الموطن الأول: وهو أهمها وآكدها في الصلاة في آخر التشهد
وقد أجمع المسلمون على مشروعيته، واختلفوا في وجوبه فيها.
فقالت طائفة: ليس بواجب فيها، ونسبوا من أوجبه إلى الشذوذ ومخالفة الإجماع، منهم الطحاوي (^٢)، والقاضي عياض (^٣)، والخطابي (^٤)، فإنه قال: "ليست بواجبة في الصلاة، وهو قول جماعة الفقهاء إلا الشافعي، ولا أعلم له قُدْوة"، وكذلك ابن المنذر (^٥) ذكر أن الشافعي تَفَرَّدَ بذلك، واختار (^٦) عدم الوجوب.
واحتج أرباب هذا القول بأنْ قالوا -واللفظ لعياض-: "والدليل على أن الصلاة على النبي ﷺ ليست من فروض الصلاة
_________________
(١) في جميع النسخ (الرابع) وظاهر كلام المؤلف ومقتضاه (الثالث).
(٢) انظر: شرح مشكل الآثار (٦/ ٢٢ - ٢٤)، وأحكام القرآن (١/ ١٨١).
(٣) انظر: الشفا (٢/ ٦٢ - ٦٣)، والاستذكار لابن عبد البر (١/ ٤٨٦).
(٤) انظر: معالم السنن (١/ ٢٢٧).
(٥) انظر: الأوسط (٣/ ٢١٣ - ٢١٤).
(٦) في (ب) (وأجاز).
[ ٣٨٠ ]
عمل السلف الصالح قبل الشافعي، وإجماعهم عليه، وقد شَنَّع الناس عليه المسألة جدًا، وهذا تشهد ابن مسعود ﵁ الذي اختاره الشافعي، وهو الذي علمه النبي ﷺ إياه، ليس فيه الصلاة على النبي ﷺ، وكذلك كل من روى التشهد عن النبي ﷺ؛ كأبي هريرة، وابن عباس، وجابر، وابن عمر، وأبي سعيد الخدري، وأبي موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير ﵃؛ لم يذكروا فيه الصلاة على النبي ﷺ. وقد قال ابن عباس (^١)؛ وجابر (^٢):
٣٢٧ - كان النبي ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن. ونحوه عن أبي سعيد (^٣).
٣٢٨ - وقال ابن عمر: "كان أبو بكر يعلمنا التشهد على المنبر، كما تعلِّمُون الصبيان في الكُتَّاب" (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم في (٤) الصلاة (٤٠٣).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٩٠٢)، والنسائي (١١٧٥ و١٢٨١)، والبيهقي (٢/ ١٤٢) وغيرهم. والحديث غير محفوظ، أخطأ فيه أيمن بن نابل، فجعله من مسند جابر والصواب، من مسند ابن عباس، كما تقدم عند مسلم. نص عليه البخاري والنسائي والترمذي وغيرهم. انظر: الترمذي تحت رقم (٩٠٢)، ونصب الراية (١/ ٤٢١).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٩١) بمعناه، وسنده صحيح.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٩٠)، والطحاوي في شرح المشكل (٣٨٠٣) =
[ ٣٨١ ]
٣٢٩ - وكان عمر بن الخطاب ﵁ يعلمه أيضًا على المنبر (^١) ". يعني وليس في شيء من ذلك أمرهم فيه بالصلاة على النبي ﷺ.
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (^٢). "ومن حجة من قال بأن الصلاة على النبي ﷺ ليست فرضًا (^٣) في الصلاة:
٣٣٠ - حديث الحسن بن الحر، عن القاسم بن مخيمرة، أخذ علقمة بيدي فقال: إن عبد الله أخذ بيدي (وقال إن رسول الله ﷺ أخذ بيدي) (^٤) كما أخذت بيدك، فعلمني التشهد، فذكر الحديث إلى قوله: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، قال: "فإذا قلت ذلك فقد قضيت الصلاة، فإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد (^٥) ".
_________________
(١) = وسنده ضعيف، فيه زيد بن الحواري العَمِّي، ضعيف. انظر: تهذيب الكمال (١٠/ ٥٦ - ٦٠).
(٢) أخرجه مالك في الموطأ رقم (٢٤٠)، وعبد الرزاق (٢/ ٢٠٢) رقم (٣٠٦٧ و٣٠٦٨) وغيرهما. وسنده صحيح. وروي مرفوعًا وهو خطأ، لا يصح. انظر: نصب الراية (١/ ٤٢٢)، وعلل الدارقطني (٢/ ٨٢) رقم (١٢٥).
(٣) (١٦/ ١٩١ - ١٩٢) ووقع في (ظ، ت، ج) (التشهّد) بدلًا من (التمهيد) وهو خطأ.
(٤) كذا في النسخ، وفي التمهيد (بواجبة).
