الصدقة، الألفة. صلة الرحم. المكافأة. حسن الشركة. حسن القضاء، التودد. العبادة. ترك الحقد. مكافأة الشر بالخير. استعمال اللطف. ركوب المروءة في جميع الأحوال. ترك المعادات. ترك الحكاية عمن ليس بعدل مرضي. البحث عن سيرة من يحكي عنه العدل. ترك لفظة واحدة لا خير فيها مسلم فضلا عن حكاية توجب حدا او قذفا أو قتلا أو قطعا. ترك السكون إلى قول سفلة الناس وسقطهم. ترك قول من يكدي بين الناس ظاهرا باطنا أو يلحف في مسألة أو يلح بالسؤال فإن هؤلاء يرضيهم الشيء اليسير فيقولون لأجله حسنا ويسخطهم إذا منعوا اليسير فيقولون لأجله قبيحا. ترك الشره في كسب الحلال وترك ركوب الدناءة في الكسب لأجل العيال. الرجوع إلى الله وإلى عهده وميثاقه عند كل قول يتلفظ به أو لحظ يلحظه أو خطرة في أعدائه وأصدقائه. ترك اليمين بالله وبشيء من أسماءه وصفاته رأسا. وليس بعدل من لم يكرم زوجته وأهلها المتصلين بها وأهل المعرفة الباطنة به وأهل المعرفة الباطنة به. وخير الناس خيرهم لأهله وعشيرته والمتصلين به من أخ أو ولد أو متصل بأخ أو والد أو قريب أو نسيب أو شريك أو جار أو صديق أو حبيب. ومن احب المال حبا مفرطا لم يؤهل لهذه المرتبة. فإن حرصه على جمع المال يصده عن استعمال الرأفة وامتطاء الحق وبذل ما يجب ويضطره إلى الخيانة
[ ٣٢ ]
والكذب والإختلاق والزور ومنع الواجب والإستقصاء وإستجلاب الدانق والحبة والذرة لبيع الدين والمروءة. وربما أنفق أموالا جمة محبة منه للمحمدة وحسن الثناء ولا يريد بذلك وجه الله وما عنده. بل يتخذها مصيدة ويجعل ذلك مكسبة ولا يعلم أن ذلك عليه سيئة ومسبة. أماالصداقة فهي محبة صادقة يهتم معها بجميع أسباب الصديق وغيثار فعل الخيرات التي يمكن فعلها به. وأما الألفة فهي إتفاق الآراء والإعتقادات. وتحدث عن التواصل فيعتقد معها التضافر على تدبير العيش.
وأما صلة الرحم فهي مشاركة ذوي اللحمة في الخيرات التي تكون في الدنيا.
وأما المكافأة فهي مقابلة الإحسان بمثله أو بزيادة عليه. وأما حسن الشركة فهو الأخذ والإعطاء في المعاملات على الإعتدال الموافق للجميع. وأما حسن القضاء فهو مجازاة بعدل بغير ندم ولا من. وأما التودد فهو طلب مودات الأكفاء وأهل الفضل بحسن اللقاء وبالأعمال التي تستدعي المحبة منهم. وأما العبادة فهي تعظيم الله تعالى وتمجيده وطاعته وإكرام أوليائه من الملائكة والأنبياء والأئمة والعمل بما توجبه الشريعة وتقوى الله تعالى تتم هذه الأشياء وتكملها، وإذ قد تقصينا الفضائل الأولى وأقسامها وذكرنا أنواعها وأجزاءها فقد عرفنا الرذائل التي تضاد الفضائل لأنه يفهم من كل واحدة من تلك الفضائل كلها ما يقابلها لأن العلم بالأضداد واحد.
[ ٣٣ ]
ولما كانت هذه الفضائل أوساطا بين أطراف وتلك الأطراف هي الرذائل وجب أن تفهم منها وأن اتسع لنا الزمان ذكرناها لأن وجود أسمائها في هذا الوقت متعذر وينبغي ان تفهم من قولنا أن كل فضيلة فهي وسد بين رذائل ما أنا واصفه.
