لذلك قال الحيكم لمن زرق الكفاية ووجد القصد من السعادة الخارجة أن لا يشتغل بفضول العيش فإنها بلا نهاية. ومن طلبها أوقعته في مهالك لا نهاية لها. وقد أعلمناك فيما تقدم ما الكفاية وما القصد وإن الغرض الصحيح بينهما هو مداواة الآلآم والتحرز من الوقوع فيها لا التمتع وطلب اللذة.
وإن من عالج الجوع والعطش اللذين هما مرضان مؤلمان حادان لا ينبغي له أن يقصد لذة البدن بل صحته وسيلتذ لا محالة. فإن من طلب بالعلاج اللذة لا الصحة لم تحصل له الصحة ولم تبق له اللذة.
وأما من لم يرزق الكفاية واحتاج إلى السعي والإضطراب في تحصيلها فيجب أن لا يتجاوز القصد وقدر حاجته منها إلى ما يصطر معه إلى السعي الحثيث والحرص الشديد والتعرض لقبيح المكاسب أو ضروب المهالك والمعاطب. بل يجمل في طلبها إجمال العارف بخساستها وأنه يضطر إليها لنقصانه فيطلب منها كسائر الحيوانات في ضروراتها.
فإن العاقل إذا تصفح أحوالها وجد منها ما يأكل الميتة ومنها ما يأكل الروث وما في الحش وهي مسرورة بما تجده من أقواتها قريرة العين بها. وليست تحس من نفوسها نفورا ولا تنصرف نفوسها عنها كما تنصرف نفوس الحيوانات المضادة لها بل إنما تنصرف من أقوات تلك الأخر التي تضادها في النظافة.
[ ١٩٢ ]
مثال ذلك الجعل والخنافس إذا قيست إلى النحل فإذا تلك تهرب من الروائح الطيبة والأقوات النظيفة وهذا يطلبها ويسر بها. فإن نسبة كل حيوان إلى قوته الخاص به ككل مقتنع بما يحفظ بقاءه وحياته فهو طالب مسرور به.
فينبغي أن ننظر إلى أقواتنا بهذه العين وننزلها منزلة الحش الذي نضطر إلى ملابسته لإخراج ما كنا نحرص على الوصول إليه فلا نبعدها من هذا الآخر لأنهما ضرورتان لنا فنحن نلابسهما لأجل الضرورة ولا نشغل عقلنا باختيارهما والتمتع بهما وإفناء أعمارنا في التأنق لهما والتوصل إليهما ولا نتكاسل أيضا عن إعداد ضروراتنا منهما. وإنما يفضل أحدهما علىالآخر ويستحسن السعي في طلب الدخل ولا يستحسن السعي في طلب الخرج لأن الأول منهما هو غذاء موافق لنا يخلف علينا ماتحلل من أبداننا ولا نستقذره كذلك لا ننفر مما نضعه مكان ما ينقص منه وينوب عنه. وأما الثاني منهما فهو عصارة ذلك الغذاء وما نفقته الطبيعة وأخذت حاجتها منه أعني الذي أحالته دما صافيا وفرقته في العروق على الأعضاء وأطرحت التفل الذي لا حاجة بها إليه وهو في غاية المخالفة والبعد من أمزجتنا فنحن نستوحش منه وننفر عنه لأجل الضدية والمخالفة إلا أننا مضطرون إلى إخراجه وتنحيته ونفضه عنا بالآلات الموهوبة المستعملة في ذلك ليفرغ مكانه لما يأتي بعده ويجري مجراه. وينبغي لحافظ الصحة علىنفسه أن لا يحرك قوته الشهوانية وقوته الغضبية بتذكر ما أصاب منهما موجدا لذته بل يتركهما حتى يتحركا بأنفسهما وذلك أن الإنسان ربما تذكر لذاته في غصابة الشهوات وطيبها ومراتب كرامته من السلطان وغيرها فاشتاق إليها وإذا اشتلق إليها تحرك نحوها فقد جعلها غرضا له فيضطر إلى استعمال الروية واستخدام النفس الناطقة فيها لتدبر له الوصول إليها. وهذه صورة من يثير بهائم عادية ويهيج سباعا ضاربة ثم يلتمس معالجتها والخلاص منها.
[ ١٩٣ ]
وليس يختار العاقل فنسه هذه الحال بل هي من أفعال المجانين الذين لا يميزون بين الخير والشر ولا بين الصواب والخطأ. ولذلك يحب أن لا يتذكر أعمال هاتين القوتين لئلا يشتاق إليهما ويتحرك نحوهما بل يتركهما فإنهما سيثوران لأنفسهما ويهيجان عند حاجتهما ويلتمسان ما يحتاج البدن إليه ويتخذان من باعث الطبيعة ما يغنيك عن بعثهما بالفكر والروية والتمييز فيكون حينئذ فكرك وتمييزك في إزاحة علتهما وتقدير ما تطلقه لهما في الأمر الضروري الواجب لأبداننا الحافظ لصحتها.
وهذا هو إمضاء مشيئة الله تعالى وإتمام سياسته لأنه تعالى إنماوهب هاتين القوتين لنا لنستخدمهما عند حاجتنا إليهما لا لنخدمهما ونتعبد لهما.
فكل من استعمل النفس الناطقة في خدمة عبدها فقد تجاوز أمر الله وتعدة حدوده وعكس سياسته وتقديره. وذلك أن خالقنا ﷿ رتب لنا هذه القوى بتدبيره وتقديره ولا عدل اشرف وأفضل من ترتيبه وتقديره وكل من خالفه وعدل عنه فهو أعظم على ذاته وأكبر ظالم لنفسه.