(٥) سقط من (ظ) ما بين القوسين، وسقط من (ج) (أخذ بيدي) فقط.
(٦) أخرجه أبو داوود (٩٧٠)، وأحمد (١/ ٤٢٢ و٤٥٠)، والدارقطني (١/ ٢٥٣) =
[ ٣٨٢ ]
قالوا: ففي هذا الحديث ما يشهد لمن لم يَرَ الصلاة على النبي ﷺ في التشهد واجبة، ولا سُنَّة مسنونة، وأن من تشهد فقد تمت صلاته، إن شاء قام وإن شاء قعد.
قالوا: لأن ذلك لو كان واجبًا، أو سنة في التشهد، لَبيَّن النبي ﷺ ذلك وذكره".
٣٣١ - قالوا: وأيضًا فقد روى أبو داود، والترمذي، والطحاوي من حديث عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا رفع رأسه من آخر السجود، فقد مضت صلاته إذا هو أحدث" (^١)، واللفظ لحديث الطحاوي، وعندكم لا تمضي صلاته حتى يصلي على النبي ﷺ.
قالوا: وقد روى عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁: "إذا جلس مقدار التشهد ثم أحدث فقد تمت صلاته" (^٢).
_________________
(١) = وغيرهم. وظاهر إسناده الصحة، وقوله (فإذا قلت ذلك …) مدرج من قول ابن مسعود وسيأتي الكلام عليه.
(٢) أخرجه أبو داوود (٦١٧)، والترمذي (٤٠٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٧٤ - ٢٧٥) وغيرهم. وهو حديث منكر، تفرد به عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وهو ضعيف، بل عامة حديثه لا يتابع عليه. انظر: تهذيب الكمال (١٧/ ١٠٢ - ١١٠).
(٣) أخرجه الطحاوي في شرح المعاني (١/ ٢٧٣)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ١٧٣) من طريق أبي عوانة عن الحكم عن عاصم به فذكره. وهو حديث منكر. قاله أبو حاتم الرازي، وقال الإمام أحمد لا يصح =
[ ٣٨٣ ]
(ومن حجتهم أيضًا: حديث الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود في التشهد قال: "ثُمَّ لِيتخَيَّر مَا أحَبَّ مِنَ الكَلَام" (^١) يعني ولم يذكر الصلاة عليه ﷺ) (^٢).
٣٣٢ - ومن حجتهم أيضًا: حديث فَضَالَة بن عُبَيْد (^٣): أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا يدعو في صلاته، ولم يحمد الله، ولم يصل على النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: "عجل هذا"، ثم دعاه، فقال له أو (^٤) لغيره: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد ربه والثناء عليه، ثم يصلي على محمد وآل (^٥) محمد، ثم يدعو بما شاء".
قالوا: ففي حديث (^٦) فضالة هذا أن النبي ﵌ لم يأمر هذا المصلي - الذي ترك الصلاة عليه ﷺ بالإعادة، لأنها لو كانت فرضًا لأمره بإعادة الصلاة، كما أمر الذي لم يتم ركوعه ولا سجوده بالإعادة.
_________________
(١) = وسيأتي ص ٤٠٤. قلت: والصحيح عن علي خلافه. انظر: مصنف عبد الرزاق (٢/ ٣٥٦) رقم (٣٦٨٦). انظر: العلل لابن أبي حاتم (١/ ١١٣).
(٢) أخرجه البخاري في (٨٢) الاستئذان (٥٨٧٦)، ومسلم في (٤) الصلاة (٤٠٢).
(٣) سقط من (ش) من قوله (ومن حجتهم) إلى ﷺ.
(٤) تقدم تخريجه رقم (٤٤).
(٥) في (ب، ش) (ولغيره).
(٦) سقط من (ب، ظ، ت، ج) قوله (وآل محمد).
(٧) في (ظ) (ففي هذا حديث فضالة).
[ ٣٨٤ ]
واحتج هؤلاء أيضًا بأن النبي ﷺ لم يعلمها المسيء في صلاته (^١)، ولو كانت من فروض الصلاة التي لا تصحُّ الصلاة إلا بها لعلَّمه إيَّاها كما علَّمه القراءة والركوع والسجود والطمأنينة في الصلاة.
واحتجوا أيضًا بأن الفرائض إنما تثبت بدليل صحيح لا معارض له من مثله، أو بإجماع (^٢) مِمَّن تقوم الحُجَّة بإجماعهم.
فهذا أجَلُّ (^٣) ما احتجَّ به النفاة وعمدتهم.
ونازعهم آخرون في ذلك نقلًا واستدلالًا، وقالوا:
أما نسبتكم الشافعي ومن قال بقوله في هذه المسألة إلى الشُّذوذ ومخالفة الإجماع، فليس بصحيح، فقد قال بقوله جماعة من الصحابة ومن بعدهم.