إن الأرض لما كانت في غاية البعد من السماء قيل إنها وسط وبالجملة المركز من الدائرة هو على غاية البعد من المحيط وإذا كان الشيء على غاية البعد من شيء آخر فهو من هذه الجهة على القطر. فعلى هذا الوجه يبنغي أن يفهم معنى الوسط من الفضيلة إذا كانت بين رذائل بعدها منها أقصى البعد ولهذا إذا انحرنفت الفضيلة عن موضعها الخاص بها أدنى انحراف قربت من رذيلة أخرى ولم تسلم من العيب بحسب قربها من تلك الرذيلة التي تميل إليها ولهذا صعب جدا وجود هذا الوسط ثم التمسك به بعد وجوده أصعب لذلك قالت الحكماء إصابة نقطة الهدف أعسر من العدول عنها ولزوم الصواب بعد ذلك حتى لا يخطأها أعسر وأصعب. وذلك أن الأطراف التي تسمى رذائل من الأفعال والأحوال والزمان وسائر الجهات كثيرة جدا. ولذلك كانت دواعي الشر أكثر من دواعي الخير ويجب أن تطلب أوساط تلك الأطراف بحسب كل فرد فرد. فأما ما يجب على المؤلف فهو أن يذكر جمل هذه الأوساط وقوانينها بحسب ما يليق بالصناعة لا على ما يجب على كل شخص فإن هذا غير ممكن فإن النجار والصائغ وجميع أرباب الصناعات إنما يحصل في نفوسهم قوانين وأصول فيعرف النجار صورة الباب والسرير والصائغ صورةالخاتم والتاج على الإطلاق.
[ ٣٤ ]
فأما أشخاص ماقام في نفسه فإنما يستخرجها بتلك القوانين ولا يمكنه تعرف الأشخاص لأنها بلا نهاية. وذلك أن كل باب وخاتم إنما يعمل بمقدار ما ينبغي وعلى قدر الحاجة وبحسب المادة.
والصناعة لا تضمن إلا معرفة الأصول فقط. وإذ قد ذكرنا معنى الوسط في الأخلاق وماينبغي أن يفهم منه فلنذكر هذه الأوساط لتفهم منها الأطراف التي هي رذائل وشرور فنقول وبالله التوفيق.
أما الحكمة فهي وسط بين السفه والبله وأعني بالسفه ههنا إستعمال القوة الفكرية فيما لا ينبغي وكمالا ينبغي. وسماه القوم الجزيرة وأعني بالبله تعطيل هذهالقوة وإطراحها وليس بنبغي أن يفهم أن البله ههنا نقصان الخلقة بل ما ذكرته من تعطيل القوة الفكرية بالإرادة. وأما الذكاء فهو وسط بين الخبث والبلادة فإن أحد طرفي كل وسط إفراط والآخر تفريط أعني الزيادة عليه والنقصان منه فالخبث والدهاء والحيل الرديئة هي كلها إلى جانب الزيادة فيما ينبغي أن يكون الذكاء فيه. وأما البلادة والبله والعجز عنغدراك المعارف فهي كلها إلى جانب النقصان من الذكاء. وأما الذكر فهو وسط بين النسيان الذي يكون بإهمال ما ينبغي أن يحفظ وبين العناية بما لا ينبغي أن يحفظ. وأما التعقل - وهو حسن التصور - فهووسط بين الذهاب بالنظر في الشيء الموضوع إلى أكثر مما هو عليه وبين القصور وبالنظر فيه عما هو عليه. وأما سرعة الفهم فهي وسط بين إختطاف خيال الشيء من غير إحكام لفهمه. وبين الإبطاء عن فهم حقيقته.
[ ٣٥ ]
وأما صفاء الذهن فهو وسط بين ظلمة النفس عن إستخراج المطلوب بوبين التهاب يعرض فيها فيمنعها من استخراج المطلوب وأما جودة الذهن وقوته فهو وسط بين الإفراط في التأمل لما لزم من المقدم حتى يخرج منه إلى غيره وبين التفريط فيه حتى يقصر عنه.
وأما سهولة التعلم فهي وسط بين المبادرة إليه بسلاسة تثبت معها صورة العلم وبين التعصب عليه وتعذره.
وأما العفة فهي وسط بين رذيلتين وهما الشره وخمود الشهوة. وأعني بالشره الإنهماك في اللذات والخروج فيها عما ينبغي وأعني بخمود الشهوة السكون عن الحركة التي تسلك نحو اللذة الجميلة التي يحتاج إليها البدن في ضروراته وهي ما رخص فيه صاحب الشريعة والعقل.
وأما الفضائل التي تحت العفة فإن الحياء وسط بين رذيلتين. إحداهما لوقاحة والأخرى الخرق. وأنت تقدر على أن تلحظ أطراف الفضائل الأخرى التي هي رذائل وربما وجدت لها أسماء بحسب اللغة وربما وجدت لها إسما وليس يعسر عليك فهم معانيها والسلوك فيها على السبيل التي سلكناها ﴿وأما الشجاعة﴾ فهي وسط بين رذيلتين إحداهما الجبن والأخرى التهور. أما الجبن فهو الخوف مما لا ينبغي ان يخاف منه. وأما التهور فهو الإقدام على ما لا ينبغي أن يقدم عليه وأما السخاء فهو وسط بين رذيلتين إحداهما السرف والتبذير والأخرى البخل والتقتير. أما التبذير فهو بذل ما لا ينبغي لمن لا يستحق.
