وههنا مسألة عويصة أشد من الأولى وهو أن التفضل شيء محمود جدا وليس يقع تحت العدالة لأن العدالة كما ذكرنا مساواة ة والتفضل زيادة وقد حكمنا أن العدالة تجمع الفضائل كلها ولا مزيد عليها بل يجب أن تكون الزيادة عليها مذمومة كما أن النقصان عنها مذوم ليكون شرف الوسط الذي تقدم وصفه في سائر الأخلاق حاصلا للعدالة. فالجواب عنها ان التفضل احتياط يقع من صاحبه في العدالة ليأمن به وقوع النقص في شيء من شرائطها وليس الوسط في كلا الطرفين من الأخلاق على شريطة واحدة وذلك أن الزيادة في باب السخاء إذا لم تخرج إلى باب التبذير أحسن من النقصان فيه وأشبه بالمحافظة على شرائطه فتصير كالاحتياط فيه والأخذ بالحزم فيه. وأما العفة فإن النقصان من الوسط فيها أحسن من الزيادة عليه وأشبه بالمحافظة على شرائطه وأبلغ في الاحتياط عليه وأخذ الحزم فيه ومع ذلك فليس يستعمل التفضل إلا حيث تستعلم العدالة. وأعني بذلك أن من أعطى ماله من لا يستحق شيئا منه وترك مواساة من يستحقه لا يسمى متفضلا بل مضيعا. وإنما يكون متفضلا إذا أعطى من يستحق كل ما يستحق ثم زاده تفضلا وهذه الزيادة ليست من الزيادة التي ذكرناها في باب السخاء لأن تلك الزيادة ذهاب إلى الطرف الذي يسمى تبذيرا وهو مذموم ويعرف ذلك من حده وهو بذل مالا ينبغي كمالا ينبغي في الوقت الذي لا ينبغي.
[ ١٤١ ]
فإذا التفضل غير خارج عن شرط العدالة بل هو احتياط فيها، ولذلك قيل أن المتفضل أشرف من العادل. فقد بان أن التفضل ليس غير العدالة بل هو العدالة مع الاحتياط فيها وكأنه مبالغة لا يخرجها عن معناها لأن هذه الهيئة النفسانية ليست غير تلك الهيئة بل هي. فأما الأطراف التي هي رذائل أعني الزيادة والنقصان التي سبق القول فيهما فهي كلها هيئات مذمومة غير الهيئات المحمودة. وحدود هذه الأشياء هي التي تحصل لك معانيها ومشاركة بعضها البعض. ومباينة بعضها البعض. وأيضا فإن الشريعة تأمر بالعدالة أمرا كليا وليست تنحط إلى الجزئيات وأعني بذلك أن العدالة التي هي المساواة تكون مرة في باب الكم ومرة في باب الكيف وفي سائر المقولات وبيان ذلك أن نسبة الماء إلى الهواء مثلا ليست تكون بالكمية بل بالكيفية ولو كانت بالكمية لوجب أن يكونا متساويين في المساحة ولو كانا كذلك لتغالبا وأحال أحدهما الآخر إلى ذاته.
وكذلك النار والهواء ولو أحالت هذه العناصر بعضها بعضا لفنى العالم في أقرب مدة. ولكن الباري تقدس اسمه عدل بين هذه بالقوة فتقاومت فليس يغلب أحد الآخر بالكلية وإنما يحيل الجزء منهاالجزء في الأطراف أعني حيث تلتقي نهاياتها. وأما كلياتها فلا تقدر على كلياتها لأن قواها متساوية متعادلة على غاية التسوية والتعادل.
وبهذا النوع من العدل قيل بالعدل قامت السموات والأرض ولو رجح أحدهما على الآخر بزيادة يسير قوة لأحال الزائد الناقص وقوى عليه فبطل العالم فسبحان القائم بالقسط لا إله إلا هو.