٣٣٣ - فمنهم عبد الله بن مسعود (^٤)، فإنه كان يراها واجبة في الصلاة، ويقول: "لا صلاة لمن لم يصل فيها على النبي ﷺ".
_________________
(١) أخرجه البخاري في (١٦) صفة الصلاة (٧٢٤)، ومسلم في (٤) الصلاة (٣٩٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) في (ب، ش) (وبإجماع).
(٣) في (ش، ظ) (جُلُّ)، وهو محتمل.
(٤) الذي في التمهيد المطبوع لأبي مسعود، فلعل المؤلف ظنه ابن مسعود، أو رآه في نسخة (ابن مسعود)، والصواب (أبو مسعود)، بدليل ما ذكره ابن عبد البر من الآثار عن أبي مسعود، ولم يذكر لابن مسعود شيئًا. والله أعلم.
[ ٣٨٥ ]
ذكره ابن عبد البر (^١) عنه في "التمهيد" وحكاه غيره أيضًا (^٢).
٣٣٤ - ومنهم أبو مسعود البدري (^٣)، روى عثمان بن أبي شيبة وغيره: عن شريك، عن جابر الجعفي، عن أبى جعفر محمد بن علي، عن أبي مسعود قال: ما أرى أن (^٤) صلاة لي تمت حتى أصلي على محمدٍ وعلى آل محمد".
٣٣٥ - ومنهم عبد الله بن عمر، ذكره الحسن بن شبيب المعمري: حدثنا علي بن ميمون، حدثنا خالد بن حيان (^٥)، عن جعفر بن برقان (^٦)، عن عقبة بن نافع، عن ابن عمر، أنه قال: "لا تكون صلاة إلا بقراءة وتشهد وصلاة على النبي ﷺ، فإن
_________________
(١) (١٦/ ١٩٤)، والأثر لم أقف عليه. انظر الفتح (١١/ ١٦٤).
(٢) كالماوردي في الحاوي الكبير (٢/ ١٣٧).
(٣) أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ٥٣٩)، والطبري في التهذيب (٣٥٩ - القسم المفقود)، والدارقطني في السنن (١/ ٣٥٥ - ٣٥٦). وسنده ضعيف، فإن مداره على جابر الجعفي، وهو ضعيف، وقد اتُّهم، وهو أيضًا قد اختلف عليه فيه، وفيه انقطاع بين أبي جعفر وأبي مسعود، وصوب الدارقطني أنه من قول أبي جعفر محمد بن علي. انظر: الشفا للقاضي عياض (٢/ ٦٤).
(٤) في (ش) (أصلاة).
(٥) في (ب، ش) (حبان) وفي (ظ، ت) (حسان) والتصويب من تهذيب الكمال (٥/ ١٣).
(٦) كذا في النسخ، ولعلَّه سقط بينهما (راشد وهو الأزرق) وهو مجهول. انظر: التاريخ الكبير (٣/ ٢٩٧)، والجرح والتعديل (٣/ ٤٨٦).
[ ٣٨٦ ]
نسيت شيئًا من ذلك، فاسجد سجدتين بعد السلام" (^١).
٣٣٦ - وقال (^٢): حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا شريك، عن أبي جعفر، قال: قال أبو مسعود البدري: ما أرى أن صلاة لي تمت لا أصلي فيها على محمد ﷺ.
ومن التابعين: أبو جعفر محمد بن علي (^٣)، والشعبي (^٤)، ومقاتل بن حيان (^٥).
ومن أرباب المذاهب المتبوعين إسحاق بن راهويه، قال: "إن تركها عمدًا لم تصح صلاته، وإن تركها سهوًّا رجوت أن تجزئه".
قلت: عن إسحاق في ذلك روايتان، ذكرهما عنه حرب في "مسائله" قال: "باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد". قال: "سألت إسحاق قلت: الرجل إذا تشهد فلم يصل على النبي ﷺ؟
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة رقم (٨٧١٤) وسنده ضعيف، فيه راشد الأزرق، الذي يُحتمل أنه سقط من السند، وهو مجهول، وفيه عقبة بن نافع، وهو مجهول أيضًا. قال البخاري في تاريخه (٦/ ٤٣٤): "عقبة بن نافع سمع ابن عمر ﵄، روى جعفر بن برقان عن راشد. منقطع". وانظر: الجرح والتعديل (٦/ ٣١٧)، والفتح لابن حجر (١١/ ١٦٤)، فقد جوّده.
(٢) تقدم قريبًا وهو لا يثبت.
(٣) تقدم قريبًا، وهو لا يثبت عنه، فيه جابر الجعفي.
(٤) ذكره البيهقي في معرفة السنن والآثار (٣/ ٧٠).
(٥) عند البيهقي في الخلافيات بسند قوي كما في الفتح (١١/ ١٦٤).
