تمسك المجتهدين بالحديث الأئمة الأربعة - ﵃ -، وجزاهم الله عنا كل خير، اجتهد كل واحد منهم حسب ما وصل إليه من الأحاديث، وقد اختلفوا في كثير من الأمور لاطلاع أحدهم على أحاديث لم يطلع عليها غيره. لأن الأحاديث لم تكن مدونة، وكان حفاظ الحديث قد تفرقوا في الحجاز والشام والعراق ومصر وغيرها من البلاد الإسلامية، في عصر كانت المواصلات فيه صعبة وشاقة، لذلك نرى الإمام
[ ١٦٨ ]
الشافعي - ﵁ - ترك مذهبه القديم في العراق حينما ذهب إلى مصر، واطلع على أحاديث جديدة.
وحينما نرى الشافعي يرى نقض الوضوء بلمس المرأة، فإن أبا حنيفة لا يرى نقضه، عندئذ وجب الرجوع إلى الكتاب والسنة الصحيحة لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] " سورة النساء " آية ٥٩.
لأن الحق لا يمكن أن يتعدد، فيكون اللمس ناقضا وغير ناقض.
ونحن لم نؤمر إلا باتباع القرآن المنزل من عند الله، وشرحه لنا رسول الله ﷺ بأحاديثه الصحيحة، لقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] سورة الأعراف " آية ٣.
فلا يجوز لمسلم سمع حديثا صحيحا أن يرده، لأنه مخالف لمذهبه، فقد أجمع الأئمة على الأخذ بالحديث الصحيح، وترك كل قول يخالفه.
[ ١٦٩ ]