[ ١٤٢ ]
الشريعة تأمر بالعدالة ولما كانت الشريعة تأمر بالعدالة الكاملة لم تأمر بالتفضل الكلي بل ندبت إليه ندبا يستعمل في الجزئيات التي لا يمكن أن تعين عليها لأنها بلا نهاية وجزمت القول في العدالة الكلية لأنها محصورة يمكن أن تعين عليها وقد تبين أيضا مما قدمنا أن التفضل إنما يكون في العدالة التي تخص الإنسان في نفسه. أعني تسوية المعاملة أولا فيما بينه وبين غيره ثم الإستظهار فيه والإحتياط عليه بما يكون تفضلا ولو كان حاكما بين قوم ولا نصيب له في تلك الحكومة لم يجز له التفضل ولم يسعه إلا العدل المحض والتسوية الصحيحة بلا زيادة ولا نقصان. وتبين أيضا أن الهيئة التي تصدر عنها الأفعال العادلة متى نسبت إلى صاحبها سميت فضيلة وإذا نسبت إلى من يعامله بها سميت عدالة وإذا اعتبرت بذاتها سميت ملكة نفسانية.
فاستعمال المر العاقل العدل على نفسه أو ما يلزمه ويجب عليه. وقد ذكرنا فيما تقدم كيف يفعل ذلك وبينا كيف يعدل قواه الكثيرة إذا هاج به بعضها وأشرنا إلى أجناس هذه القوى الكثيرة وأن بعضها يكون بالشهوات المختلفة وبعضها بطلب الكرامات الكثيرة وأنها إذا تغالبت وتهايجت حدث في الإنسان باضطرابها أنواع الشر وجذبته كل واحدة منها إلى ما يوافقها وهكذا سبيل كل مركب من كثرة إذا لم يكن لها رئيس واحد ينظمها ويوحدها.
[ ١٤٣ ]
وارسطوطاليس يشبه من كان كذلك بمن يجذب من جهات كثيرة فيقطع بينها وينشق بحسب تلك الجهات وقواها.
وليس ينظم هذه الكثرة التي ركب الإنسان منها إلا الرئيس الواحد الموهوب له من الفطرة. أعني العقل الذي به تميز من البهائم وهو خليفة الله ﷿ عنده فإن هذه القوى كلها إذا ساسها العقل انتظمت وزال عنها سوء النظام الذي يحدث من الكثرة وجميع ما ذكرنا من إصلاح الأخلاق مبني عليه. فإذا تم للإنسان ذلك أعني أن يعدل على نفسه وأحرز هذه الفضيلة فقد لزمه أن يعدل على أصدقائه وأهله وعشيرته ثم يستعمله في الأباعد وسائر الحيوان وإذ قد صح ذلك وظهر ظهورا حسيا فقد ظهر بظهوره إن شر الناس من جار على نفسه ثم على أصدقائه وعشيرته ثم على كافة الناس والحيوان لأن العلم بأحد الضدين هو العلم بالضد الآخر. فخير الناس العادل وشرهم الجائر كما تبين ذلك. وقد ادعى قوم أن نظام أمر الموجودات كلها وصلاح أحوالها معلق بالمحبة وقالوا أن الإنسان إنما اضطر إلى اقتناء هذه الفضيلة أعني الهيئة التي تصدر عنها العدالة عند تعاطي المعاملات لما فاته شرف المحبة. ولو كان المتعاملون أحباء لتناصفوا ولم يقع بينهم خلاف. وذلك أن الصديق يحب صديقه ويريد له ما يريد لنفسه ولا تتم الثقة والتعاضد والتوازر الأبين المتحابين.
وإذا تعاضدوا وجمعتهم المحبة وصلوا إلى جميع المحبوبات ولم تتعذر عليهم المطالب وإن كانت صعبة شديدة. وحيئنذ ينشئون الآراء الصائبة وتتعاون العقول على استخراج الغوامض من التدابير القويمة ويتقوون على نيل الخيرات كلها بالتعاضد.
وهؤلاء القوم إنما نظروا إلى فضيلة التأحد التي تحصل بين الكثرة ولمعرى انها اشرف غايات أهل المدينة.
[ ١٤٤ ]
وذلك أنهم إذا تحابوا تواصلوا وأراد كل واحد منهم لصاحبه مثل ما يريده لنفسه فتصير القوى الكثيرة واحدة ولم يتعذر على أحد منهم رأى صحيح ولا عمل صواب ويكون مثلهم في جميع ما يحاولونه مثل من يريد تحريك ثقل عظيم بنفسه فلا يطيق ذلك.
