وأماالمحبة التي لا تشوبها الإنفعالات ولا تطرأ عليها الآفات وهي محبة العبد لخالقه ﷿ فإنها إنما تخلص للعالم العرباني وحده خاصة ولا سبيل لغيره إليها إلا بالدعوى الكاذبة. وكيف يجد الإنسان السبيل غلىمحبة من لا يعرفه ولا يعرف ضروب إنعامه الدارة عليه ووجوه إحسانه المتصلة به في بدنه وفنسه اللهم إلا أن يتصور في نفسه صنما ويظنه الخالق عزوجل فيحبه ويعبده فإن اكثر الناس كما قال تعالى: (وَما يُؤمِنُ أَكثَرُهم بِاللهِ إِلا وَهُم مُشرِكون) ولعمري أن العامة تدعى المعرفة والمحبة وهم يتصورون شخصا وشبحا فتكون عبادتهم له دون الله وهذا هو الضلال البعيد. ومدعو هذه المحبة كثيرون جدا والمحقون منهم قليلون حداا بل هم أقل من القليل. وهذه المحبة لا محالة تتصل بها الطاعة والتعظيم ويتلوها ويقرب منها محبة الوالدين وإكرامهما وطاعتهما. وليس يرتقي إلى مرتبتهما شيء من المحبات الأخر إلا محبة الحكماء وطاعتهما. وليس يرتقي إلى مرتبتهما شيء من المحبات الأخر إلا محبة المحكماء عند تلامذتهم فإنها متوسطة بين المحبة الأولى والمحبة الثانية.
وذلك أن المحبة الأولى لا يبلغها شيء من المحبات كما أن أسبابها لا يبلغها شيء من الأسباب والنعم التي تأتي من قبلها لا يشبهها شيء من النعم.
[ ١٦٠ ]
أماالمحبة الثانية فهي تتلوها لأن سببها هو السبب الثاني في وجودنا الحسي أعني أبداننا وتكويننا.
وأما محبة الحكماء فهي أشرف وأكرم من محبة الوالدين لأجل أن تربيتهم هي لنفوسنا وهم الأسباب في وجودنا الحقيقي وبهم وصولنا إلى السعادة التامة التي نلنا بها اللقاء الأبدي والنعيم السرمدي في جوار رب العالمين. فبحسب فضل إنعامهم علينا وبقدر فضل النفوس على الأبدان تجب حقوقهم وتلزم طاعتهم ومحبتهم وليس يبلغ أحد جزاء ولا مكافأة الأول ولا ما يستأهله الثاني أعني الوالدين وإن هو اجتهد وبالغ ولا يؤدي حقوقهما أبدا وإن خدم بأقصى طاقته وغاية وسعه، وأما محبة طلب الحكمة للحكيم والتلميذ الصالح للمعلم الخير فإنها من جنس المحبة الأولى وفي طريقها. وذلك لأجل الخير العظيم الذي يشرف عليه ويصل إليه وللرجاء الكريم الذي لا يتحقق إلا بعنايته ولا يتم إلا بمطالعته. ولأنه والدروحاني ورب بشرى وإحسانه إحسان إليه ذلك أنه يربيه بالفضيلة التامة ويغذوه بالحكمة البالغة ويسوقه إلى الحياة الأبدية والنعيم السرمدي. وإذا كان هو السبب في كل وجودنا العقلي وهو المربي لنفوسنا الروحانية فبحسب فضل النفس على البدن يجب أن يفضل المنعم بذاك وبقدر فضلها على البدن يكون فضل التربية على التربية فيحق أن يحب التلميذ معلم الحكمة محبة خالصة شبيهة بالمحبة الأولى. ولذلك قلنا أن هذه المحبة من جنس المحبة الأولى والطاعة له من جنس تلك الطاعة وكذلك تعظيمه له وإجلاله إياه. ثم لما كان سبب هاتين النعمتين ومعرضنا لهما وسائقنا إليهما وإلىجميع النعم هو السبب الأول الذي هو سبب الخيرات كلها قربت منا أوبعدت عنا عرفناها أو لم نعرفها وجب أن تكون محبتنا لهفي أعلى مراتب المحبات وكذلك طاعتنا له وتمجيدنا إياه.
[ ١٦١ ]
ويجب على من بلغ هذه المنزلة من الأخلاق أنيعرف مراتب المحبات وما يستحقه كل واحد من صاحبه حتى لا يبذل كرامة الوالد للرئيس الأجنبي ولا كرامة الصديق للسلطان ولا كرامة الولد للعثير ولا كرامة الأب للإبن.
فإن لكل واحد من هؤلاء وأشباههم صنفا من الكرامة وحقا من الجزاء ليس للآخر ومتى خلط فيه اضطرب وفسد وحدثت الملامات وإذا وفى كل واحد منهم حقه وقسطه من المحبة والخدمة والنصيحة كان عادلا وأوجبت له محبته وعدالته فيها محبته لصاحبه ومعامله. وكذلك يجب أن يجري الأمر في مؤانسة الأصحاب والخلطاء والمعاشرين من توفية حقوقهم وإعطائهم ماهو خاص بهم. ومن غش المحبة والصداقة كان أسوأ حالا ممن غش الدرهم والدينار.
فإن الحيكم ذكر أن المحبة المغشوشة تنحل سريعا وتفسد وشيكا كما أن الدرهم والدينار إذا كانا مغشوشين فسدا سريعا وهذا واجب في جميع أنواع المحبات. ولذلك يتعاطى العاقل أبدا أنمطاء واحدا ويلزم مذهبا واحدا في إرادة الخير ويفعل جميع ما يفعله من أجل ذاته ويرى خيره عند غيره كما يراه عند نفسه. وأما صديقه فقد قلنا أنه هو هو إلا أنه غير بالشخص إما سائر مخالطيه ومعارفه فإنه يسلك بهم مسلك أصدقائه كأنه مجتهد في أن يبلغ بهم وفيهم منازل الأصدقاء بالحقيقة وأن كان لا يمكن ذلك في جميعهم. فهذه سيرة الخير في نفسه وفي رؤسائه وأهله وعشيرته وأصدقائه وسلطانه.