والشريعة هي التي تقوم الأحداث وتعودهم الأفعال المرضية وتعد نفوسهم لقبول الحكمة وطلب الفضائل والبلوغ إلى السعادة الإنسية بالفكر الصحيح والقياس المستقيم وعلى الوالدين أخذهم بها وسائر الآداب الجميلة بضروب السياسات من الضروب إذا دعت إليه الحاجة أو التوبيخات أن صدتهم أو الأطماع في الكرامات أو غيرها مما يميلون إليه من الراحات أو يحذرونه من العقوبات. حتى إذا تعودوا ذلك واستمروا عليه مدة من الزمان كثيرة أمكن فيهم حينئذ أن يعلموا برهين ما أخذوه تقليدا وينبهوا على طرق الفضائل وإكتسابها والبلوغ إلى غاياتها بهذه الصناعة التي نحن بصددها.
والله الموفق
[ ٤٥ ]
وللإنسان في ترتيب هذه الآداب وسياقها أولا فأولا إلى الكمال الأخير طريق طبيعي يتشبه فيها بفعل الطبيعة. وهو أن ينظر إلى هذه القوى التي تحدث فينا أيها أسبق إلينا وجودا فيبدأ بتقويمها ثم بما يليها على النظام الطبيعي وهو بين ظاهر. وذللك أن أول ما يحدث فينا هو الشيء العام للحيوان والنبات كله ثم لا يزال يختص بشيء شيء يتميز به عن نوع نوع إلى أن يصير إلى الإنسانية. فلذلك يجب أن نبدأ بالشوق الذي يحصل فينا إلى الغضب ومحبة الكرامة فنقومه ثم بآخره وهو الشوق الذي يحصل فينا إلى المعارف والعلوم فنقومه. وهذا الترتيب الذي قلنا أنه طبيعي إنما حكمنا فيه لما يظهر فينا منذ أول نشونا أعني أن نكون أولا أجنة ثم أطفالا ثم أناسا كاملين وتحدث فينا هذه القوى مرتبة. فأما أن هذه الصناعة هي أفضل الصناعات كلها أعني صناعة الأخلاق التي تعني بتجويد أفعال الإنسان بحسب ما هو إنسان فيتبين مما أقول.
الإنسان
لما كان للجوهر الإنساني فعل خاص لا يشاركه فيه شيء من موجودات العالم كما بيناه فيما تقدم، وكان الإنسان أشرف موجودات عالمنا ثم لم تصدر عنه أفعاله بحسب جوهره
[ ٤٦ ]
وشبهناه بالفرس الذي إذا لم تصدر عنه أفعال الفرس على التمام استعمل مكان الحمار بالاكاف وكان وجوده أروح له من عدمه وجب أن تكون الصناعة التي تعني بتجويد أفعال الإنسان حتى تصدر عنه أفعاله كلها تامة كاملة بحسب جوهره ورفعه عن رتبة الأخس التي يستحقق بها المقت من الله والقرار في العذاب الأليم أشرف الصناعات كلها وأكرمها. وأما سائر الصناعات الأخر فمراتبها من الشرف بحسب مراتب جوهر الشيء الذي تستصلحه وهذا ظاهر جدا من تصفح الصناعات لأن فيها الدباغة التي تعني باستصلاح جلود البهائم الميتة وفيها صناعة الطب والعلاج التي تهتم باستصلاح الجواهر الشريفة الكريمة وهكذا الهمم المتفاوتة التي ينصرف بعضها إلى العلوم الدنيئة وبعضها إلى العلوم الشريفة. وإذا كانت جواهر الموجودات متفاوتة في الشرف في الجماد والنبات والحيوان. أما في الحيوان فكجوهر الديدان والحشرات إذا قيس إلى جوهر الإنسان. وإما في جوهر الموجودات الآخر فظاهر لمن أراد أن يحصيها. فالصناعة والهمة التي تصرف إلى أشرفها أشرف من الصناعة والهمة التي تصرف إلى الأدون منها. ويجب أن يعلم ان اسم الإنسان وإن كان يقع على أفضلهم وعلى أدونهم فإن بين هذين الطرفين أكثر مما بين كل متضادين من البعد. وإن رسول الله ﷺ قال: ﴿ليس شيء خيرا من ألف مثله الإنسان " وقال: ﵊ " الناس كابل مائة لا تجد فيها راحلة واحدة "
