الصداقة نوع من المحبة إلا أنها أخص منها وهي المودة بعينها وليس يمكن أن تقع بين جماعة كثيرين كما تقع المحبة. وأما العشق فهو إفراط في المحبة وهو أخص من المودة وذلك أنه لا يمكن أن يقع إلا بين اثنين فقط ولا يقع في النافع ولا في المركب من النافع وغيره وإنما يع لمحب اللذة بإفراد ولمحب الخير بافراط وأحدهما مذموم والآخر محمود، فالصداقة بين الأحداث ومن كان في مثل طباعهم إنما تحدث لأجل اللذة فهم يتصادقون سريعا ويتقاطعون سريعا وربما اتفق ذلك بينهم في الزمان القليل مرارا كثيرة، وربما بقيت بقدر ثقتهم ببقاء اللذة ومعاودتها حالا بعد حال. فإذا انقطعت هذه الثقة بمعلودتها انقطعت الصداقة بالوقت وفي الحال. والصداقة من المشائخ ومن كان في مثل طباعهم إنما نقع لمكان المنفعة فهم يتصادقون بسببها فإذا كانت المنافع مشتركة بينهم وهي في الأكثر طويلة المدة كانت الصداقة باقية. فحين تنقطع علاقة المنفعة بينهم وينقطع رجاؤهم من المنفعة المشتركة تنقطع موداتهم. والصداقة بين الأخيار تكون لأجل الخير وسببها هو الخير.
ولما كان الخير شيئا غير متغير الذات صارت مودات أصحابه باقية غير متغيرة. وأيضا لما كان الإنسان مركبا من طبائع متضادة صار ميل كل واحد منها يخالف ميل الآخر. فاللذة التي توافق إحداها تخالف لذة الأخرى التي تضادها فلا تخلص له لذة غير مشوبة بأذى. ولما كان فيه أيضا جوهر آخر بسيط إلهي غير مخالط لشيء من الطبائع الأخرى صارت له لذة غير مشابهة لشيء من تلك اللذات وذلك أنها بسيطة أيضا.
[ ١٥١ ]
والمحبة التي سببها هذه اللذة هي التي تفرط حتى تصير عشقا تاما خالصا شبيها بالوله. وهي المحبة الإلهية الموصوفة التي يدعيها بعض المتألهين وهي التي يقول فيها أرسطوطاليس حكاية عن ابرفليطس: " إن الأشياء المختلفة لا تتشاكل ولا يكون منها تأليف جيد.
وأما الأشياء المتشاكلة وهي التي يسر بعضها ببعض ويشتاق بعضها إلى بعض فأقول عنها. إن الجواهر البسيطة إذا تشاكلت واشتاق بعضها إلى بعض تألفت وإذا تألفت صارت شيئا واحدا لا غيرية بينها إذ الغيرية إنما تحدث من جهة الهيولي. وأما الأشياء ذوات الهيولي وهي الإجرام فإنها وإن اشتاقت بنوع من الشوق إلى التألف فإنها لا تتحد ولا يمكن ذلك فيها. وذلك أنها تلتقي بنهاياتها وسطوحها دون ذواتها وهذا الإلتقاء سريع الإنفصال إذ كان التأحد فيه ممتنعا. وإنما تتأحد بنحو استطاعتها أعني ملاقاة سطوحها.
فإذا الجوهر الإلهي الذي في الإنسان إذا صفا من كدورته التي حصلت فيه من ملابسة الطبيعة ولم تجذبه أنواع الشهورات وأصناف محبات الكرامات اشتاف إلى شبيهه ورأى بعين عقله الخير الأول المحض الذي لا تشوبه مادة فأسرع إليه وحينئذ يفيض نور ذلك الخير الأول عليه فيلتذ به لذة لا تشبهها لذة ويصير إلى معنى الإتحاد الذي وصفناه استعمل الطبيعة البدنية أم لم يستعملها. إلا أنه بعد مفارقته الطبيعة بالكلية أحق بهذه المرتبة العالية لأنه ليس يصفو الصفاء التام إلا بعد مفارقته الحياة الدنيوية.
ومن فضائل هذه المحبة الإلهية أنها لا تقبل النقصان ولا تقدع فيها السعاية ولا يعترض عليها الملك ولا تكون إلا بين الأخيار فقط. وأما المحبات التي تكون بسبب المنفعة واللذة فقد تكون بين الأشرار وبين الأخيار والأشرار. إلا أنها تنقضي وتنحل مع تقضي المنافع واللذائذ لأنها عرضية
[ ١٥٢ ]
وكثيرا ما تحدث بالإجتماعات في المواضع الغريبة. إلا انها تزول بزوال المواضع كالسفينة وما جرى مجراها.
والسبب في هذه المحبة الأنس وذلك أن الإنسان آنس بالطبع وليس بوحشي ولا نفور ومنه اشتق إسم الإنسان في اللغة العربية وقد تبين ذلك في صناعة النحو وليس كما قال الشاعر:
سميت إنسانا لأنك ناس
فإن هذا الشاعر ظن أن الإنسان مشتق من النسيان وهو غلط منه. وينبغي ان يعلم أن هذا الأنس الطبيعي في الإنسان هو الذي ينبغي أن نحرص عليه ونكتسبه مع أبناء جنسنا حتى لا يفوتنا بجهدنا واستطاعتنا فإنه مبدأ المحبات كلها.