع المحن والمصائب ما يرد على غيره. إلا أنه يذعر منها ولا يلحقه ما يلحق غيره من المشقة في احتمالها لأنه غير مستعد لسرعة الإنفصال منها بعادة الهلع والجزع والأحزان ولا قابل أثر الهموم والأحزان بالأحوال العارضة. وإن أصابه من هذه الآلام شيء فهو يقدر على ضبط نفسه كيلا تنقله عن السعادة إلى ضدها بل لا تخرجه عن حد السعادة ألبتة. ولو ابتلى ببلايا أيوب ﵇ وأضعافها ما اخرجه عن حد السعادة. وذلك لما يجد في نفسه من المحافظة على شروط الشجاعة والصبر على ما يجزع منه أصحاب خور الطباع فيكون سروره أولا بذاته وبالأحاديث الجميلة التي تنشر عنه
[ ١٠٦ ]
ويرى أن القاتل الذي يدعي الشطارة والمصارع الذي يهوي الغلبة كل واحد منهما يصبر على شدائد عظيمة من تقطيع أعضاء نفسه وترك الشهوات التي يتمكن منها طلبا لما يحصل له من الغلبة وانتشار الصيت فيرى نفسه أحرى وأولى منهما بالصبر إذا كان غرضه أشرف وصيته في الفضلاء أبلغ وأشهر وأكرم ولأنه بالصبر إذا كان غرضه أشرف وصيته في الفضلاء أبلغ وأشهر وأكرم ولأنه " يسعد في نفسه ثم يصير قدوة لغيره. وأرسطو طاليس يقول: إن بعض الأشياء تعرض من سوء البخت بما يكون يسيرا سهل المحتمل. فإذا عرض للإنسان وأحتمله لم يكن فيه دلالة على كبر نفسه وعظم همته. ومن لم يكن سعيدا ولا سبقت له رياسة بهذه الصناعة الشريفة من تهذيب الأخلاق فإنه سينفعل إنفعالا قويا فيعرض له عند حلول المصائب إحدى الحالتين: أما الإضطراب الفاحش والألم الشديد والخروج بها إلى الحد الذي يرثى له ويرحم وأما أن يتشبه بالسعداء ويسمع مواعظهم فيظهر الصبر والسكون إلا أنه جزع الباطن متألم الضميرز وكما أن الأعضاء المفلوجة إذا حركت إلى اليمين تحركت إلى الشمال كذلك تكون حركات نفوس الأشرار تتحرك إلى خلاف ما يحملونها عليه من الجميل أعني إذا تشبهوا بالأجواد وأهل العدالة كانت هذه حالهم ".
[ ١٠٧ ]