وأما التقتير فهومنع ما ينبغي عمن يستحق
[ ٣٦ ]
﴿وأما العدالة﴾ فهي وسط بين الظلم والإنظلام، أما الظلم فهو التوصل إلى كثرة المقتنيات من حيث لا ينبغي كما لا ينبغي. وأما الإنظلام فهو الإستحذاء والإستماتة في المقتنيات لمن لا ينبغي وكما لا ينبغي. ولذلك يكون للجائر أموال كثيرة لأنه يتوصل إليها من حيث لا يجب ووجوه التوصل إليها كثيرة. وأما المنظلم فمقتنياته وأمواله يسيرة جدا لأنه يتركها من حيث لا يجب. وأما العادل فهو في الوسط لأنه يقتني الأموال من حيث يجب. ويتركها من حث لا يجب. فالعدالة فضيلة ينصف بها الإنسان من نفسه ومن غيره من غير أن يعطي نفسه من النافع أكثر وغيره أقل. وأما في الضار فبالعكس وهو أن لا يعطي نفسه أقل وغيره أكثر لكن يستعمل المساواة التي هي تناسب ما بين الأشياء ومن هذا المعنى اشتق اسمه أعني العدل.
وأما الجائر فأنه يطلب لنفسه الزيادة من المنافع ولغيره النقصان منها وأما في الأشياء الضارة فإنه يطلب لنفسه النقصان ولغيره الزيادة منها. فقد ذكرنا الأخلاق التي هي خيرات وفضائل وأطرافها التي هي شرور ورذائل على طريق الإيجاز وحددنا ما يحد منها ورسمنا ما يرسم وسنشرح كل واحد منها على سبيل الإستقصاء فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وينبغي أن نلخص في هذا الموضع شكا ربما لحق طالب هذه الفضائل فنقول: أنا قد بينا فيما تقدم أن الإنسان من بين جميع الحيوان لا يكتفي بنفسه في تكميل ذاته. ولا بد له من معاونة قوم كثيرى العدد حتى يتمم به حياته طيبة ويجري أمره على السداد.
[ ٣٧ ]
ولهذا قال الحكماء أن الإنسان مدني بالطبع أي هو محتاج إلى مدينة فيها خلق كثير لتتم له السعادة الإنسانية فكل بالطبع وبالضرورة يحتاج إلى غيره فهو لذلك مضطر إلى مصافاة الناس ومعاشرتهم العشرة الجميلة ومحبتهم المحبة الصادقة لأنهم يكملون ذاته ويتممون إنسانيته وهو أيا يفعل بهم مثل ذلك. فإذا كان كذلك بالطبع وبالضرورة فكيف يؤثر الإنسان العاقل العارف بنفسه التفرد والتخلي ولا يتعاطى ما يرى الفضيلة في غيره. فإذا القوم الذين رأوا الفضيلة في الزهد وترك مخالطة الناس وتفردوا عنهم إما بملازمة المغارات في الجبال وأما ببناء الصوامع في المفاوز. وأما بالسياحة في البلدان لا يحصل لهم شيء من الفضائل الإنسانية التي عددنها. ذلك أن من لم يخالط الناس ولم يساكنهم في المدن لا تظهر فيه العفة ولا النجدة ولا السخاء ولا العدالة بل تصير قواه وملكاته التي ركبت فيه باطلة لأنها لا تتوجه لا إلى خير ولا إلى شر فإذا بطلت ولم نظهر أفعالها الخاصة بها صاروا بمنزلة الجمادات والموتى من الناس ولذلك يظنون ويظن بهم أنهم أعفاء وليسوا بإعفاء وأنهم عدول وليسوا بعدول وكذلك في سائر الفضائل اعني أنه إذا لم يظهر منهم أضداد هذه التي هي شرور. ظن بهم الناس أنهم أفاضل وليست الفضائل إعداما بل هي أفعال وأعمال تظهر عند مشاركة الناس ومساكنتهم وفي المعاملات وضروب الإجتماعات. ونحن إنما نعلم ونتعلم الفضائل الإنسانية التي نساكن بها الناس ونخالطهم ونصبر على أذاهم لنصل منها وبها إلى سعادات أخر إذا صرنا إلى حال أخرى. وتلك الحال غير موجودة لنا الآن.
[ ٣٨ ]