(ظهور الفضائل ممن ليس بسعيد ولا فاضل)
[ ١١٥ ]
قد قلنا فيما سلف أن السعادة تظهر في الأفعال من العدالة والشجاعة والعفة وسائر ما تحت هذه الأنواع التي أحصيناها وحددناها.
وهذه الأفعال قد تظهر ممن ليس بسعيد ولا فاضل. وذلك أنه قد يعمل بعض الناس عمل العدول وليس بعادل ويعمل عمل الشجعان وليس بشجاع ويعمل عمل الإعفاء وليس بعفيف. مثال ذلك أن من ترك الشهوات من المآكل والمشارب وسائر اللذات التي ينهمك فيها غيره إما أنه ينتظر منها أكثر مما يحضره وإما لأنه لا يعرفها ولم يباشرها كالأعراب الذين يبعدون عن البلاد وكالرعاة في البوادي وقلل الجبال. وإما لأنه ممتلىء مما يجده ويحضره وإما لجمود شهوته ونقصان تركيبه. وإما لأنه استشعر خوفا من تناولها مكروها يلحقه بسببها. وإما لأنه ممنوع منها. فإن هؤلاء كلهم يعملون عمل الإعفاء وليسوا بإعفاء على الحقيقة وإنما يسمى عفيفا على الحقيقة من وفي العفة حدها المذكور فيما تقدم واختارها لنفسها لا لغرض آخر غيرها وآثرها لأنها فضيلة ثم تناول كل واحدة من شهواته بمقدار الحاجة ومن الوجه الذي يعمل أعمال الشجعان وليس بشجاع. وذلك أن من باشر الحروب وأقدم على ركوب الأهوال لبعض مايوصل إليه المال أو لبعض الرغبات التي لا تحد كثرة فإن الأهوال لبعض ما يوصل إليه المال أو لبعض ما يوصل إليه المال أو لبعض الرغبات التي لا تحد كثرة فإن مثل هذا يعمل عمل الشجعان ولكن يعمله بطبيعة الشره لا بطبيعة الفضيلة التي تدعي شجاعة. وكل من كان أكثر إقداما واصبر على الأهوال لهذه الأحوال يجب أن يكون أكثر شرها ونهما لا أكثر شجاعة. وذلك أنه يخاطر بنفسه الشريفة ويصبر على المكاره العظيمة طمعا في المال وما يصل إليه بالمال.
[ ١١٧ ]
وقد رأينا أهل الشقاوة يعملون عمل الإعفاء وعمل الشجعان وهم أبعد الناس عن كل فضيلة. وذلك أنهم يصبرون عن الشهوات كلها ويصبرون على عقوبات السلطان وضرب السياط وتقطيع الأعضاء والجراحات التي لا يؤمن منها وينتهون فيها لأقصى الصبر على الصلب وثمل العيون وقطع الأيدي والأرجل وضروب التمثيل طلبا لإسم وذكر بين قوم في مثل حالهم من سوء الإختيار ونقصان الفضائل. وقد يعمل أيضا عمل الشجعان من يخاف لأئمة عشيرته أوعقوبة سلطان أو خوف سقوط جاهه أو ما أشبه ذلك.
وقد يعمل عمل الشجعان من اتفق له مرارا كثيرة أن يغلب أقرانه فهو يقدم ثقة منه بالعادة الجارية وجهلا بمواقع الإتفاقات. وقد يعمل عمل الشجعان العشاق وذلك أنهم يركبون الأهوال في طلب المعشوق لرغبتهم في الفجور أو لحرصهم على متعة العين منه لا لطلب الفضيلة ولا لإختيار الموت الجميل على الحياة الرديئة كما يفعل الشجاع بالحقيقة. وأما شجاعة الأسد. وذلك أنها قد وثقت بقوتها وأنها تفوق غيرها فهي تقدم لا بطبيعة الشجاعة بل لتمام القدرة وثقة النفس والغلبة. وهو كصاحب السلاح منا إذا قدم على الأعزل. وليست هذه شجاعة مع عدم الإختيار الذي يستعمله الشجاع
[ ١١٨ ]
وذلك أن الشجاع خوفه من الأمر أشد من خوفه من الموت ولذلك يختار الموت الجميل على الحياة القبيحة. على أن لذة الشجاع ليست تكون في مبادىء أموره فإن مباديء الأمور تكون مؤذية له لكنها تكون في عواقب الأمور وتكون أيضا باقية مدة عمره وبعد عمره لا سيما إذا حامى عن دينه وعن اعتقاداته الصحيحة في وحدانية الله ﷿ والشريعة التي هي سياسة الله وسنته العادلة التي بها مصالح العباد في الدنيا والآخرة. فإن مثل هذا فكر في قصر مدة عمره وعلم أنه لا محالة يحامي عن دينه ويمنع العدو من استباحة حريمه والتغلب على مدينته ويأنف من الفرار ويعلم أن الجبان إذا اختار الفرار فإنما يستبقي شيئا هو لا محالة فإن زائل وأن تأخر أياما معدودة. ثم هو في هذه الحياة اليسيرة ممفوت مكدر الحياة بالذل وضروب الصغار. وهذه حال الشجاع مع قوى نفسه أعني بمقاومة شهواته واستسلامه لذات الشجاعة بعينها. ومن سمع كلام الإمام صلوات الله عليه الذي صدوره عن حقيقة الشجاع إذ قال لأصحابه: ﴿أيها الناس إن لم تقتلوا تموتوا والذي نفس ابن أب يطالب بيده لألف ضربة بالسيف على الرأس أهون من ميتة على الفراش﴾ . تبين له أن جميع ما أحصيناه للإنسان ليس بمعدود فيها وإن كان يشبهها بالصورة. ذلك أنه ليس كل من يقدم على الأهوال فهو شجاع ولا كل من لا يخاف من الفضائح فهو شجاع. وذلك أن من لا يفزع من ذهاب شرفه أوف ضيحة حرمه أو عند حدوث الرجفات والزلازل والصواعق أو الزمانة في الأمراض أو عدم الإخوان والأصدقاء أو عند إضطراب البحر وخول الأمواج والهواء الهائج فهو بأن يوصف بالجنون مرة وبالقحة مرة أولى بأن يوصف بالشجاعة.
