وفي هذا الموضع مسألة عويصة سأل عنها الحكماء أنفسهم وأجابوا عنها بجواب مقنع ويمكن أن يجاب فيها بجواب آخر أشد إقناعا ويجب أن نذكر لاجميع وهو: أن لشاك أن يشك فيقول إذا كانت العدالة فعلا اختياريا يتعاطاه العادل ويقصد به تحصيل الفضيلة لنفسه والمحمدة من الناس فيجب أن يكون الجور فعلا اختياريا يتعاطاه الجائر ويقصد به تحصيل الرذيلة لنفسه ومذمة الناس. ومن القبيح الشنيع أن يظن بالإنسان العاقل أنه يقصد الأضرار بنفسه بعدالروية وعلى سبيل الإختيار. ثم أجابوا عن ذلك وحلوا هذا الشك بأن قالوا أن من ارتكب فعلا يؤديه إلى ضرر أو عذاب فإنه يكون ظالما لنفسه وضارا لها من حيث يقدر أنه ينفعها وذلك لسوء اختياره وترك مشاورة العقل فيه. مثال ذلك الحاسد فإنه ربما جنة على نفسه لأعلى سبيل إيثار الأضرار بها بل لأنه يظن أنه ينفعها في العاجل بالخلاص من الأذى الذي يلحقه من الحسد. هذا جواب القوم وأما الجواب الآخر فهو أن الإنسان لما كان ذا قوى كثيرة يسمى بمجموعها إنسانا واحدا لم ينكر أن تصدر عنه أفعال مختلفة بحسب تلك القوى. وإنما المنكر
[ ١٣٩ ]
أن يكون الشيء الواحد البسيط ذو القوة الواحدة تقع منه بتلك القوة أفعال مختلفة لا بحسب الآلات المختلفة ولا بقدر القابلات منه بل بتلك القوة الواحدة فقط. فهذ١ لعمري منكر شنيع ولكن الإنسان قد تبين من حاله أن له قوى كثيرة فيعمل بكل قوة عملا مخالفا للعمل بالأخرى أعني أن صاحب الغضب إذا استشاط يختار أفعالا مخالفة لأفعاله إذا كان ساكنا وديعا.
وكذلك صاحب الشهوة الهائجة وصاحب النشوة الطروب فإن من شأن هؤلاء أن يستخدموا العقل الشريف في تلك الأحوال ولا يستشيرونه ولذلك تجد العاقل إذا تغيرت أحواله تلك فصار من الغضب إلى الرضا ومن السكر إلى الإفاقة تعجب من نفسه وقال ليت شعري كيف اخترت تلك الأفعال القبيحة ويلحقه الندم. وإنما ذلك لأن القوة التي تهيج به تدعوه إلى ارتكاب فعل يظنه في تلك الحال صالحا له جميلا به لتتم له حركة القوة الهائجة به. فإذا سكن عنها وراجع عقله رأى قبح ذلك الفعل وفساده. وقوى الإنسان التي تدعوه إلى ضروب الشهوات ومحبة الكرامات كثيرة جدا فهو بحسب قواه الكثيرة تكون أفعاله كثيرة.
فإذا تعود الإنسان أن تكون سيرته فاضلة ولم يقدم على شيء من أفعاله إلا بعد مطالعة العقل الصريح وبعد مراعاة الشريعة القويمة كانت أفعاله كلها منتظمة غير مختلفة ولا خارجة عن سنن العدل أعني المساواة التي قدمنا القول فيها.
ولهذا السبب قلنا أن السعيد هو من اتفق له في صباه أن يأنس بالشريعة ويستسلم لها ويتعود جميع ما تأمره به حتى إذا بلغ المبلغ الذي يمكنه به أن يعرف الأسباب والعلل طال الحكمة فوجدها موافقة لما تقدمت عادته به فاستحكم رأيه وقويت بصيرته ونفذت عزيمته.
[ ١٤٠ ]