[ ٣٨٧ ]
قال: أما أنا فأقول: إن صلاته جائزة. وقال الشافعي: لا تجوز صلاته، ثم قال: أنا أذهب إلى حديث الحسن بن الحرّ، عن القاسم بن مخيمرة، فذكر حديث ابن مسعود (^١) ﵁، قال حرب: سمعت (^٢) أبا يعقوب -يعني إسحاق- يقول: "إذا فرغ من التشهد- إمامًا كان أو مأمومًا - صلى على النبي ﷺ لا يجزئه غير ذلك، لقول أصحاب النبي ﷺ:
٣٣٧ - قد عرفنا السلام عليك -يعني في التشهد والسلام فيها- فكيف الصلاة، فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وفَسَّر النبي ﷺ كيف هي؟ فأدنى ما ذكر عن النبي ﷺ في الصلاة عليه يكفيه، فليقله بعد التشهد، والتشهد والصلاة على النبي ﷺ في الجلسة الأخيرة عملان هما عدلان، لا يجوز لأحد أن يترك واحدًا منهما عَمْدًا، وإن كان ناسيًا رجونا أن تجزئه، مع أن بعض علماء الحجاز قال: لا يجزئه ترك الصلاة على النبي ﷺ وإن تركه أعاد الصلاة". تَمَّ كلامه.
وأما الإمام أحمد (^٣)، فاختلفت الرواية عنه، ففي "مسائل المَرُّوْذِي (^٤) ". قيل لأبي عبد الله: إن ابن راهويه يقول: "لو أن رجلًا ترك الصلاة على النبي ﷺ في التشهد بطلت صلاته؟. قال: "ما
_________________
(١) سيأتي الكلام ص ٣٩٥ - ٣٩٧.
(٢) سقط من (ش).
(٣) انظر: الشرح الكبير مع الإنصاف (٣/ ٥٤٤).
(٤) في (ب) (المروروذى).
[ ٣٨٨ ]
اجترئ أن أقول هذا". وقال مرة: "هذا شذوذ".
وفي مسائل أبي زرعة الدمشقي (^١)، قال أحمد: "كُنْتُ أتهيَّب ذلك، ثم تَبيَّنْتُ، فإذا الصلاة على النبي ﷺ واجبة". وظاهر هذا أنه رجع عن قوله بعدم الوجوب.
وأما قولكم: الدليل (^٢) على عدم وجوبها عمل السلف الصالح قبل الشافعي وإجماعهم عليه.
فجوابه: أن استدلالكم إما أن يكون بعمل الناس في صلاتهم، وإما بقول أهل الإجماع: إنها ليست بواجبة. فإن كان الاستدلال بالعمل فهو من أقوى حججنا عليكم، فإنه لم يزل عمل الناس مستمرًا قَرْنًا بعد قَرْنٍ، وعصرًا بعد عصر على الصلاة على النبي ﷺ في آخر التشهد، وإمامهم ومأمومهم ومنفردهم، ومفترضهم ومتنفلهم، حتى لو سئل كل مصل هل صليت على النبي ﷺ في الصلاة؟ لقال: نعم. وحتى لو سَلَّم من غير صلاةٍ على النبي ﷺ وعلم المأمومون (^٣) منه ذلك، لأنكروا ذلك (^٤) عليه، وهذا أمر لا يمكن إنكاره. فالعمل أقوى حجة عليكم، فكيف يسوغ لكم أن تقولوا: عمل السلف الصالح قبل الشافعي ينفي الوجوب؟ أفترى السلف الصالح كلهم ما كان أحد منهم قط
_________________
(١) انظر: الشرح الكبير مع الإنصاف (٣/ ٥٤٨).
(٢) في (ب) (إن الدليل).
(٣) في (ب) (المأمون منه) وهو خطأ.
(٤) من (ح) فقط.
[ ٣٨٩ ]
يصلي على النبي ﷺ في صلاته؟! وهذا من أبطل الباطل.
وأما إن كان احتجاجكم بقول أهل الإجماع (^١): إنها ليست بفرض. فهذا مع أنه لا يسمى عملًا لم يعلمه (^٢) أهل الإجماع، وإنما هو مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما، وغايته أنه قول كثير من أهل العلم، وقد نازعهم في ذلك آخرون من الصحابة والتابعين وأرباب المذاهب كما تقدم، فهذا ابن مسعود، وابن عمر، وأبو مسعود، والشعبي، ومقاتل بن حيان، وجعفر بن محمد، وإسحاق بن راهويه، والإمام أحمد في آخر قوليه، يوجبون الصلاة عليه ﷺ في التشهد، فأين إجماع المسلمين مع خلاف هؤلاء؟ وأين عمل السلف الصالح، وهؤلاء من أفاضلهم ﵃؟ ولكن هذا شأن من لم يتتبع مذاهب العلماء، ويعلم مواقع الإجماع والنزاع.
