فإذا يجب على العاقل أن يعرف ما ابتلى به الإنسان من هذه النقائص التي في جسمه وحاجاته الضرورية إلى إزالتها وتكميلها، أما بالغذاء الذي يحفظ به إعتدال مزاجه وقوام حياته فينال منه قدر الضرورة في كماله. ولا يطلب اللذة لعينها بل قوام الحياة التي تتبعه اللذة. فإن تجاوز ذلك قليلا فبقدر ما يحفظ رتبته في مروءته. ولا ينسب إلى الدناءة والبخل بحسب حاله ومرتبته بين الناس، وأما باللباس فالذي يدفع به أذى الحر والبرد ويستر العورة. فإن تجاوز ذلك فبقدر ما لا يستحقر ولا ينسب إلى الشح على نفسه وإلى أن يسقط بين أقرانه وأهل طبقته، وأما بالجماع فالذي يحفظ نوعه وتبقى به صورته، أعني طلب النسل فإن تجاوز ذلك فبقدر مالا يخرج به عن السنة ولا يتعدى ما يملكه إلى ما يملك غيره ثم يلتمس الفضيلة في نفسه العاقلة التي بها صار إنسانا وينظر إلى النقائص التي في هذه النفس خاصة فيروم تكميلها بطاقته وجهده. فإن هذه الخيرات هي التي لا تستر وإذا وصل إليها لا يمنع عنها الحياء ولا يتوارى عنها بالحيطان والظلمات ويتظاهر بها أبدا بين الناس وفي المحافل. وهي التي يكون بها بعض الناس أفضل من بعض وبعضهم أكثر إنسانية من بعض ويغذوا هذه النفس بغذائها الموافق لها المتم لنقصانها كما يغذو تلك بأغذيتها الملائمة لها.
[ ٥٩ ]
فإن غذاء هذه هو العلم والزيادة في المعقولات والإرتياض بالصدق في الآراء وقبول الحق حيث كان ومع من كان والنفور من الكذب والباطل كيف كان ومن أين جاء. فمن اتفق له في الصبا أن يربي على أدب الشريعة ويؤخذ بوظائفها وشرائطها حتى يتعودها ثم ينظر بعد ذلك في كتب الأخلاق حتى تتأكد تلك الآداب والمحاسن في نفسه بالبراهين. ثم ينظر في الحساب والهندسة حتى يتعود صدق القول وصحة البرهان فلا يسكن إلا إليها ثم يتدرج (كما رسمناه في كتابنا الموسوم بترتيب السعادات ومنازل العلوم) حتى يبلغ إلى أقصى مرتبة الإنسان فهو السعيد الكامل فليكثر حمد الله تعالى على الموهبة العظيمة والمنة الجسيمة. ومن لم يتفق له ذلك في مبدأ نشوه ثم ابتلى بأن يربيه والده على رواية الشعر الفاحش وقبول أكاذيبه واستحسانا ما يوجد فيه من ذكر القبائح ونيل اللذات كما يوجد في شعر امرىء القيس والنابغة وأشباههما ثم صار بعد ذلك إلى رؤساء يقرونه على روايتها وقول مثلها ويجزلون له العطية.
وامتحن بأقران يساعدونه على تناول اللذات الجسمانية. ومال طبعه إلى الإستكثار من المطاعم والملابس والمراكب والزينة وإرتباط الخيل الفره والعبيد الروقة (كما اتفق لي مثل ذلك في بعض الأوقات) ثم انهمك فيها واشتغل بها عن السعادة التي أهل لها -
[ ٦٠ ]
فليعد جميع ذلك شقاء لا نعيما وخسرانا لا ربحا وليجتهد على التدريج إلى فطام نفسه منها. وما أصعب إلا أنه على كل حال غير من التمادي في الباطل. وليعلم الناظر في هذا الكتاب إن خاصة تدرجت إلى فطام نفسي بعد الكبر واستحكام العادة وجاهدتها جهادا عظيما.
ورضيت لك أيها الفاحص عن الفضائل والطالب للأدب الحقيقي بما رضيت لنفسي بل تجاوزت لك في النصيحة إلى أن أشرت عليك بما فاتني في ابتداء أمري لتدركه أنت. ودللتك على طريق النجاة قبل أن تتيه في مفاوز الضلالة وقدمت لك السفينة قبل أن تغرق في بحر المهالك. فالله الله في نفوسكم معاشر الإخوان والأولاد. إستسلموا للحق وتأدبوا بالأدب الحقيقي لا المزور وخذوا الحكمة البالغة وانتهجوا الصراط المستقيم وتصوروا حالات أنفسكم وتذكروا قواها. وأعلموا أن أصح مثل ضرب لكم من نفوسكم الثلاث التي مر ذكرها في المقالة الأولى: مثل ثلاثة حيوانات مختلفة جمعت في مكان واحد ملك وسبع وخنزير. فأيها غلب بقوته قوة البالقين كان الحكم له. وليعلم من تصور هذا المثال أن النفس لما كانت جوهرا غير جسم ولا شيء فيها من قوى الجسم وأعراضه كما بينا ذلك في صدر هذا الكتاب كان اتحادها واتصالها بخلاف اتحاد الأجسام وإتصال بعضها ببعض.
[ ٦١ ]