وإذا كانت القوى ثلاثا كما قلنا مرارا فأدونها النفس البهيمية. وأوسطها النفس السبعية. وأشرفها النفس الناطقة. والإنسان إنما صار إنسانا بأفضل هذه النفوس أعني الناطقة وبها شارك الملائكة وبها باين البهائم.
فأشرف الناس من كان حظه من هذه النفس أكثر وانصرافه إليها أتم وأوفر. ومن غلبت عليه إحدى النفسين الأخريين انحط عن مرتبة الإنسانية بحسب غلبة تلك النفس عليه. فانظر رحمك الله أين تضع نفسك وأين تحب أن تنزل من المنازل التي رتبها الله تعالى للموجودات. فإن هذا أمر موكول إليك ومردود إلى اختيارك. فإن شئت فانزل في منازل البهائم فإنك تكون منهم. وإن شئت فانزل في منازل السباع.
[ ٥٦ ]
وإن شئت فانزل في منازل الملائكة وكن منهم. وفي كل واحدة من هذه المراتب مقامات كثيرة فإن بعض البهائم أشرف من بعض وذلك لقبول التأديب لأن الفرس إنما شرف على الحمار لقبوله الأدب وكذلك في البازي فضيلة على الغراب. وإذا تأملت الحيوان كله وجدت القابل للتأديب الذي هو أثر النطق أعني النفس الناطقة أفضل من سائره وهو يتدرج في ذلك إلى ان يصير إلى الحيوان الذي هو في أفق الإنسان أعني الذي هو أكمل البهائم وهو في أخس مرتبة الإنسانية.
وذلك أن أخس الناس هو من كان قليل العقل قريبا من البهيمية. وهم القوم الذين في أقاصي الأرض المعمورة وسكان آخر ناحية الجنوب والشمال لا ينفصلون عن القرود إلا بشيء قليل من التمييز. وبذلك القدر يستحقون إسم الإنسانية. ثم يتميزون ويتزايدون في هذا المعنى حتى يبلغوا إلى وسط الأقاليم، ويعتدل فيهم المزاج القابل لصورة العقل فيصير فيهم العاقل التام والمميز العالم. ثم يتفاضلون في هذا المعنى أيضا إلى أن يصيروا إلى غاية ما يمكن للإنسان أن يبلغ إليه من قبول قوة العقل والنطق. فيصير حينئذ في الأفق الذي بين الإنسان والملك ويصير فيهم القابل للوحي والمطليق لحمل الحكمة فتيض عليه قوة العقل ويسيح إليه نور الحق ولا حالة للإنسان أعلى من هذه ما دام إنسانا.
[ ٥٧ ]
ثم ارجع القهقري إلى النظر في الرتبة الناقصة التي هي أدون مراتب الإنسان فإنك تجد القوم الذين تضعف فيهم القوة الناطقة وهم القوم الذي ذكرنا أنهم في أفق البهائم تقوى فيهم النقص البهيمية فيميلون إلى شواتها المأخوذة بالحواس كالمأكول والمشروب والملبوس وسائر النزوات الشبيهة بها. وهؤلاء هم الذين تجذبهم الشهوات القوية بقوة نفوسهم البهيمية حتى يرتكبونها ولا يرتدعوا عنها. وبقدر ما يكون فيهم من القو العاقلة يستحيون منها تى يستتروا بالبيوت ويتواروا بالظلمات إذا هموا بلذة تخصهم.
وهذا الحياء منهم هو الدليل على قبحها فإن الجميل بالإطلاق هو الذي يتظاهربه ويستحب إخراجه وإذاعته. وهذا القبح ليس بشيء أكثر من النقصانات اللازمة للبشر. وهي التي يشتاقون إلى إزالتها. وافحشها هو انقصها. وانقصها أحوجها إلى الستر والدفن. ولو سألت القوم الذين يعظمون أمر اللذة ويجعلونها الخير المطلوب والغاية الإنسانية لم تكتمون الوصول إلى أعظم الخيرات عندكم. وما بالكم تعدون موافقتها خيرا ثم تسترونها؟ أترون سترها وكتمانها فضيلة ومروءة وإنسانية والماهجرة بها وإظهارها بين أهل الفضل وفي مجمع الناس خساساة وقحة؟ - لظهر من انقطاعهم وتبلدهم في الجواب ما تعلم به سوء مذهبهم وخبث سيرتهم. وأقلهم حظا من الإنسانية إذا رأى إنسانا فاضلا احتشمه ووقره وأحب أن يكون مثله إلا الشاذ منهم الذي يبلغ من خساسة الطبع ونزارة الإنسانية ووقاحة الوجه إلى أن يقيم على نصرة ما هو عليه من غير محبة لرتبة من أفضل منه.
[ ٥٨ ]