وأما قوله: "قد شَنَّع الناس المسألة على الشافعي جدًا"، فَيَا سُبْحان الله! أيُّ شناعة عليه في هذه المسألة؟ وهل هي إلا من محاسن مذهبه؟ ثم (^٣) لا يستحي المشنِّع عليه مثلَ هذه المسألة من المسائل التي شُنْعَتُها ظاهرة جدًا، يعرفها من عرفها من المسائل التي تخالف النصوص، أو تخالف الإجماع السابق؛ أو القياس، أو المصلحة الراجحة؟ ولو تُتُبِّعَتْ لبلغت مِئِين، وليس تَتَبُّع المسائل
_________________
(١) في (ح) فقط (.. الإجماع أيضًا:).
(٢) في (ب) (يعمله).
(٣) في (ظ (لم).
[ ٣٩٠ ]
المستبشعة (^١) من عادة أهل العلم فَيُقتدى بهم في ذِكرِها وعَدِّها، والمُنْصِفُ خَصْمُ نفسه. فأي كتاب خالف الشافعي في هذه المسألة؟ أم أي سنة؟ أم أي إجماع؟ ولأجل أن قال قولًا اقتضته الأدلة وقامت على صِحَّتِه، وهو من تمام الصلاة بلا خلاف؛ إِمَّا تَمَام واجباتها، أو تمام مستحباتها، فهو ﵁ رأى أنه من تمام واجباتها بالأدلة التي سنذكرها بعد ذلك، فلا إجماعًا خَرَقَه، ولا نصًّا خالفه، فمن أيّ (^٢) وجه يشنع عليه؟ وهل الشناعة إلا بمن شنَّع عليه أليَق، وبه ألْحَق؟.
وأما قوله: "وهذا تشهد ابن مسعود رضي الله تعالى عنه الذي اختاره الشافعي، وهو الذي علمه النبي ﷺ إيَّاه (^٣) .. " إلى آخره.
فهكذا رأيته في النسخة "الذي اختاره الشافعي"، والشافعي إنما اختار تشهد ابن عباس، أما تشهد ابن مسعود ﵁، فأبو حنيفة وأحمد اختاراه، ومالك اختار تشهد عمر.
وبالجملة فجواب ذلك من وجوه:
أحدها: أنا نقول بموجب هذا الدليل، فإن مقتضاه وجوب التشهد، ولا ينفي وجوب غيره، فإنه لم يقل أحد (^٤): إن
_________________
(١) في (ب) (المستشبعة)، وفي (المستشبعة)، وفي (ح) (المستشبعة).
(٢) وقع في (ب) فقط (فلأيِّ وجه …).
(٣) سقط من (ظ، ت، ج) (إيّاه).
(٤) في (ب، ش) (فإن لم يقل إن هذا ..).
[ ٣٩١ ]
هذا التشهد هو جميع الواجب من الذِّكْر في هذه القَعْدة، فإيجاب الصَّلاة على النبي ﷺ بدليل آخر لا يكون معارضًا بترك تعليمه في أحاديث التشهد.
الثاني: أنكم تُوجبون السَّلام من الصَّلاة، ولم يعلِّمهم النبي ﷺ إيَّاه في أحاديث التشهد.
٣٣٨ - فإن قلتم: إنما وجب السلام بقوله ﷺ (^١): "تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم". قيل لكم: ونحن أوجبنا الصلاة على النبي ﷺ بالأدلة المقتضية لها، فإن كان تعليم التشهد وحده مانعًا من إيجاب الصلاة على النبي ﷺ كان مانعًا من إيجاب السلام؛ وإن لم يمنعه لم يمنع وجوب الصلاة.
الثالث: أن النبي ﷺ كما علمهم التشهد علمهم الصلاة عليه، فكيف يكون تعليم التشهد دالًا على وجوبه، وتعليمه الصلاة لا يدل على وجوبها؟ فإن قلتم: التشهد الذي علمهم إياه هو تشهد الصلاة، ولهذا قال فيه:
٣٣٩ - "فإذا جلس أحدكم فليقل: التحيات لله" (^٢)، وأما
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣)، وأبو داوود (٦١)، وابن ماجه (٢٧٥) وغيرهم. تفرد به عبد الله بن محمد بن عقيل، وفيه لين. انظر: تهذيب الكمال (١٦/ ٧٨)، والحديث * صححه الترمذي كما يدل عليه كلامه. والضياء في المختارة (٧١٨) * وعدّه ابن عدي من منكرات ابن عقيل (٤/ ١٢٩).
(٢) تقدم قبل رقم ٣٣٢ وسيأتي برقم (٣٥٢)، من حديث ابن مسعود ﵁.
[ ٣٩٢ ]
تعليم الصلاة عليه ﷺ فمطلق.
