وقد شبه الحكماء من أهمل سياسة نفسه العاقلة وترك سلطان الشهوة يستولي عليها برجل معه ياقوتة حمراء شريفة لا قيمة لها من الذهب والفضة جلالة ونفاسة. وكان بين يديه نار تضطرم فرماها في حباحبها حتى صارت كاسا لا منفعة فيها فخسرت فخسرت منافعها. فقد علمنا الآن أن النفس العاقلة إذا عرفت شرف نفسها وأحست بمرتبتها من الله عزوجل أحسنت خلافته في تربية هذه القوى وسياستها ونهضت بالقوة التي أعطاها الله تعالى إلى محلها من كرامة الله تعالى ومنزلتها من العلو والشرف ولم تخضع للسبعية ولا للبهيمية.
بل تقوم النفس الغضبية التي سميناها سبعية ونقودها إلى الأدب بحملها على حسن طاعتها. ثم تستنهضها في أوقات هيجان هذه النفس البهيمية وحركتها إلى الشهوات حتى يقمع بهذه سلطان تلك وتستخدمها في تأديبها وتستعين بقوة هذه على تأبى تلك. وذلك أن هذه النفس الغضبية قابلة للأدب قوية على قمع الأخرى كما قلنا.
[ ٦٤ ]
وتلك النفس البهيمية عادمة للأدب غير قابلة له. وأما النفس الناطقة أعني العاقلة فهي كمال قال أفلاطون بهذه الألفاظ: أما هذه فبمنزلة الذهب في اللين والإنعطاف. وأما تلك فبمنزلة الحديد في الصلابة والإمتناع فإن أنت آثرت الفعل الجميل في وقت وجاذبيتك القوة الأخرى إلى اللذة وإلى خلاف ما ىثرت الفعل الجميل في وقت وجاذبيتك القوى الأخرى إلى اللذة وإلى خلاف ما آثرت فاستعن بقوة الغضب التي تثير وتهيج بالأنفة والحمية وأقهر بها النفس البهيمية. فإن غلبتك مع ذلك ثم ندمت وأنفت فأنت في طريق الصلاح فتمم عزيمتك واحذر أنت أن تعاودك بالطمع فيك والغلبة لك؟ فإن لم تفعل ذلك ولم تكن العقبة في الغلبة لك كنت كما قال الحكيم الأول: إني أرى أكثر الناس يدعون محبة الفعال الجميلة ثم لا يحتملون المؤنة فيها على علمهم بفضلها فيغلبهم الترفه ومحبة البطالة. فلا يكون بينهم وبين من لا يحب الأفعال الجميلة فرق إذا لم يحتملوا مؤنة الصبر ويصبروا إلى تعلم تمام ما آثروه وعرفوا فضله. واذكر مثل البئر التي تردى فيها الأعمى والبصير فيكونان في الهلكة سواء إلا أن الأعمى أعذر. ومن وصل من هذه الآداب إلى مرتبة يعتد بها واكتسب بها الفضائل التي عددنها فقد وجب عليه تأديب غيره وإفاضة ما أعطاه الله على أبناء جنسه.
[ ٦٥ ]