ومما يستدل به من كلام أرسطوطاليس على أنه كان يقول ببقاء النفس والمعاد: كلامه المتداول في كتاب الأخلاق وهو هذا قال " قد حكمنا أن السعادة شيء ثابت غير متغير وقد علمنا أيضا أن الإنسان قد تلحقه تغيرات كثيرة واتفاقات شتى. فإنه قد يمكن لمن لمن هو أرغد الناس عيشا أن يصاب بمصائب عظيمة كمارمز في برنامس. ومن يتفق له هذه المصائب ومات عليها فليس يسميه أحد من الناس سعيدا. وليس ينبغي على هذا القياس أن يسمي إنسان من الناس سعيدا ما دام حيا بل ينتظر به آخر عمره ثم يحكم عليه.
فالإنسان إذا أنما يصير سعيدا إذا مات. إلا أن هذا قول في غاية الشناعة إذا كنا نقول أن السعادة هي خير ما. ثم قال في هذا الموضع أيضا موضع شك. ثم قال في هذا الموضع أيضا موضع شك فإنه قد يظن بالميت أن يلحقه خير وشر إذ يلحق الحي أيضا وهو لا يحس به مثل الكرامة أو الهوان واستقامة أمر الأولاد وأولاد الأولاد. ففي هذه الأشياء خير لأنه قد يمكن فيمن عاش عمره كله إلى أن يبلغ الشيخوخة سعيدا وتوفى على هذا السبيل أن يلحقه مثل هذه التغيرات في أولاده حتى يكون بعضهم خيارا حسن السيرة وبعضهم يضد ذلك.
[ ١٠٨ ]
ومن البين أنه قد يمكن أن يوجد بين الآباء والأولاد تباين وإختلاف بكل جهة. ولكن من المنكر أن يكون الميت بتغير غيره يصير مرة سعيدا ومرةأخرى شقيا. ومن المنكر أن لا تكون أمور الأولاد متصلة بالوالدين في وقت من الأوقات. ولكن ينبغي أن نعود إلى ما كان الشك واقعا فيه. فهذا الشك الذي أورده أرسطوطاليس على نفسه في هذا الموضع هو شك من يعتقد أن للإنسان بعد موته أحوالا وأنه يتصل به لا محالة من أمور أولاده وأولاد اولاده أحوال مختلفة بحسب أخلاق سير الأولاد. فكيف تقول ليت شعري في الإنسان إذا مات سعيدا ثم لحقه من شقا بعض أولاده أو سوء سيرة من يحيا من نسله ما يكون ضد سيرته وهو حي فإنه أن غير سعادته كان هذا شنيعا وإن لم يلحقه أيضا شيء.
من ذلك كان أيضا شنيعا. ثم أرسطوطاليس يحل هذا الشك بأن يقول ما هذا معناه: أن سيرة الإنسان ينبغي أن تكون سيرة محمودة لأنه يختار في كل ما يعرض له أفضل الأعمال من الصبر مرة ومن إختيار الفضل فالأفضل مرة. ومن التصرف في الأموال إذا اتسع فيها وحسن التجمل إذا عدمها ليكون سعيدا في جميع أحواله غير منتقل عن السعادة بوجه من الوجوه.
فالسعيد إذا ورد عليه نحس عظيم جعل سيرته أكثر سعادة لأنه يداريه مدارة جميلة ويصبر على الشدائد صبرا حسنا. ومتى لم يفعل ذلك كدر سعادته ونغضها وجلب له أحزانا وغموما تعوقه عن أفعال كثيرة. والجميل إذا ظهر من السعداء في هذه الأحوال والأفعال كان أشد إشراقا وحسنا وذلك إذا احتمل ما كبر وعظم من المصائب احتمالا سهلا بعد أن لا يكون ذلك لا لعدم حسه ولا لنقصان فهمه بالأمور بل لشهامته وكبر نفسه
[ ١٠٩ ]
قال: إذا كانت الأفعال هي ملاك السيرة كما قلنا فليس يكون أحد من السعداء شقيا لأنه ليس يفعل في وقت من الأوقات أفعالا مرذولة. فإذا كان هكذا فالسعيد أبدا يكون مغبوطا وإن حلت به المصائب التي حلت ببرنامس ولا يكون أيضا شقيا ولا سريع التنقل من ذلك لأنه ليس ينتقل عن السعادة بسهولة ولا تنقله عنها الأوقات اليسيرة بل لا تنقله عنها الآفات العظيمة الكثيرة وليس يكون سعيدا إذا نالته هذه الأمور زمانا يسيرا بل إذا ظفر بأمور جميلة في زمان طويل. ثم قال بعد قليل: وأما حال الإنسان بعد موته فالقول بأن الآفات التي تعرض لأولاد الميت وأصدقائه بأجمعهم ليست تتعلق به أصلا مضاد لما يعتقده جميع الناس. وإذا كانت الأمور العارضة لهؤلاء كثيرة متيقنة وكان بعضها يتعدى إلى الميت أكثر وبعضها أقل صارت قسمتنا إياها إلى الأشياء الجزئية بلا نهاية.
وأما إذا قيل قولا كليا وعلى طريق الرسم فخليق أن نكتفي بما نقوله فيها وهو أنه كما أن الآفات التي تعرض للميت في حياته بعضها يثقل عليه إحتماله ويثلم في سيرته وبعضها يخف عليه احتماله كذلك يكون حاله فيما يعرض لأولاده وأصدقائه وكل واحد من العوارض التي تعرض للأحياء مخالف لما يعرض لهم إذا ماتوا أكثر من مخالفة كل ما يضرب به المثل ويشبه إن كان يصل إليهم من هذه الأشياء شيء خيرا كان أو شرا أن يكون يسيرا نزرا بمقدار ما لا يجعل غير السعيد سعيدا ولا ينتزع السعادة من السعداء. هذا حل أرسطوطاليس للشك الذي أورده.
[ ١١٠ ]