قلنا: والصلاة التي علمهم إياها عليه ﷺ هي في الصلاة أيضًا لوجهين:
أحدهما: حديث محمد بن إبراهيم التيمي (^١)، وقوله: كيف نصلي عليك إذا نحن جلسنا في صلاتنا؟. وقد تقدم في الباب الأول.
الثاني: أن الصَّلاة التي سألوا النَّبي ﷺ أنْ يُعلمهم إياها نظير السَّلام الذي علموه، لأنهم (^٢) قالوا:
٣٤٠ - "هذا السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ " (^٣)، ومن المعلوم أن السلام الذي علموه هو قولهم في الصلاة: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، فوجب أن تكون الصلاة المقرونة به (^٤) هي في الصلاة. وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام تقرير ذلك.
الرابع: أنَّه لو قُدِّرَ أنَّ أحاديث التَّشهد تنفي وجوب الصلاة على النبي ﷺ؛ لكانت أدلة وجوبها مُقَدَّمة على تلك، لأنَّ نفيها
_________________
(١) تقدم تحت رقم (١) - وهو معلول أخطأ فيه ابن إسحاق.
(٢) سقط من (ب، ش) من قوله (لأنهم) إلى (الذي علموه).
(٣) تقدم برقم (١) وراجع تفصيل الكلام على زيادة ابن إسحاق.
(٤) سقط من (ح).
[ ٣٩٣ ]
مُبْق (^١) على استصحاب (^٢) البراءة الأصلية، ووجوبها ناقل عنها، والناقل مقدم على المُبْقِي، فكيف (^٣) ولا تعارض، فإنَّ غاية ما ذكرتم من تعليم التشهد أدلة ساكتة عن وجوب غيره، وما سكت عن وجوب شيء لا يكون معارضًا لما نطق بوجوبه، فضلًا عن أن يُقَدَّم عليه.
الخامس: أنَّ تعليمهم التشهد كان مُتَقَدِّمًا، بل لعَلَّه من (^٤) حين فرضت الصلاة.
وأما تعليمهم الصلاة عليه فإنه كان بعد نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٦]، ومعلوم أن هذه الآية نزلت في الأحزاب بعد نكاحه زينب بنت جحش، وبعد تخييره أزواجه، فهي بعد فرض التشهد، فلو قدر أن فرض التشهد كان نافيًا لوجوب الصلاة عليه ﷺ لكان منسوخًا بأدلة الوجوب، فإنها متأخرة.
والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أن (^٥) هذا يقتضي تقديم أدلة الوجوب لتأخرها، والذي قبله يقتضي تقديمها لرفعها البراءة الأصلية، من غير نظر إلى تقدم (^٦) ولا تأخر، والذي يدل على تأخر
_________________
(١) في (ب) (منتفي)، وفي (ش) (متبقى)، وفي (ج) (ينفي).
(٢) في (ب) (الاستحباب) وهو خطأ.
(٣) في (ب) (وكيف).
(٤) سقط من (ب).
(٥) ليس في (ب، ش) من قوله (أن هذا …) إلى (والذي قبله).
(٦) في (ب) (ما تقدم).
[ ٣٩٤ ]
الأمر بالصلاة عن التشهد قولهم:
٣٤١ - "هذا السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة عليك؟ " ومعلوم أن السلام عليه مقرون بذكر التشهد. لم يشرع في الصلاة وحده بدون ذكر التشهد، والله أعلم.
وأما قوله: "ومن حُجَّة من لم يرها فرضًا في الصلاة حديث (^١) الحسن بن الحر، عن القاسم بن مخيمرة، فذكر حديث ابن مسعود، وفيه:
٣٤٢ - "فإذا قلت ذلك فقد قضيت الصلاة، فإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد"، ولم يذكر الصلاة على النبي ﷺ. فجوابه من وجوه:
أحدها: - أن هذه الزِّيادة مُدْرَجة في الحديث، ليست من كلام النبي ﷺ، بَيَّن ذلك الأئمة الحفاظ. قال الدارقطني في كتاب "العلل" (^٢): "رواه الحسن بن الحر، عن القاسم بن مخيمرة، عن علقمة، عن عبد الله؟ حدث به عنه محمد بن عجلان، وحسين الجعفي، وزهير بن معاوية، وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان. فأما ابن عجلان، وحسين الجعفي فاتفقا على لفظه، وأما زهير فزاد عليهما في آخره كلامًا أدرجه بعض الرواة عن زهير في حديث النبي ﷺ، وهو قوله: (إذا قضيت هذا أو فعلت هذا فقد قضيت
_________________
(١) في (ب) (الحديث).
(٢) (٥/ ١٢٧ - ١٢٨) رقم (٧٦٦).
[ ٣٩٥ ]
صلاتك إن شئت أن تقوم فقم).
