إن الإنسان ذو فضيلة روحانية يناسب بها الأرواح الطيبة التي تسمى ملائكة وذو فضيلة جسمانية يناسب بها الأنعام لأنه مركب منهما فهو بالخير الجسماني الذي يناسب به الأنعام مقيم في هذا العالم السفلي مدة قصيرة ليعمره وينظمه ويرتبه.
[ ٩٤ ]
حتى إذا ظفر بهذه المرتبة على الكمال انتقل إلى العالم العلوي وأقام فيه دائما سرمدا في صحبة الملائكة والأرواح الطيبة وينبغي أن يفهم من قولنا العالم السفلي والعالم االعلوي ما ذكرناه فيما تقدم. فإنا قد قلنا هناك أنا لسنا نعني بالعلوي المكان العلى في الحس ولا بالعالم السفلي المكان الأسفل في الحس بل كل محسوس فهو أسفل وإنكان محسوسا في المكان الأعلى. وكل معقول فيهو أعلى وإن كان معقولا في المكان الأسفل وينبغي أن يعلم أنه لا يحتاج في صحة الأرواح الطيبة المستغنية عن الأبدان إلى شيء من السعادات البدنية التي ذكرناها سوى سعادة النفس فقط أعني المعقولات الأبدية التي هي الحكمة فقط. فإذا ما دام الإنسان إنسانا فلا تتم له السعادة إلا بتحصيل الحالين جميعا وليس يحصلان على التمام إلا بالأشياء النافعة في الوصول إلى الحكمة الأبدية. فالسعيد إذا من الناس يكون في إحدى مرتبتين. إما في مرتبة الأشياء الجسمانية متعلقا بأحوالها السفلى سعيدا بها وهو مع ذلك يطالع الأمور الشريفة باحثا عنها مشتقا إليها متحركا نحوها مغتبطا بها. وإما أن يكون في رتبة الأشياء الروحانية متعلقا بأحوالها العليا سعيدا بها وهو مع ذلك يطالع الأمور البدنية معتبرا بها ناظرا في علامات القدرة الإلهية ودلالل الحكمة البالغة مقتديا بها ناظما لها مفيضا للخيرات عليها سابقا لها نحو الأفضل، فالأفضل بحسب قبولها وعلى نحو استطاعتها. وأي امرىء لم يحصل في إحدى هاتين المنزلتين فهو في رتبة الأنعام بل هو أضل. وإنما صار أضل لأن تلك غير معرضة لهذه الخيرات ولا أعطيت استطاعة تتحرك بها نحو هذه المراتب العالية.
[ ٩٥ ]
وإنما تتحرك بقواها نحو كمالاتها الخاصة بها والإنسان معرض لها مندوب إليها مزاح العلة فيها وهو مع ذلك غير محصل لها ولا سع نحوها.
وهو مع ذلك مؤثر لضدها يستعمل قواه الشريفة في الأمور الدنيئة وتلك محصلة لكمالاتها التي تخصها فإذا الأنعام إذا منعت الخيرات الإنسية حرمت جوار الأرواح الطيبة ودخول الجنة التي وعد المتقون فهي معذورة. والإنسان غير معذور. مثل الأول مثل الأعمى إذا جار عنالطريق فتردى في بئر فهو مرحوم غير ملوم. ومثل الثاني مثل بصير يجور على بصيرة حتى يتردى في البئر فهو ممقوت ملوم. وإذ قد تبين أن السعيد لا محالة في إحدى المرتبتين اللتين ذكرناها فقد تبين أيضا أن أحدهما ناقص مقصر عن الآخر وأن الأنقص منهما ليس يخلو ولا يتعرى من الآلام والحسرات لأجل خدائع الطبيعة والزخارف الحسية التي تعترضه فيما يلابسه وتعوقه عما يلاحظه وتمنعه من الترقي فيها على ما ينبغي وتشغله بما يتعلق به من الأمور الجسمانية. فصاحب هذه المرتبة غير كامل على الإطلاق ولا سعيد تام، وأن صاحب المرتبة الأخرى هو السعيد التام وهو الذي توفر حظه من الحكمة فهو مقيم بروحانيته بين الملاء الأعلى يستمد منهم لطائف الحكمة ويستنير بالنور الإلهي ويستزيد من فضائله بحسب عنايته بها وقلة عوائقه عنها. ولذلك يكون أبدا خاليا من الآلام والحسرات التي لا يخلو صاحب المرتبة الأولى منها ويكون مسرورا أبدا بذاته مغتبطا بحاله وبما يحصل له دائما من فيض نور الأمل فليس يسر إلا بتلك الأحوال ولا يغتبط إلا بتلك المحاسن ولا يهش إلا لإظهار تلك الحكمة بين أهلها ولا يرتاح إلا لمن ناسبه أو قاربه وأحب الإقتباس منه.
