إن العدالة موجودة في ثلاثة مواضع: أحدها قسمة الأموال والكرامات والثاني قسمة المعاملات الإرادية كالبيع والشراء والمعاوضات. والثالث قسمة الأشياء التي وقع فيها ظلم وتعد. فأما العدالة في الأمور التي تكون في القسم الأول فتكون بالنسبة المنفصلة التي بين الأربعة أعني أن تكون نسبة الأول إلى الثاني كنسبة الثالث إلى الرابع. مثال ذلك أن يقال نسبة هذا الإنسان إلى هذه الكرامة أو إلى هذا المال كنسبة كل من كان في مثل مرتبته إلى مثل قسطه فإذا يجب أن يوفر علهي ويسلم، وأما في الأمور التي تكون في القسم الثاني أعني المعاملات والمعاوضات فيكون بالنسبة المنفصلة مرة وبالنسبة المتصلة له أخرى. مثاله أن تقول نسبة هذا البزاز إلىهذا الإسكاف كنسبة هذا الثوب إلى هذا لخف ثم ليس يمنع مانع أن تقول نسبة البزار إلى الإسكاف كنسبة الإسكاف إلى النجار أو تقول: نسبة الثوب إلى الخف كنسبة الخف إلى الكرسي. ويتبين لك من هذين المثالين أن النسبة الأولى تكون بالعمق فقط والنسبة الثانية تكون بالعرض والعمق جميعا أعني أن الأولى تقع بين الكليين والجزئيين وهو بالعمق أشبه. والثانية تقع بالعرض في الجزئيين وقد تقع بين الكلين والجزئيين أيضا.
[ ١٢٥ ]
وأما العدالة التي تقع في المظالم والأمور القسمية فهي بالنسبة المساحية أشبه وذلك أن الإنسان متى كان على نسبة من إنسان آخر فأبطل هذه النسبة بحيف أو ضرر يلحقه به، فإن العدالة توجب أن يلحق به ضرر مثله ليعود التناسب إلى ما كان عليه. فالعادل من شأنه أن يساوي بين الأشياء الغير المتساوية.
مثال ذلك أن الخط إذا قسم بقسمين غير متساويين نقص من الزائد وزاد على الناقص حتى يحصل له التساوي ويذهب عنه معنى القلة والكثرة ومعنى الزيادة والنقصان وكذلك الخفة والثقل وجميع ما أشبه ذلك. ولكن ينبغي أن يكون عالما بطبيعة الوسط حتى يمكنه أن يرد الطرفين إليه مثال ذلك الربح والخسران فإنهما في باب المعاملات طرفان أحدهما زيادة والآخر نقصان فإذا أخذ أقل مما يجب صار إلى جانب النقصان وإن أخذ أكثر مما يجب كان خارجا إلى جانب الزيادة.