ورواه شبابة بن سوار، عن زهير، ففصل بين لفظ النبي ﷺ، وقال فيه عن زهير: قال ابن مسعود هذا الكلام.
وكذلك رواه ابن (^١) ثوبان، عن الحسن بن الحر وبَيَّنه، وفَصَل كلام النبي ﷺ من كلام ابن مسعود، وهو الصواب".
وقال في كتاب "السنن" (^٢) وقد ذكر حديث زهير، عن الحسن بن الحر هذا، وذكر الزيادة، ثم قال: "أدرجه بعضهم عن زهير في الحديث، ووصله بكلام النبي ﷺ، وفَصَلَه شَبَابَة عن زهير، وجعله من كلام عبد الله ﵁، وقوله أشْبه (^٣) بالصواب من قول من أدرجه في حديث النبي ﷺ؛ لأن ابن ثوبان رواه عن الحسن بن الحر كذلك، وجعل آخره من قول ابن مسعود، ولاتفاق حسين الجعفي، وابن عجلان، ومحمد بن أبان في روايتهم عن الحسن بن الحر على ترك ذكره (^٤) في آخر الحديث، مع اتفاق كل من روى التشهد عن علقمة وعن غيره عن عبد الله بن مسعود على ذلك" - ثم ذكر رواية شبابة وفصله كلام عبد الله من حديث النبي ﷺ ثم قال: "شبابة ثقة، وقد فصل آخر الحديث، جعله من قول عبد الله بن مسعود، وهو أصح من رواية من أدرج
_________________
(١) في (ب) (ثوبان) وهو خطأ، وفي (ت) (أبو ثوبان) وهو خطأ.
(٢) (١/ ٣٥٣).
(٣) في (ب، ش) (وهو الصواب) والمثبت من (ظ، ج، ت) والسنن.
(٤) في (ب، ش) (على ترك ..) -بياض- في آخر الحديث).
[ ٣٩٦ ]
آخره (^١) في كلام النبي ﷺ. وقد تابعه غسَّان بن الربيع وغيره، فرواه عن ابن ثوبان، عن الحسن بن الحر كذلك، وجعل آخر الحديث من كلام ابن مسعود لم يرفعه إلى النبي ﷺ".
وذكر أبو بكر الخطيب هذا الحديث في كتاب "الفصل للوصل" (^٢) له. وقال: "قول من فصل كلام النبي ﷺ من كلام ابن مسعود، وبَيَّن أن الصواب أن هذه الزيادة مدرجة".
فإن قيل: فأنتم قد رويتم عن ابن مسعود ﵁؛ أن الصلاة على النبي ﷺ واجبة في الصلاة، وهذا الذي ساعدناكم على أنه من قول ابن مسعود ﵁ يبطل ما رويتم عنه. فإن كان الحديث من كلام النبي ﷺ فهو نص في عدم وجوبها، وإن كان من كلام ابن مسعود ﵁ فهو مبطل لما رويتموه عنه.
فهذا سؤال قوي، وقد أجيب عنه بأجوبة:
أحدها: قال القاضي أبو الطيب: قوله: "فإذا قلت هذا فقد
_________________
(١) سقط من جميع النسخ (آخره)، واستدركته من سنن الدارقطني (١/ ٣٥٣).
(٢) (١/ ١٠٣ - ١١٥). قلت: ومع تصويب وقفه على ابن مسعود، إلا أنه شاذ عنه، غير معروف عن ابن مسعود، ولا عن أصحابه عنه. والمحفوظ عن ابن مسعود: قوله (مفتاح، وفي رواية: حدُّ الصلاة التكبير، وانقضاؤها التسليم) أخرجه الطبري في التهذيب (الجزء المفقود) (٤٢٨ - ٤٣٢)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٠٨)، والبيهقي (٢/ ١٥، ١٧٣ - ١٧٤)، وسنده صحيح، وصححه البيهقي.
[ ٣٩٧ ]
قضيت صلاتك"، معناه أنها قاربت التمام، والدليل على ذلك أنا أجمعنا على أن الصلاة لم تتم (^١).
وهذا جواب ضعيف، لأنه قال: "فإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد"، وعند من يُوجبُ الصلاة (^٢) على النبي ﷺ لا يُخَيِّرُ بين القيام والقعود حتى يأتي بِهَا.
الجواب الثاني: أن هذا حديث خرج على معنى في التشهد، وذلك أنهم كانوا يقولون في الصلاة: السلام على الله، فقيل لهم: إن الله هو السلام، ولكن قولوا كذا، فعلمهم التشهد، ومعنى قوله: "إذا قلت ذلك فقد تمت صلاتك"، يعني إذا ضُمَّ إليها ما يجبُ فيها من ركوع وسجود وقراءة وتسليم وسائر أحكامها، ألا ترى أنه لم يذكر التسليم من الصلاة، وهو من فرائضها، لأنه قد وقفهم على ذلك، فاستغنى عن إعادة ذلك عليهم.
