فأما العادل بالحقيقة فهو الذي قواه وأفعاله وأحواله كلها حتى لا يزيد بعضها على بعض ثم يروم ذلك فيما هوخارج عنه من المعاملاب والكرامات ويقصد في جميع ذلك فضيلة العدالة نفسها لا غرضا آخر سواها وإنما يتم له ذلك إذا كانت له هيئة نفسانية أدبية تصدر عنها أفعاله كلها بحسبها. ولما كانت العدالة وسطا بين أطراف وهيئة يقتدر بها على رد الزائد والناقص إليها صارت أتم الفضائل وأشبهها بالوحدة. وأعني بذلك أن لوحدة هي التي لها الشرف الأعلى والرتبة القصوى. وكل كثرة لا يضبطها معنى يوحدها فلا قوام لها ولا نبات. والزيادة والنقصان والكثرة والقلة هي التي تفسد الأشياء إذا لم يكن بينها مناسبة تحفظ عليها الإعتدال بوجه ما. فالإعتدال هو الذي يرد إليها ظل الوحدة ومعناها. وهو الذي يلبسها شرف الوحدة ويزيل عنها رذيلة الكثرة والتفاوت والإضطراب الذي لا يحد ولا يضبط بالمساواة التي هي خليفة الوحدة في جميع الكثرات واشتقاق هذا الإسم يدلك على معناه.
[ ١٢٣ ]
وذلك أن العدل في الأحمال والإعتدال في الأثقال والعدالة في الأفعال مشتقة من معنى المساواة والمساواة هي أشرف النسب المذكورة في صناعة الأرتماطيقي ولذلك لا تنقسم ولا يوجد لها أنواع وإنما هي وحدة في معناها أو ظل للوحدة. فإذا لم نجد المساواة التي هي المثل بالحقيقة في الكثرة عدلنا إلى النسب المذكورة التي تنحل إليها وتعود إلى حقيقتها. وذلك أنا حينئذ نضطر إلى ان نقول نسبة هذا إلى هذا كنسبة هذا إلى هذا. ولذلك لا توجد النسبة إلا بين أربعة أو ثلاثة يتكرر فيها الوسط فتصير أيضا أربعة والنسبة الأولى تسمى منفصلة والثانية تسمى متصلة. ومثال الأولى اب ج د فنقول نسبة (١) إلى (ب) إلى (د) . ومثال الثانية أن نأخذ الباء مشتركا فنقول نسبة (١) إلى (ب) كنسبة (ب) إلى (ج) وهذه النسبة توجد بين ثلاثة أشياء.
وهي النسبة العددية والنسبة المساحية والنسبة التأليفية وجميع ذلك مبين مشروح في المختصر الذي عملناه في صناعة العدد. وأما سائر النسب فراجعة إليها ولذلك عظمها الأوائل واستخرجوا بها العلوم الجمة الشريفة ولما كانت نسبة المساواة عزيزة لأنها نظيرة الوحدة عدلنا إلى حفظ هذه النسب الأخر في الأمور الكثيرة التي تلابسها لأنها عائدة إليها وغير خارجة عنها فنقول:
[ ١٢٤ ]