الحمد لله الذي أرشد إلى الصراط المستقيم ومدح الخلق العظيم وأرسل نبيه محمد متمما لمكارم الأخلاق وأدبه فأحسن تأديبه على الإطلاق.
اللهم إنا نتوجه إليك ونسعى نحوك ونجاهد نفوسنا في طاعتك ونركب الصراط المستقيم الذي نهجته لنا إلى مرضاتك فاعن بقوتك واهدنا بعزتك واعصمنا بقدرتك وبلغنا الدرجة العلي برحمتك والسعادة القصوى بجودك ورأفتك إنك على ما تشاء قدير.
قال أحمد بن محمد بن مسكويه غرضنا في هذا الكتاب أن نحصل لأنفسنا خلقا تصدر به عنا الأفعال كلها جميلة وتكون مع ذلك سهلة علينا لا كلفة فيها ولا مشقة ويكون ذلك بصناعة وعلى ترتيب تعليمي والطريق في ذلك أن نعرف أولا نفوسنا ماهي وأي شيء ولأي شيء أوجدت فينا، أعني كمالها وغايتها وما قواها وملكاتها التي إذا استعملناها على ما ينبغي بلغنا بها هذه الرتبة العلية وما الأشياء العائقة لناعنها وما الذي يزكيها فتفلح وما الذي يدسيها فتخيب فإن الله عز من قائل يقول: ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاسب من دساها.
[ ٩ ]
ولما كان لكل صناعة مباد عليها تبتني وبها تحصل وكانت تلك المبادى مأخوذة من صناعة أخرى وليس في شيء من هذه الصناعات أن تبين مبادى أنفسنا كان لنا عذر واضح في ذكر مبادىء هذه الصناعة على طريق الإجمال والإشارة بالقول الوجيز وأن لم يكن مما قصدنا له واتباعها بعد ذلك بما توخيناه من إصابة الخلق الشريف الذي يشرف شرفا ذاتيا حقيقيا لا على طريق العرض الذي لا ثبات له ولا حقيقة أعني المكتب بالمال والمكاثرة أو السلطان والمغالبة أو الإصطلاح والمواضعة فنقول وبالله التوفيق لوا نبين به إن فينا شيئا ليس بجسم ولا بجزء من جسمب ولا عرض ولا محتاج في وجوده إلى قوة جسيمة بل هو جوهر بسيط غير محسوس بشيء من الحواس ثم نبين ما مقصودنا منه الذي خلقنا له وندبنا إليه فنقول:
[ ١٠ ]
تعريف النفس</
إنّا لما وجدنا في الإنسان شياما يضاد أفعال الأجسام وأجزاء الأجسام بحده وخواصه وله أيضا أفعال تضاد أفعال الجسمب وخواصه حتى لا يشاركه في حال من الأحوال وكذلك نجده يباين الأعراض ويضادها كلها غاية المباينة ثم وجدنا هذه المباينة المضادة منه للأجسام والأعراض إنما هي من حيث كانت الأجسام أجساما والأعراض أعراضا حكمنا بأن هذا الشيء ليس بجسم ولا جزء من جسم ولا عرضا وذلك إنه لا يستحيل ولا يتغير وأيضا فإنه يدرك جميع الأشياء بالسوية ولا يلحقه فتور ولا كلال ولانقص ﴿وبيان ذلك﴾ إن كل جسم له صورة ما فإنه ليس يقبل صورة أخرى من جنس صورته الأولى إلا بعد مفارقته الصورة الأولى مفارقة تامة ﴿مثال ذلك﴾ إن الجسم إذا قبل صورة وشكلا من الأشكال كالتثليث مثلا فليس يقبل شكلا آخر من التربيع والتدوير وغيرهما إلا بعد أن يفارقه الشكل الأول وكذلك إذا قبل صورة نقش أو كتابة أو أي شيء كان من الصور فليس يقبل صورة أخرى من ذلك الجنس إلا بعد زوال الأولى وبطلانها ألبته فإن بقي فيه شيء من رسم الصورة الأولى لم يقبل الصورة الثانية على التمام بل تختلط به الصورتان فلا يخلص له إحداهما على التمام ﴿مثال ذلك﴾ إذا قبل الشمع صورة نقش في الخاتم لم يقبل غيره من النقوش إلا بعد أن يزول عنه رسم النقش الأول
