ولأجل ذلك يجب على مدير المدن أن يسوق كل إنسان نحو سعادته التي تخصه ثم يقسم عنايته بالناس ونظره لهم بقسمين: أحدهما في تسديد الناس وتقويمهم بالعلوم الفكرية. والأخر في تسديدهم نحو الصناعات والأعمال الحسية. وإذا سددهم نحو السعادة الفكرية بدأبهم من الغاية الأخيرة على طريق التحليل ووقف يهم عند القوي التي ذكرناها. وإذا سددهم نحو السعادة العملية بدأبهم من عند هذه القوي وانتهى بهم إلى تلك الغاية. ولما كان غرضنا في هذا الكتاب السعادة الخلقي وأن تصدر عنا الأفعال كلها جميلة كما رسمنا في صدر الكتاب وعملناه لمحبي الفلسفة خاصة لا للعوام وكان النظر يتقدم العمل.
[ ٨٣ ]
وجب أن نذكر الخير المطلق والسعادة الإنسانية لتلحظ الغاية الأخيرة ثم تطلب بالأفعال الإرادية التي ذكرنا جملها في المقالة الأولى. وأرسطوطاليس إنما بدأ كتابه بهذا الموضع وافتتحه بذكر الخير المطلق ليعرف ويتشوق.
ونحن نذكر ما قاله ونتبعه بما أخذناه أيضا عنه في مواضع أخر ليجتمع ما فرقه ونضيف إلى ذلك ما أخذناه عن مفسري المنقلبين لحكمته نحو استطاعتنا، والله الموفق المؤيد فإن الخير بيده وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ٨٤ ]
نبدأ بمعونة الله تعالى في هذه المقالة بذكر الفرق بين الخير والسعادة بعد أن نذكر ألفاظ أرسطوطا ليس إقتداء به وتوفية لحقه فنقول: إن الخير على ما حده واستحسنه من آراء المتقدمين هو المقصود من الكل وهو الغاية الأخيرة. وقد يسمى الشيء النافع في هذه الغاية خيرا. فأما السعادة فهي الخير بالإضافة إلى صاحبها وهي كمال له. فالسعادة إذا خير ما وقد تكون سعادة الإنسان غير سعادة الفرس وسعادة كل شيء في تمامه وكماله الذي يخصه. فأما الخير الذي يقصده الكل بالشوق فهو طبيعة تقصد ولها ذات وهو الخير العام للناس من حيث هم ناس فهم بأجمعهم مشتركون فيها. فأما السعادة فهي خير مالواحد واحد من الناس فهي إذا بالإضافة ليست لها ذات معينة وهي تختلف بالإضافة إلى قاصديها. فلذلك يكون الخير المطلق غير مختلف فيه. وقد يظن بالسعادة أنها تكون لغير الناطقين. فإن كان ذلك فإنما هي استعدادات فيها لقبول تماماتها وكمالاتها من غير قصد ولا رويى ولا إرادة وتلك الإستعدادات هي الشوق أو ما يجري مجرى الشوق من الناطقين بالإرادة. فأما ما يتأتى للحيوانات في مآكلها ومشاربها وراحاتها فينبغي أن نسمى بختا أواتفاقا ولا يؤهل لإسم السعادة كما يسمى في الإنسان أيضا. وإنما استحسن الحد الذي ذكرنا للخير المطلق لأن العقل لا يطلق السعي والحركة إلا إلى نهاية وهذا أول في العقل.
[ ٨٧ ]
ومثال ذلك أن الصناعات والهمم والتدابير الإختيارية كلها يقصد بها خير ما وما لم يقصد به خير ما فهو عبث والعقل يحظره ويمنع منه وبالواجب صار الخير المطلق هو المقصود إليه من كل الناس. ولكن بقى أن يعلم ما هو وما الغاية الأخيرة منه التي هي غاية الخيرات التي ترتقي الخيرات كلها إليها حتى نجعله غرضنا وتوجه إليه ولا نلتفت إلى غيره ولا تنتشر أفكارنا في الخيرات الكثيرة التي تؤدي إليه إما تأدية بعيدة وإما تأدية قريبة ولا نغلط أيضا فيما ليس بخير فنظنه خيرا ثم نفي أعمارنا في طلبه والتعب به وكلا سنبينه بمشيئة الله وعونه.