وَهَذَا الِاسْم من النّمط الْمُتَقَدّم فَإِن إِبْرَاهِيم بالسُّرْيَانيَّة مَعْنَاهُ أَب رَحِيم وَالله سُبْحَانَهُ جعل إِبْرَاهِيم الْأَب الثَّالِث للْعَالم فَإِن أَبَانَا الأول آدم وَالْأَب الثَّانِي نوح وَأهل الأَرْض كلهم من ذُريَّته كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ الصافات ٧٧ وَبِهَذَا يتَبَيَّن كذب المفترين من الْعَجم الَّذين يَزْعمُونَ أَنهم لَا يعْرفُونَ نوحًا وَلَا وَلَده وَلَا ينسبون إِلَيْهِ وينسبون مُلُوكهمْ من آدم إِلَيْهِم وَلَا يذكرُونَ نوحًا فِي أنسابهم وَقد أكذبهم الله ﷿ فِي ذَلِك
فالأب الثَّالِث أَبُو الْآبَاء وعمود الْعَالم وَإِمَام الحنفاء الَّذِي اتَّخذهُ الله ﷾ خَلِيلًا وَجعل النُّبُوَّة وَالْكتاب فِي ذُريَّته ذَاك خَلِيل الرَّحْمَن وَشَيخ الْأَنْبِيَاء كَمَا سَمَّاهُ النَّبِي ﷺ بذلك فَإِنَّهُ لما دخل الْكَعْبَة وجد الْمُشْركين قد صورا فِيهَا صورته وَصُورَة إِسْمَاعِيل ابْنه وهما يستقسمان بالأزلام فَقَالَ قَاتلهم الله لقد علمُوا أَن شَيخنَا لم يكن يستقسم بالأزلام وَلم يَأْمر الله سُبْحَانَهُ
[ ٢٦٧ ]
رَسُول ﷺ أَن يتبع مِلَّة أحد من الْأَنْبِيَاء غَيره فَقَالَ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ من الْمُشْرِكِينَ﴾ النَّحْل ١٢٣ وَأمر أمته بذلك فَقَالَ تَعَالَى ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل﴾ الْحَج ٧٨ وملة مَنْصُوب على إِضْمَار فعل أَي اتبعُوا والزموا مِلَّة ابيكم وَدلّ على الْمَحْذُوف مَا تقدم من قَوْله ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ الْحَج ٧٨ وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ الإغراء وَقيل مَنْصُوب انتصاب المصادر وَالْعَامِل فِيهِ مَضْمُون مَا تقدم قبله وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يُوصي أَصْحَابه إِذا أَصْبحُوا إِذا أَمْسوا أَن يَقُولُوا أَصْبَحْنَا على فطْرَة الْإِسْلَام وَكلمَة الْإِخْلَاص وَدين نَبينَا مُحَمَّد وملة أَبينَا إِبْرَاهِيم حَنِيفا مُسلما وَمَا كَانَ من الْمُشْركين
وَتَأمل هَذِه الْأَلْفَاظ كَيفَ جعل الْفطْرَة لِلْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا وَكلمَة الْإِخْلَاص هِيَ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَالْملَّة لإِبْرَاهِيم فَإِنَّهُ صَاحب الْملَّة وَهِي التَّوْحِيد وَعبادَة الله تَعَالَى وَحده لَا شريك لَهُ ومحبته فَوق كل محبَّة وَالدّين للنَّبِي ﷺ وَهُوَ دينه الْكَامِل وشرعه التَّام الْجَامِع لذَلِك كُله وَسَماهُ سُبْحَانَهُ إِمَامًا وَأمة وقانتا وحنيفا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ الْبَقَرَة ١٢٤ فَأخْبر
[ ٢٦٨ ]
سُبْحَانَهُ أَنه جعله إِمَامًا للنَّاس وَأَن الظَّالِم من ذُريَّته لَا ينَال ربتة الْإِمَامَة والظالم هُوَ الْمُشرك وَأخْبر سُبْحَانَهُ أَن عَهده بِالْإِمَامَةِ لَا ينَال من أشرك بِهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحين﴾ النَّحْل ١٢٠ ١٢٢