[ ٩٦ ]
وهذه المرتبة التي من وصل إليها فقد وصل إلى آخر السعادات وأقصاها وهو الذي لا يبالي بفراق الأحباب من أهل الدنيا ولا يتحسر على ما يفوته من التنعم فيها. وهو الذي يرى جسمه وماله وجميع خيرات الدنيا التي عددناها في السعادات التي في بدنه الخارجة عنه كلها كلا عليه إلا في ضرورات يحتاج إليها لبدنه الذي هو مربوط به لا يستطيع الإنحلال عنه إلا عند مشيئة خالقه وهو الذي يتشاق إلى صحبة أشكاله وملاقاة من يناسبه من الأرواح الطيبة والملائكة المقربين. وهو الذي لا يفعل إلا ما أراده الله منه ولا يختار إلا ما قرب إليه لا يخالفه إلى شيء من شهواته الرديئة ولا ينخدع بخدائع الطبيعة ولا يلتفت إلى شيء يعوقه عن سعادته.
وهو الذي لا يحزن على فقد محبوب ولا يتحسر على فوت مطلوب. إلا أن هذه المرتبة الأخيرة تتفاوت تفاوتا عظيما أعني أن من يسل إليها من الناس يكون على طبقات كثيرة غير متقاربة.
وهاتان المرتبتان هما اللتان ساق الحكيم الكلام إليهما واختار المرتبة الأخيرة منهما وذلك في كتابه المسمى " فضائل النفس " وأنا أورد ألفاظه التي نقلت إلى العربية بعينها قال:؟؟
[ ٩٧ ]
أول رتب الفضائل اول رتب الفضائل تسمى سعادة وهي أن يصرف الإنسان إرادته ومحاولاته إلى مصالحه في العالم المحسوس والأمور المحسوسة من أمور النفس والبدن وما كان من الأحوال متصلا بهما ومشاركا لهما من الأمور النفسانية ويكون تصرفه في الأحوال المحسوسة تصرفا لا يخرج به عن الإعتدال الملائم لأحواله الحسية. وهذه حال قد يتلبس فيها الإنسان بالأهواء والشهوات إلا ان ذلك بقدر معتدل غير مفرط وهو إلى ما ينبغي أقرب منه إلى ما لا يسيغه وذلك انه يجري أمره نحو صواب التدبير المتوسط في كل فضيلة ولا يخرج به عن تقدير الفكر وأن لابس الأمور المحسوسة وتصرف فيها.
ثم الرتبة الثانية وهي التي يصرف الإنسان فيها إرادته ومحاولاته إلى الأمر الأفضل من صلاح النفس والبدن من غير أن يتلبس مع ذلك بشيء من الأهواء والشهوات ولا يكترث بشيء من النفسيات المحسوسة إلا بما تدعوه إليه الضرورة. ثم تتزايد رتبة الإنسان في هذا الضرب من الفضيلة. وذلك أن الأماكن والرتب في هذا الضرب من الفضائل كثيرة بعضها فوق بعض وسبب ذلك. اما أولا فاختلاف طبائع الناس. وثانيا على حسب العادات.
وثالثا بحسب منازلهم ومواضعهم من الفضل والعلم والمعرفة والفهم. ورابعا بحسب همهم. وخامسا بحسب شوقهم ومعاناتهم ويقال ايضا بحسب جدهم.
[ ٩٨ ]
ثم تكون النقلة في آخر هذه المرتبة أعني هذا الصنف من الفضيلة إلى الفضيلة الإلهية المحضة. وهي التي لا يكون فيها تشوف إلى آت ولا تلفت إلى ماض ولا تشييع لحال ولا تطلع إلى ناء ولا ضن بقريب ولا خوف ولا فزع من أمر ولا شغف بحال ولا طلب لحظ من حظوظ الإنسانية ولا من الحظوظ النفسانية أيضا ولا ما تدعو الضرورة إليه من حاجة البدن والقوى الطبيعية ولا القوى النفسانية. لكن يتصرف بتصرف الخير العقلي في أعالي رتب الفضائل وهو صرف الوكد إلى الأمور الإلهية ومعاناتها ومحاولاتها بلا طلب عوض أعني أن يكون تصرفه فيها ومعاناته ومحاولته لها لنفس ذاتها فقط وهذه الرتبة أيضا تتزايد بالناس بحسب الهمم والشوق وفضل المعاناة والمحاولة وقوة التحيزة؟ وصحة القة وحسب الهمم والشوق وفضل المعاناة والمحاولة وقوة التحيزة؟ وصحة الثقة وبحسب منزلة من بلغ إلى هذا المبلغ من الفضيلة في هذه الأحوال التي عددناها إلى أن يكون تشبهه بالعلة الأولى واقتداؤه بها وبأفعالها.