فإن استعان بقوة غيره حركه. ومدبر المدينة إنما يقصد بجميع تدابيره إيقاع المودات بين أهلها وإذا تم له هذا خاصة فقد تمت له جميع الخيرات التي تتعذر عليه وحده على أفراد أهل مدينته وحينئذ يغلب أقرانه ويعمر بلدانه ويعيش وهو ورعيته مغبوطين. ولكن هذا التأحد المطلوب بهذهالمحبة المرغوب فيهما لا يتم إلا بالآراء الصحيحة التي يرجى الإتفاق من العقول السليمة عليها والإعتقادات القوية التي لا تحصل إلا بالديانات التي يقصد بها وجه الله ﷿ وأصناف المحبات كثيرة وإن كانت ترتقي كلها إلى وجه واحد وسنقول فيها بمعونة الله فيما يتلو هذه المقالة إن شاء الله.
[ ١٤٥ ]
المقالة الخامسة (التعاون والإتحاد)
[ ١٤٧ ]
قد سبق القول في حاجة بعض الناس إلى بعض وتبين أن كل واحد منهم يجد تمامه عند صاحبه وأن الضرورة داعية إلى استعانة بعضهم ببعض لأن الناس مطبوعون على النقصانات ومضطرون إلى تماماتها ولا سبيل فالحاجة صادقة والضرورة داعية إلى حال تجمع وتؤلف بين أشتات الأشخاص ليصيروا بالاتفاق والإئتلاف كالشخص الواحد الذي تجتمع أعضاؤه كلها على الفعل الواحد النافع له.
المحبة وللمحبة أنواع وأسبابها تكون بعدد أنواعها. فأحد أنواعها ما ينعقد سريعا وينحل سريعا. والثاني ما ينعقد سريعا وينحل بطيئا. والثالث ما ينعقد بطيئا وينحل سريعا. والرابع ما ينعقد بطيئا وينحل بطيئا. وإنما انقسمت إلى هذه الأنواع فقد لأن مقاصد الناس في مطالبهم وسيرهم ثلاثة ويتركب بينها رابع وهي اللذة والخير والمنافع والمتركب منها.
وإذا كانت هذه غايات الناس في مقاصدهم فلا محالة أنها أسباب المحبة من عاون عليها وصار سببا للوصول إليها فقد أفلح:
[ ١٤٩ ]
فأما المحبة التي يكون سببها اللذة فهي التي تنعقد سريعا وتنحل سريعا. وذلك أن اللذة سريعة التغير كما شرحنا أمرها فيما نقدم وأما المحبة التي سببها الخير فهي التي تنعقد سريعا وتنحل بطيئا. وأما المحبة التي سببها المنافع فهي التي تنعقد بطيئا وتنحل سريعا. وأما التي تتركب من هذه إذا كان فيها لأنها تكون بإرادة وروية وتكون فبها مجازاة ومكافأة.
فأما التي تكون بين الحيوانات غير الناطقة فالأحرى بها أن تسمى ألفا وتقع بين الأشكال منها خاصة. وأما التي لا نفوس لها من الأحجار وأمثالها فليس يوجد فيها إلا الميل الطبيعي إلى مراكزها التي تخصها. وقد يوجد أيضا بينها منافرة ومشاكلة بحسب أمزجتها الحادثة فيها من عناصرها الأولى وهذه الأمزجة كثيرة وإذا وقع منها شيء يتناسب نسبة تأليفية او عددية أو مساحية حدثت بينها ضروب من المشاكلة. وإذا كان أضداد هذه النسب حدثت بينها منافرة وتحدث لها أشياء تسمى خواص وهي أفعال بديعة وهي التي تسمى أسرار الطبائع ولا سيما في النسب التأليفية فإنها أشرف النسب بعد نسبة المساواة ولها أضداد أعني هذه النسب. وهي مبينة مشروحة في صناعة الإرتماطيقي ثم في صناعة التأليف. وأما الأمزجة التي بحسب هذه النسب فهي خفية عنا وعسرة المرام وقد ادعة قوم الوصول إليها. وليست تكون هذه الأفعال والخواص التي تحدث بين الأمزجة من النسب المذكورة موجودة في العناصر أنفسها والكلام فيها خارج عن غرضنا. وإنما ذكرناها هنا لأنها تشبه المشاكلات والمنافرات التي بين الحيوان في الظاهر والنسبة التي تحدث بين الناس بالإراة وهي التي تتكلم فيها ويقع فيها مكافأة ومجازاة.
[ ١٥٠ ]