فالأمة هُوَ الْقدْوَة الْمعلم للخير وَالْقَانِت الْمُطِيع لله الملازم لطاعته والحنيف الْمقبل على الله المعرض عَمَّا سواهُ وَمن فسره بالمائل فَلم يفسره بِنَفس مَوْضُوع اللَّفْظ وَإِنَّمَا فسره بِلَازِم الْمَعْنى فَإِن الحنف هُوَ الإقبال وَمن أقبل على شَيْء مَال عَن غَيره والحنف فِي الرجلَيْن هُوَ إقبال إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى وَيلْزمهُ ميلها عَن جِهَتهَا
قَالَ تَعَالَى ﴿فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا﴾ الرّوم ٣٠ فحنيفًا هُوَ حَال مقررة لمضمون قَوْله ﴿فأقم وَجهك للدّين﴾ وَلِهَذَا فسرت مخلصًا فَتكون الْآيَة قد تَضَمَّنت الصدْق وَالْإِخْلَاص فَإِن إِقَامَة الْوَجْه للدّين هُوَ إِفْرَاد طلبه بِحَيْثُ لَا يبْقى فِي الْقلب إِرَادَة لغيره والحنيف الْمُفْرد لَا يُرِيد غَيره فالصدق أَن لَا يَنْقَسِم طَلَبك والافراد أَن لَا يَنْقَسِم مطلوبك الأول تَوْحِيد الطّلب وَالثَّانِي تَوْحِيد الْمَطْلُوب
وَالْمَقْصُود أَن إِبْرَاهِيم ﵇ هُوَ أَبونَا الثَّالِث وَهُوَ امام الحنفاء ويسميه أهل الْكتاب عَمُود الْعَالم وَجَمِيع أهل الْملَل متفقة على تَعْظِيمه وتوليه ومحبته وَكَانَ خير بنيه سيد ولد آدم مُحَمَّد ﷺ يجله ويعظمه ويبجله ويحترمه
[ ٢٦٩ ]
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث الْمُخْتَار بن فلفل عَن أنس بن مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا خير الْبَريَّة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ ذَاك إِبْرَاهِيم وَسَماهُ شَيْخه كَمَا تقدم
وَثَبت فِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ انكم مَحْشُورُونَ حُفَاة عُرَاة غرلًا ثمَّ قَرَأَ ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ الْأَنْبِيَاء ١٠٤ أول من يكسى يَوْم الْقِيَامَة إِبْرَاهِيم
وَكَانَ رَسُول الله ﷺ أشبه الْخلق بِهِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنهُ قَالَ رَأَيْت إِبْرَاهِيم فَإِذا أقرب النَّاس شبها بِهِ صَاحبكُم يَعْنِي نَفسه ﷺ
وَفِي لفظ آخر واما إِبْرَاهِيم فانظروا إِلَى صَاحبكُم
وَكَانَ ﷺ يعوذ أَوْلَاد ابْنَته حسنا وَحسَيْنا بتعويذ إِبْرَاهِيم لإسماعيل وَإِسْحَاق
فَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس
[ ٢٧٠ ]
﵁ قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ يعوذ الْحسن وَالْحُسَيْن وَيَقُول إِن أَبَاكُمَا كَانَ يعوذ بهما إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق أعوذ بِكَلِمَات الله التَّامَّة من كل شَيْطَان وَهَامة وَمن كل عين لَامة
وَكَانَ ﷺ أول من قرى الضَّيْف أول من اختتن أول من رأى الشيب فَقَالَ مَا هَذَا يَا رب قَالَ وقار قَالَ رب زِدْنِي وقارا
وَتَأمل ثَنَاء الله سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ فِي اكرام ضَيفه من الْمَلَائِكَة حَيْثُ يَقُول سُبْحَانَهُ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيث ضيف إِبْرَاهِيم الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ الذاريات ٢٣ ٢٧