[ ١١٩ ]
وكذلك من خاطر بنفسه في وقت الأمن والطمأنينة بأن يثب من سطح عال أو يصعد مرتقى صعبا أو يحمل نفسه على خوض ماء غزير وهو لا يحسن السباحة أو يساور جملا هائجا أو ثورا صعبا او فرسا لم يرض من غير ضرورة تدعوه إلى ذلك بل مرآة بالشجاعة وإظهار مرتبة الشجعان فهو بأن يسمى مطرمذا مائقا أولى منه بأن يسمى شجاعا. وأما من خنق نفسه خوفا من الفقر أو الذل أو أهلكها بالسم وما أشبهه من باب الضيم فهو بأن يوصف بالجبن أولى منه بأن يوصف بالشجاعة. وذلك أن الإقدام وقع منه بطبيعة الجبن لا بطبيعة الشجاعة فإن الشجاع يصير على مايرد عليه من الشدائد صبرا جميلا ويعمل أعمالا تليق بتلك الحال كما شرحناه فيما تقدم. ولذلك يجب أن يعظم الشجاع ويشح بنفسه وحقيق على السلطان خاصة والقيم بأمر الدين والملك أن ينافس فيه ويجل قدره ويعلي خطره ويميزه عن سائر من يتشبه به ممن ذكرناه. فقد تبين من جميع ما قلناه أن الشجاع هو الذي يستهين بالشدائد في الأمور الجميلة ويصبر على الأمور الهائلة ويستخف بما يستعظمه عوام الناس حتى بالموت لإختيار الأمر الأفضل ولا يحزن على مالا درك فيه ولا يضطرب عندما يفدحه من المصائب ويكون غضبه إذا غضب بمقدار ما يجب وعلى من يجب وفي الوقت الذي يجب. وكذلك يكون انتقامه على هذه الشرائط فإن الحكماء قالوا أن من لاينتقم يلحق قلبه ذبول فإذا انتقم عاد إلى حالته من النشاط وهذا الإنتقام إذا كان بحسب الشجاعة كان محمودا وإذا لم يكن كذلك كان مذموما.
[ ١٢٠ ]
فقد نقل إلينا في الأخبار المأثورة عمن أقدم على سلطان قوي ورام أن ينتقم منه فأهلك نفسه من غير أن يضر سلطانه روايات كثيرة وكذلك حال من أقدم على قرن قوي أو خصم ألد لا يستطيع مقاومته فإن الإنتقام منه يعود وبالا عليه وزيادة في الذل والعجز. فإذا ليست تنم شرائط الشجاعة والعفة إلا للحكيم الذي يستعمل كل شيء في موضعه الخاص به ويقدر أقساط العقل له. فكل شجاع عفيف حكيم وكل حكيم شجاع عفيف وهذه الحال بعينها تظهر فيمن عمل عمل الإسخياء وليس بسخي. وذلك أن من بذل أمواله في شهواته طلبا للسمعة والرياء أو تقربا إلى السلطان أو لدفع مضرة عن نفسه وحرمه وأولاده أو بذلها لمن لا يستحق من أهل الشر أوالملهين أو المساخرين أو بذلها لطمع في أكثر منها على سبيل التجارة والمرابحة فكل هؤلاء يعمل عمل الإسخياء وليس بسخي. أما بعضهم فيبذل ماله بطبيعة الشره وأما بعضهم فبطبيعة الطرمذة والرياء وبعضهم على طريق الإزدياد من المال والربح فيه وأما بعضهم فعلى سبيل التبذير وقلة المعرفة بقدر المال. وهذا أكثر ما يعرض للوارث ولمن لا يتعب في اكتساب المال فلا يعرف صعوبة الأمر فيه. وذلك أن المال صعب الإكتساب سهل الإنفاق والتفرقة قد شبهه الحكماء بمن يرفع حملا ثقيلا إلى قلة جبل ثم يرسله فإن الأمر في ترقيته واصعاده صعب ولكن إرساله من هناك أمر سهل.
[ ١٢١ ]