[ ١٣ ]
وكذلك الفضة إذا قبلت صورة الخاتم وهذا حكم مستقيم مستمر في الأجسام. ونحن نجد أنفسنا تقبل صور الأشياء كلها على اختلافها من المحسوسات والمعقولات على التمام والكمال من غير مفارقة للأولى ولا معاقبة ولا زوال رسم بل يبقى الرسم الأول تاما كاملا وتقبل الرسم الثاني أيضا تاما كاملا ثم لا تزال تقبل صورة بعد صورة أبدا دائما من غير أن تضعف أو تقصر في وقت من الأوقات عن قبول ما يرد ويطرأ عليها من الصور بل تزداد بالصورة الأولى قوة على ما يرد عليها من الصورة الأخرى وهذه الخاصة مضادة لخواص الأجسام ولهذه العلة يزداد الإنسان فهما كلما ارتاض وتخرج في العلوم والآداب فليست النفس إذا جسما فأما إنها ليست بعرض فقد تبين من قبل أنالعرض لا يحمل عرضا لأن العرض في نفسهمحمول أبا موجود في غيره لا قوام له بذاته وهذا الجوهر الذي وصفنا حاله هو قابل أبدا حامل أتم وأكمل من حمل الأجسام للأعراض. فإذا النفس ليست جسما ولا جزأ من جسم ولا عرضا وأيضا فإن الطول والعرض والعمق الذي به صار الجسم جسما يحصل في النفس في قوتها الوهمية من غير أن تصير به طويلة عريضة عميقة ثم تزداد فيها هذه المعاني أبدا بلا نهاية فلا تصير بها أطول ولا أعرض ولا أعمق بل لا تصير بها جسما ألبتة ولا إذا تصورة أيضا كيفيات الجسم تكيفت بها. أعني إذا تصورت الألوان والطعوم والروائح لم تتصور بها كما تتصور الأجسام ولا يمنع بعضها قبول بعض من أضدادها كما يمنع في الجسم بل تقبلها كلها في حالة واحدة بالسواء. وكذلك حالها في المعقولات فإنها تزداد بكل معقول تحصله قوة على قبول غيره دائما أبدا بلا نهاية وهذه حالة مقابلة لا حوال الأجسام وخاصة في غاية البعد من خواصها،
[ ١٤ ]
وأيضا فإن الجسم قواه لا تعرف العلوم إلا من الحواس ولا يميل غلا إليها فهي تتشوقها بالملابسة والمشابكة كالشهوات البدنية ومحبة الإنتقام والغلبة وبالجملة كل ما يحس ويوصل إليه بالحس والجسم يزداد بهذه الأشياء قوة ويستفيد منها تماما وكمالا لأنها مادته وأسباب وجوده فهو يفرح بها ويشتاق إليها من أجل إنها تتمم وجوده وتزيد فيه وتمده. فأما هذا المعنى الآخر الذي سميناه نفسا فإنه كلما تباعد من هذه المعاني البدنية التي أحصيناها وتداخل إلى ذاته وتحلى من الحواس بأكثر ما يمكن ازداد قوة وتماما وكمالا وتظهر له الآراء الصحيحة والمعقولات البسيطة.
وهذا إذن أدل دليل على أن طباعه وجوهره من غير طباع الجسم والبدن وأنه أكرم جوهر أو أفضل طباعا من كل ما في هذا العالم من الأمور الجسمانية وايضا فإن تشوقها إلى ما ليس من طباع البدن وحرصها على معرفة حقائق الأمور الآلهية وميلها إلى الأمور التي هي أفضل من الأمور الجسمية وإيثارها لها وإنصرافها عن الأمور واللذات الجسمانية يدلنا دلالة واضحة إنها من جوهر أعلى وأكرم جدا من الأمور الجسمانية.
لأنه لا يمكن في شيء من الأشياء أن يتشوق ما ليس من طباعه وطبيعته ولا أن ينصرف عما يكمل ذاته ويقوم جوهره فإذا كانت أفعال النفس إذا إنصرفت إلى ذاتها فتركت الحواس مخالفة لأفعال البدن ومضادة لها في محاولاتها وإراداتها فلا محالة إن جوهرها مفارق لجوهر البدن ومخالف له في طبعه.