فَفِي هَذَا الثَّنَاء على إِبْرَاهِيم من وُجُوه مُتعَدِّدَة
أَحدهَا أَنه وصف ضَيفه بِأَنَّهُم مكرمون وَهَذَا على أحد الْقَوْلَيْنِ أَنه إكرام إِبْرَاهِيم لَهُم أَنهم المكرمون عِنْد الله وَلَا تنَافِي بَين الْقَوْلَيْنِ فالآية تدل على الْمَعْنيين
الثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِذْ دخلُوا عَلَيْهِ﴾ فَلم يذكر استئذانهم فَفِي هَذَا دَلِيل على أَنه ﷺ كَانَ قد عرف بإكرام الضيفان واعتياد قراهم فَبَقيَ منزله مضيفة مطروقًا لمن ورده لَا يحْتَاج إِلَى الاسْتِئْذَان بل اسْتِئْذَان الدَّاخِل دُخُوله وَهَذَا غَايَة مَا يكون من الْكَرم
[ ٢٧١ ]
الثَّالِث قَوْله لَهُم سَلام بِالرَّفْع وهم سلمُوا عَلَيْهِ بِالنّصب وَالسَّلَام بِالرَّفْع أكمل فَإِنَّهُ يدل على الْجُمْلَة الاسمية الدَّالَّة على الثُّبُوت والتجدد والمنصوب يدل على الفعلية الدَّالَّة على الْحُدُوث والتجدد فإبراهيم حياهم أحسن من تحيتهم فَإِن قَوْلهم سَلاما يدل على سلمنَا سَلاما وَقَوله سَلام أَي سَلام عَلَيْكُم
الرَّابِع أَنه حذف من قَوْله ﴿قوم منكرون﴾ فَإِنَّهُ لما أنكرهم وَلم يعرفهُمْ احتشم من مواجهتهم بِلَفْظ ينفر الضَّيْف لَو قَالَ أَنْتُم قوم منكرون فَحذف الْمُبْتَدَأ هُنَا من ألطف الْكَلَام
الْخَامِس أَنه بنى الْفِعْل للْمَفْعُول وَحذف فَاعله فَقَالَ ﴿منكرون﴾ وَلم يقل إِنِّي أنكركم وَهُوَ أحسن فِي هَذَا الْمقَام وَأبْعد من التنفير والمواجهة بالخشونة
السَّادِس أَنه راغ إِلَى أَهله ليجيئهم بنزلهم والروغان هُوَ الذّهاب فِي اختفاء بِحَيْثُ لَا يكَاد يشْعر بِهِ الضَّيْف وَهَذَا من كرم رب الْمنزل المضيف أَن يذهب فِي اختفاء بِحَيْثُ لَا يشْعر بِهِ الضَّيْف فَيشق عَلَيْهِ ويستحي فَلَا يشْعر بِهِ إِلَّا وَقد جَاءَهُ بِالطَّعَامِ بِخِلَاف من يسمع ضَيفه وَيَقُول لَهُ أَو لمن حضر مَكَانكُمْ حَتَّى آتيكم بِالطَّعَامِ وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يُوجب حَيَاء الضَّيْف واحتشامه
السَّابِع أَنه ذهب إِلَى أَهله فجَاء بالضيافة فَدلَّ على أَن ذَلِك كَانَ معدا عِنْدهم مهيئا للضيفان وَلم يحْتَج أَن يذهب إِلَى غَيرهم من جِيرَانه أَو غَيرهم فيشتريه أَو يستقرضه
الثَّامِن قَوْله تَعَالَى ﴿فجَاء بعجل سمين﴾ دلّ على خدمته للضيف بِنَفسِهِ وَلم يقل فَأمر لَهُم بل هُوَ الَّذِي ذهب وَجَاء بِهِ بِنَفسِهِ وَلم يَبْعَثهُ مَعَ خادمه وَهَذَا أبلغ فِي إكرام الضَّيْف
[ ٢٧٢ ]
التَّاسِع أَنه جَاءَ بعجل كَامِل وَلم يَأْتِ ببضعة مِنْهُ وَهَذَا من تَمام كرمه ﷺ
الْعَاشِر إِنَّه سمين لَا هزيل وَمَعْلُوم أَن ذَلِك من أَفْخَر أَمْوَالهم وَمثله يتَّخذ للاقتناء والتربية فآثر بِهِ ضيفانه
الْحَادِي عشر أَنه قربه إِلَيْهِم بِنَفسِهِ وَلم يَأْمر خادمه بذلك
