ونعود إلى ذكر مراتب الحيوان فنقول: أن ما أهدى منها إلى الإزدواج وطلب النسل وحفظ الولد وتربيته والإشفاق عليه بالكن والعش واللباس كما نشاهد فيما يلد ويبيض وتغذيته إما باللبن وإما بنقل الغذاء إليه فإنه أفضل مما لا يهتدي إلى شيء منها. ثم لا تزال هذه الأحوال تتزايد في الحيوان حتى يقرب من أفق الإنسان فحينئذ يقبل التأديب ويصير بقبوله للأدب ذا فضيلة يتميز بها من سائر الحيوانات. ثم تتزايد هذه الفضيلة في الحيوانات حتى يشرف بها ضروب الشرف كالفرس والبازي المعلم. ثم يصير من هذه المرتبة إلى مرتبة الحيوان الذي يحاكي الإنسان من تلقاء نفسه ويتشبه به من غير تعليم كالقردة وما أشبهها ويبلغ من ذكائها ن تستكفي في التأدب بأن ترى الإنسان يعمل عملا فتعمل مثله من غير أن تحوج الإنسان إلى تعب بها ورياضة لها وهذه غاية أفق الحيوان التي أن تجاوزها وقبل زيادة يسيرة خرج بها عن أفقه وصار في أفق الإنسان الذي يقبل العقل والتمييز والنطق والآلات التي يستعملها والصور التي تلائمها. فإذا بلغ هذه الرتبة تحرك إلى المعارف واشتاق إلى العلوم وحدثت له قوى وملكات ومواهب من الله ﷿ يقتدر بها على الترقي والإمعان في هذه الرتبة كما كان ذلك في المراتب الأخرى التي ذكرناها،
[ ٧٩ ]
وأول هذه المراتب من الأفق الإنساني المتصل بآخر ذلك الأفق الحيواني مراتب الناس الذين يسكنون في أقاصي المعمورة من الشمال والجنوب كأواخر الترك من بلاد يأجوج ومأجوج وأواخر الزنج وأشباههم من الأمم التي لا تميز عن القرود إلا بمرتبة يسيره. ثم تتزايد فيهم قوة التمييز والفهم إلى أن يصيروا إلى وسط الأقاليم فيحدث فيهم الذكاء وسرعة الفهم والقبول للفضائل وإلى هذا الموضع ينتهي فعل الطبيعة التي وكلها الله ﷿ بالمحسوسات.
ثم يستعد بهذا القبول لإكتساب الفضائل واقتنائها بالإرادة والسعي والإجتهاد الذي ذكرناه فيما تقدم حتى يصل إلى آخر أفقه فإذا صار إلى آخر افقه اتصل بأول أفق الملائكة وهذا أعلى مرتبة الإنسان وعندها تتأحد الموجودات ويتصل أولها بآخرها. وهو الذي يسمى دائرة الوجود لأن الدائرة هي التي قيل في حدها إنها خط واحد يبتدىء بالحركة من نقطة وينتهي إليها بعينها ودائرة الوجود هي المتأحدة التي جعلت الكثرة وحدة. وهي التي تدل دلالة صادقة برهانية على موجدها وحكمته وقدرته ووجوده تبارك اسمه وتعالى جده وتقدس ذكره. ولولا أن شرح هذا الموضوع لا يليق بصناعة تهذيب الأخلاق لشرحته وأنت تقف عليه إن بلغت هذه الرتبة بمشيئة الله.
وإذا تصورت قدر ما أومأنا إليه وفهمته اطلعت على الآلة التي خلقت وندبت إليها وعرفت الأفق الذي يتصل بأفقك وتنقلك في مرتبة بعد مرتبة وركوبك طبقا عن طبق وحدث لك الإيمان الصحيح وشهدت ما غاب عن غيرك من الدهماء وبلغت أن تتدرج إلى العلوم الشريفة المكونة التي مبدؤها تعلم المنطق فإنه الآلة في تقويم الفهم والعقل الغريزي.
[ ٨٠ ]
ثم الوصول به إلىمعرفة الخلائق وطباعها ثم التعلق بها والتوسع فيها والتوصل منها إلى العلوم الإلهية وحينئذ تستعد لقبول مواهب الله عزوجل وعطاياه فيأتيك الفيض الإلهي فتسكن عن قلق الطبيعة وحركاتها نحو الشهوات الحيوانية وتلحظ المرتبة التي ترقيت فيها أولا فأولا من مراتب الموجودات. وعلمت ان كل مرتبة منها محتاجة إلى قبلها في وجودها وعلمت أن الإنسان لا يتم له كماله إلا بعد أن يحصل له ما قبله وإذا صار إنسانا كاملا وبلغ غاية أفقه أشرق نور الأفق الأعلى عليه وصار إما حكيما تاما تأتيه الإلهامات فيما يتصرف فيه من المحاولات الحكمية والتأييدات العلوية في التصويرات العقلية وإما نبيا مؤيدا يأتيه الوحي على ضروب المنازل التي تكون له عند الله تعالى ذكره. فيكون حينئذ واسطة بين الملأ الأعلى والملأ الأسفل. وذلك بتصوره حال الموجودات كلها والحال التي ينتقل إليها من حال الإنسية ومطالعة الآفاق التي ذكرناها. وحينئذ يفهم عن الله عزوجل قوله (فلا تعلم نفس ما اخفي لهم من قرة أعين) وتصور معنى قوله ﷺ (هناك مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) وإذا بلغ الكلام إلى ذكر هذه المنزلة العالية الشريفة التي أهل الإنسان لها ونسقنا أحواله التي يترقى فيها وأنه يكون أولا بالشوق إلى المعارف والعلوم فينبغي أن نزيد في بيانه وشرحه فنقول:
[ ٨١ ]