ويجب علىحافظ الصحة علىنفسه ان يطلب عيوب نفسه باستقصاء شديد ولا يقنع بما قاله جالينوس في ذلك فإنه ذكر في كتابه المعروف بتعرف المرء عيوب نفسه " أنه لما كل إنسان يجب نفسه خفيت عليه معايبهولم يرها وإن كانت ظاهرة "
[ ١٩٦ ]
وأشار في كتابه هذا بان يختار من يحب أن يبرأ من العيوب صديقا كاملا فاضلا فيخبره بعد طول المؤانسة إنه إنما يعرف صدق مودته إذا أصدقه عن عيوبه حتى يتجنبها ويأخذ عهده على ذلك ولا يرضى منه إذا قال له لا أعرف لك عيبا بل ينكر عليه ويعلمه أنه قد أتهمه بالخيانة ويعاود مسئلته والإلحاح عليه.
فإذا لم يخبره من عيوبه زاد في العتب الصريح وافلحاح قليلا فإذا أخبره ببعض ما يعثر عليه منه فلا يظهر له في وجهه أو كلامه نكرة ولا انقباضا بل يبسط له وجهه ويظهر السرور بما أخرجه إليه ونبهه عليه ويشكره على الأيام وفي أوقات المؤانسة ليتطرق له إلى إهداء مثله إليه ثم يعالج ذلك العيب بما يزيل أثره ويمحو ظله ليعلم ذلك المهدي إليك عيبك أنك من وراء نفسك وفي طريق علاج مرضك فلا ينقض عن معادوتك ونصيحتك.
وهذا الذي أشار به جالينوس معوز غير موجود ولا مطموع فيه. وفلعل العدو في هذا الموضع أنفع من الصديق فإن العدو لا يحتشمنا في إظهار عيوبنا بل يتجاوز ما يعرف منا إلى التحرض والكذب فيها.
فلنتنبه على كثير من عيوبنا من جهتها بل نتجاوز إلى ذلك أن نتهم نفوسنا بما ليس فيها. ولجالينوس أيضا مقالة يقول فيها أن خيار الناس ينتفعون بأعدائهم وهذا صحيح لا يخالفه فيه أحد وذلك لما ذكرناهز فأما ما اختاره أبو يوسف بن إسحاق الكندي في ذلك فهو ماحكاه بألفاظه وهو هذا قال: (ينبغي لطالب الفضيلة لنفسه أن يتخذ صور جميع معارفه من الناس مرآة له تريه صور كل واحد منهم عندما تعرض له آلام الشهوات التي تثمر السيئات حتىلا يغيب عنه شيء من السيئات التي له.
[ ١٩٧ ]
وذلك أنه يكون متفقدا سيئات الناس فمتى رأى سيئة بادية من أحد ذم فنسه عليها كأنه هو فعلها وأكثر عتبه على نفسه من أجلها ويعرض عليها كل يوم وليلة جميع أفعاله حتى لا يشذ عنه شيء منها فإنه قبيح بنا أن نجتهد في حفظ ما نقضناه من الحجارة الدنيئة والأرمد الهامدة الغريبة منا التي لا ينقصنا عدمها ألبتة في كل يوم ولا نحفظ ما ينفق من ذواتنا التي بتوفيرها بقاؤنا وبنقصانها فناؤنا. فإذا وقفنا على سيئة من أفعالنا اشتد عذلنا لأنفسنا عليها ثم لنقيم عليها حدا نفرضه ولا نضيعه. وإذا تصفحنا أفعال غيرنا ووجدنا فيها سيئة عاتبنا أيضا نفوسنا عليها فإن نفوسنا ترتدع حينئذ عن المساوي وتألف الحسنات وتكون المساوي أبدا ببالنا لا ننساها ولا يأتي عليها زمان طويل فيعفى ذكرها.
ولذلك ينبغي أن نعمل في الحسنات لنفرغ إليها ولا يفوتنا منها شيء. قال: وينبغي أن لا نقطع بأن نصير أشباه الدفاتر والكتب التي تفيد غيرها معاني الحكمة وهي عادمة اقتنائها أو كالمسن يشحذ ولا يقطع بل نكون كالشمس التي تفيد القمر كلنا أشرقت عليه إنارة من ذلتها فتفعل له تماما حتى يكون له شبهها وإن قصر عن نورها. فهكذا ينبغي أن يكون حالنا إذا أفدنا غيرنا الفضائل) وهذا الذي ذكره الكندي في ذلك أبلغ مما قاله من تقدمه.
[ ١٩٨ ]