[ ٤٧ ]
وقال: " الناس كأسنان المشط وفي بعضها كأسنان الحمار وإنما يتفاضلون بالعقل. ولا خير في صحبة من لا يعرف لك من الفضل ما تعرف له " وفي نظائر هذه أشياء كثيرة تدل على هذا المعنى وأن الشاعر الذي قال: (ولم أر أمثال الرجال تفاوتا إلى المجد حتى عد ألف بواحد) وإن كان عنده أنه قد بالغ فإنه قد قصر. والخبر الخمروي عن النبي ﵊ " إني وزنت بأمتي فرجحت بهم " أصدق وأوضح. وليس هذا في الإنسان وحده بل في كثير من الجواهر الأخر. وإن كان في الإنسان أكثر وأشد تفاوتا فإن بين السيف المعروف بالصمصام وبين السيف المعروف بالكهام تفاوتا عظيما. وكذلك الحال في التفاوت الذي بين الفرس الكريم وبين البرذون المقرف فمن أمكنه أني رقى بالصناعة منأدون هذه الجواهر مرتبة إلى أعلاها فاشرف به وبصناعته ما أكرمه وأكرمها. فأما الإنسان من بين هذه الجواهر فهو مستعد بضروب من الإستعدادات لضروب من المقامات. وليس ينبغي أن يكون الطمع في إستصلاحه على مرتبة واحدة وهذا شيء يتبين فيما بعد بمشيئة الله وعونه. إلا أن الذي ينبغي أن يعلم الآن أن وجود الجوهر الإنساني متعلق بقدرة فاعله وخالقه تبارك وتقدس إسمه وتعالى.
[ ٤٨ ]
فأما تجويد جوهره فمفوض إلى الإنسان وهو معلق بإرادته. فاعرف هذه الجملة إلى أن تلخص في موضعها إن شاء الله تعالى. وقد قدمنا في صدر هذا الكتاب إن قلنا ينبغي أن نعرف نفوسنا ما هي ولأي شيء هي. ثم قنا إن لكل جوهر موجود كمالا خاصا به وفعلا لا يشاركه فيه غيره من حيث هو ذلك الشيء وقد بينا ذلك في غاية البيان في الرسالة المسعدة. وإذا كان ذلك محفوظا فنحن مضطرون إلى أن نعرف الكمال الخاص بالإنسان والفعل الذي لا يشاركه فيه غير منحيث هو إنسان لنحرص على طلبه وتحصيله ونجتهد في البلوغ إلى غايته ونهايته. ولما كان الإنسان مركبا لم يجز أن يكون كماله وفعله الخاص به كمال بسائطه وأفعالها الخاصة بها وإلا كان وجود المركب باطلا كالحال في الخاتم والسرير. فإذا له فعل خاص به من حيث هو مركب وإنسان لا يشاركه فيه شيء من الموجودات الأخر. فأفضل الناس أقدرهم على إظهار فعله الخاص والزمهم له من غير تلون فيه ولا إخلال به في وقت دون وقت. وإذا عرف الأفضل فقد عرف الأنقص على إعتبار الضد، فالكمال الخاص بالإنسان كمالان وذلك أن له قوتين إحداهما العالمة والأخرى العاملة فلذلك يشتاق بإحدى القوتين إلىالمعارف والعلوم وبالأخرى إلى نظم الأمور وترتيبها وهذان الكمالان هما اللذان نص عليهما الفلاسفة فقالوا.
[ ٤٩ ]