وأيضا فإن النفس وإن كانت تأخذ كثيرا من مبادىء العلوم عن الحواس فلها من نفسها مباد أخر وأفعال لا تأخذها عن الحوس ألبتة وهي المبادىء الشريفة العالية التي تنبني عليها القياسات الصحيحة. وذلك إنها إذا حكمت إنه ليس بين طرفي النقيض واسطة فإنها لم تأخذ هذا الحكم من شيء آخر لم يكن أوليا. وأيضا فإن الحواس تدرك المحسوسات فقط وأما النفس فإنها تدرك أسباب الإتفاقات وأسباب الإختلافات التي من المحسوسات وهي معقولاتها التي لا تستعين عليها بشيء من الجسم ولا آثار الجسم.
[ ١٥ ]
وكذلك إذا حكمت على الحس إنه صدق أو كذب فليست تأخذ هذا الحكم من الحس لأنه لا يضاد نفسه فيما يحكم فيه ونحن نجد النفس العاقلة فينا تستدرك شيئا كثيرا من خطأ الحواس في مبادىء أفعالها وترد عليها أحكامها. من ذلك أن البصر يخطىء فيما يراه من قرب ومن بعد أما خطأه في البعيد فبادراكه الشمس صغيرة مقدارها عرض قدم وهي مثل الأرض مائة ونيفا وستين مرة يشهد بذلك البرهان العقلي فتقبل منه وترد على الحس ما شهد به فلا يقبله. وأما خطأه في القريب فبمنزلة ضوء الشمس إذا وقع علينا من ثقب مربعات صغار كحلل الأهواز وأشباهها التي يستظل بها فإنه يدرك بها الضوء الواصل إلينا منها مستدير افترد النفس العاقلة عليه هذا الحكم وتغلطه في إدراكه وتعلم إنه ليس كما يراه وتخطأ البصر أيضا في حركة القمر والسحاب والسفينة والشاطىء ويخطأ في الأساطين المسطرة والنخيل وأشباهها حتى يراها مختلفة في أوضاعها. ويخطىء أيضا في الأشياء التي تتحرك على الإستدارة حتى يراها كالحلقة والطوق ويخطىء أيضا في الأشياء الغائصة في الماء حتى يرى أن بعضه أكبر من مقداره ويرى بعضها مكسورا وهو صحيح وبعضها معوجا وهو مستقيم وبعضها منكسرا وهومنتصب.
[ ١٦ ]
فيستخرج العقل أسباب هذه كلها من مباد عقلية ويحكم عليها احكاما صحيحة وكذلك الحال في حاسة السمع وحاسة الذوق وحاسة الشم وحاسة اللمس. أعني حاسة الذوق تغلط في الحلو تجده مرا عند الصد أو أشبهه وحاسة الشم تغلط كثيرا في الأشياء المنتنة لا سيما في المنتفل من رائحة إلى رائحة فالعقل يرد هذه القضايا ويقف فيها ثم يستخرج أسبابها ويحكم فيها أحكاما صحيحة والحاكم في الشيء المزيف له أو المصحح أفضل وأعلى رتبة من المحكوم عليه وبالجملة فإن النفس إذ علمت أن الحس صدق أو كذب فليست تأخذ هذا العلم من الحس ثم إذا علمت أنها قد أدركت معقولاتها فليست تعلم هذا العلم من علم آخر لأنها لو علمت هذا العلم من علم آخر لاحتاجت في ذلك العلم أيضا إلى علم آخر وهذا يمر بلا نهاية فإذا علمها بأنها علمت ليست بمأخوذ من علم آخر البتة بل هو من ذاتها وجوهرها أعني العقل وليست تحتاج في إدراكها ذاتها إلى شيء آخر غير ذاتها ولهذا ما قيل في أواخر هذا العلم. إن العقل والعاقل والمعقول شيء واحد لاغيرية شيء يتبين في موضعه. فأما الحواس فلا تحس ذواتها ولا ما هو موافق لها كل الموافقة كما سيتبين أيضا وإذ قد تبين من هذه الأشياء بيانا واضحا إن النفس ليست بجسم ولا بجزء من جسم ولا حال من أحوال الجسم وإنها شيء آخر مفارق للجسم بجوهره وأحكامه وخواصه وأفعاله فتقول:
[ ١٧ ]