الثَّانِي عشر أَنه قربه وَلم يقربهُمْ إِلَيْهِ وَهَذَا أبلغ فِي الْكَرَامَة أَن يجلس الضَّيْف ثمَّ يقرب الطَّعَام إِلَيْهِ ويحمله إِلَى حَضرته وَلَا يضع الطَّعَام فِي نَاحيَة ثمَّ يَأْمر الضَّيْف بِأَن يتَقرَّب إِلَيْهِ
الثَّالِث عشر أَنه قَالَ ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ وَهَذَا عرض وتلطف فِي القَوْل وَهُوَ أحسن من قَوْله كلوا أَو مدوا ايديكم وَهَذَا مِمَّا يعلم النَّاس بعقولهم حسنه ولطفه وَلِهَذَا يَقُولُونَ بِسم الله أَو أَلا تَتَصَدَّق أَو أَلا تجبر وَنَحْو ذَلِك
الرَّابِع عشر أَنه إِنَّمَا عرض عَلَيْهِم الْأكل لِأَنَّهُ رَآهُمْ لَا يَأْكُلُون وَلم يكن ضيوفه يَحْتَاجُونَ مَعَه إِلَى الْإِذْن فِي الْأكل بل كَانَ إِذا قدم إِلَيْهِم الطَّعَام أكلُوا وَهَؤُلَاء الضيوف لما امْتَنعُوا من الْأكل قَالَ لَهُم أَلا تَأْكُلُونَ وَلِهَذَا أوجس مِنْهُم خيفة أَي أحسها وأضمرها فِي نَفسه وَلم يبدها لَهُم وَهُوَ الْوَجْه
الْخَامِس عشر فَإِنَّهُم لما امْتَنعُوا من آكل طَعَامه خَافَ مِنْهُم وَلم يظْهر لَهُم ذَلِك فَلَمَّا علمت الْمَلَائِكَة مِنْهُ ذَلِك قَالُوا لَا تخف وبشروه بالغلام
فقد جمعت هَذِه الْآيَة آدَاب الضِّيَافَة الَّتِي هِيَ أشرف الْآدَاب وَمَا عَداهَا من التكلفات الَّتِي هِيَ تخلف وتكلف إِنَّمَا هِيَ
[ ٢٧٣ ]
من أوضاع النَّاس وعوائدهم وَكفى بِهَذِهِ الْآدَاب شرفًا وفخرًا فصلى الله على نَبينَا وعَلى إِبْرَاهِيم وعَلى آلهما وعَلى سَائِر النَّبِيين
وَقد شهد الله سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ وفى مَا أَمر بِهِ فَقَالَ تَعَالَى ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ النَّجْم ٣٦ ٣٧
قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ وفى جَمِيع شرائع الْإِسْلَام ووفى مَا أَمر بِهِ من تَبْلِيغ الرسَالَة
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ الْبَقَرَة ١٢٤ فَلَمَّا أتم مَا أَمر بِهِ من الْكَلِمَات جعله الله إِمَامًا لِلْخَلَائِقِ يأتمون بِهِ
وَكَانَ ﷺ كَمَا قيل قلبه للرحمن وَولده للقربان وبدنه للنيران وَمَاله للضيفان
وَلما اتَّخذهُ ربه خَلِيلًا والخلة هِيَ كَمَال الْمحبَّة وَهِي مرتبَة لَا تقبل الْمُشَاركَة والمزاحمة وَكَانَ قد سَأَلَ ربه أَن يهب لَهُ ولدا صَالحا فوهب لَهُ إِسْمَاعِيل فَأخذ هَذَا الْوَلَد شُعْبَة من قلبه فغار الْخَلِيل على قلب خَلِيله أَن يكون فِيهِ مَكَان لغيره فامتحنه بذَبْحه ليظْهر سر الْخلَّة فِي تَقْدِيمه محبَّة خَلِيله على محبَّة وَلَده فَلَمَّا استسلم لأمر ربه وعزم على فعله وَظهر سُلْطَان الْخلَّة فِي الْإِقْدَام على ذبح الْوَلَد إيثارًا لمحبة خَلِيله على محبته نسخ الله ذَلِك عَنهُ وفداه بِالذبْحِ الْعَظِيم لِأَن الْمصلحَة فِي الذّبْح كَانَت ناشئة من الْعَزْم وتوطين النَّفس على مَا أَمر بِهِ فَلَمَّا حصلت هَذِه الْمصلحَة عَاد
[ ٢٧٤ ]
الذّبْح مفْسدَة فنسخ فِي حَقه فَصَارَت الذَّبَائِح والقرابين من الْهَدَايَا والضحايا سنة فِي أَتْبَاعه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
وَهُوَ الَّذِي فتح للْأمة بَاب مناظرة الْمُشْركين وَأهل الْبَاطِل وَكسر حججهم وَقد ذكر الله سُبْحَانَهُ مناظراته فِي الْقُرْآن مَعَ إِمَام المعطلين ومناظرته مَعَ قومه الْمُشْركين وَكسر حجج الطَّائِفَتَيْنِ بِأَحْسَن مناظرة وأقربها إِلَى الْفَهم وَحُصُول الْعلم
قَالَ تَعَالَى ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نشَاء﴾ الْأَنْعَام ٨٣
قَالَ زيد بن أسلم وَغَيره بِالْحجَّةِ وَالْعلم
وَلما غلب أَعدَاء الله مَعَه بِالْحجَّةِ وَظَهَرت حجَّته عَلَيْهِم وَكسر أصنامهم فَكسر حججهم ومعبودهم هموا بعقوبته وإلقائه فِي النَّار وَهَذَا شَأْن المبطلين إِذا غلبوا وَقَامَت عَلَيْهِم الْحجَّة همو بالعقوبة كَمَا قَالَ فِرْعَوْن لمُوسَى ﵇ وَقد أَقَامَ عَلَيْهِ الْحجَّة ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ الشُّعَرَاء ٢٩ فأضرموا لَهُ النَّار وألقوه فِي المنجنيق فَكَانَت تِلْكَ السفرة من أعظم سفرة سافرها وأبركها عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَا سَافر سفرة أبرك وَلَا أعظم وَلَا أرفع لشأنه وَأقر لعَينه مِنْهَا وَفِي تِلْكَ السفرة عرض لَهُ جِبْرِيل بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فَقَالَ يَا إِبْرَاهِيم أَلَك حَاجَة قَالَ أما إِلَيْك فَلَا
قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ آل عمرَان ١٧٢ قَالَهَا نَبِيكُم وَقَالَهَا
[ ٢٧٥ ]
إِبْرَاهِيم حِين ألقِي فِي النَّار فَجعل الله سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ النَّار بردا وَسلَامًا
وَقد ثَبت فِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث أم شريك أَن النَّبِي ﷺ أَمر بقتل الوزغ وَقَالَ كَانَت تنفح على إِبْرَاهِيم
وَهُوَ الَّذِي بنى بَيت الله وَأذن فِي النَّاس بحجه فَكل من حجه واعتمره حصل لإِبْرَاهِيم من مزِيد ثَوَاب الله وكرامته بِعَدَد الْحجَّاج والمعتمرين
قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى﴾ الْبَقَرَة ١٢٥ فَأمر نبيه ﷺ وَأمته أَن يتخذوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى تَحْقِيقا للاقتداء بِهِ وإحياء آثاره ﷺ على نَبينَا عَلَيْهِ وَسلم
ومناقب هَذَا الإِمَام الْأَعْظَم وَالنَّبِيّ الاكرام أجل من أَن يُحِيط بهَا كتاب وَإِن مد الله فِي الْعُمر أفردنا كتابا فِي ذَلِك يكون قَطْرَة فِي بَحر فضائله أَو أقل جعلنَا الله مِمَّن ائتم بِهِ وَلَا جعلنَا مِمَّن عدل عَن مِلَّته بمنه وَكَرمه
وَقد روى لنا عَنهُ النَّبِي ﷺ حَدِيثا وَقع لنا مُتَّصِل الرِّوَايَة إِلَيْهِ
[ ٢٧٦ ]
روينَاهُ فِي كتاب التِّرْمِذِيّ وَغَيره من حَدِيث الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لقِيت إِبْرَاهِيم لَيْلَة أسرِي بِي فَقَالَ يَا مُحَمَّد اقرئ امتك مني السَّلَام وَأخْبرهمْ أَن الْجنَّة طيبَة التربة عذبة المَاء وَأَنَّهَا قيعان وَأَن غراسها سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حسن
[ ٢٧٧ ]