٣٤٣ - قالوا: ومثل حديث ابن مسعود هذا قوله ﷺ في الصدقة (^٣): "إنَّها تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِمْ فَتُردُّ (^٤) عَلَى فُقَرَائِهِم" (^٥). أي
_________________
(١) انظر نحوه في الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ١٣٦).
(٢) أخرجه البخاري في (٣٠) الزكاة (١٣٣١)، ومسلم في (١) الإيمان (١٩) من حديث ابن عباس ﵄.
(٣) في (ب، ش) (فتفرق).
(٤) سقط من (ب).
(٥) أخرجه البخاري في (١٦) صفة الصلاة رقم (٧٢٤)، ومسلم في (٤) الصلاة، رقم (٣٩٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٣٩٨ ]
ومن ضُمَّ إليهم، وسُمِّي معهم في القرآن، وهم الثمانية الأصناف.
٣٤٤ - قالوا: ومثل ذلك قوله في حديث المسيء في صلاته (^١): "ارْجع فَصَلِّ فإنِّكَ لَمْ تُصَلِّ" ثم أمره بفعل ما رآه لم يأت به، أو لمَ يُقمْه من صلاته فقال: "إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلاة" فذكر الحديث، وسكت له (^٢) عن التشهد والتسليم.
وقد قام الدليل من غير هذا الحديث على وجوب التشهد، ووجوب التسليم عليه ﷺ بما علمهم من ذلك، كما يعلمهم السورة من القرآن، وأعلمهم أن ذلك في صلاتهم، وقام الدليل أيضًا في التسليم بأنه إنما يُتَحَلَّلُ من الصلاة به، لا بغيره من غير هذا الحديث (^٣)، فكذلك (^٤) الصلاة على النبي ﷺ مأخوذة (^٥) من غير ذلك الحديث.
قالوا: وكما جاز لمن جعل التشهد فرضًا، لحديث ابن مسعود ﵁ هذا، وردَّ على من خالفه، وقال: إذا قعد مقدار التشهد فقد تمت صلاته وإن لم يتشهد، وعلى من قال: إذا رفع رأسه من السجدة الآخرة (^٦) فقد تمت صلاته، بأن ابن
_________________
(١) ليس في (ح، ج).
(٢) في (ح) (المسألة).
(٣) ليس في (ب، ش) من قوله (على وجوب) إلى (الحديث).
(٤) في (ظ) (فكذا)، وليس في (ج) من قوله (فكذلك … ذلك الحديث).
(٥) في (ب، ش) (مأخوذ).
(٦) في (ظ، ج) (الأخيرة).
[ ٣٩٩ ]
مسعود ﵁ إنَّما علَّق التَّمام في حديثه بالتشهد = جاز لمن أوجب الصلاة على النبي ﷺ أن يحتج بالأحاديث الموجبة لها، وتكون حجته منها على من نفى وجوبها كالحجة من حديث ابن مسعود ﵁ على من نفى وجوب التشهد، أو وجوب (^١) القعدة معه.
قالوا: واستدلالنا أقوى من استدلالكم، فإنه استدلال بكتاب الله وسُنَّة رسوله، وعمل الأُمَّة قَرْنًا بعد قرن، فإن لم يكن ذلك أقوى من الاستدلال على وجوب التشهد، لم يكن دونه، وإن كان من الفقهاء من ينازعنا في هذه المسألة، فهو كمن ينازعكم من الفقهاء في وجوب التشهد، والحجة في الدليل أين كان، ومع من كان.
الجواب الثالث: أنه لا يمكن أحدًا ممن ينازعنا (^٢) أن يحتج علينا بهذا الأثر، لا مرفوعًا ولا موقوفًا، فإنه (^٣) يقال لمن احتج به: لا يخلو إما أن يكون قوله: "إذا قلت هذا فقد تمت صلاتك" مقتصرًا عليه، أو مضافًا إلى سائر واجباتها، والأول محال وباطل، والثاني حق، ولكنه لا ينفي وجوب شيء مما (^٤) تنازع فيه الفقهاء من واجبات الصلاة، فضلًا عن نفيه (^٥) وجوب الصلاة على النبي
_________________
(١) في (ح، ت، ج) (ووجوب).
(٢) في (ظ، ب، ش، ج) (من منازعينا) وفي (ح) (من ينازعها) وهو خطأ.
(٣) سقط من (ح).
(٤) ليس في (ش).
(٥) في (ب) (نفسه).
[ ٤٠٠ ]
ﷺ، ولهذا كان التسليم من تمام الصلاة وواجباتها عند مالك، وكذا الجلوس للتشهد، ولم (^١) يذكره، وكذا إن كان عليه سهو واجب فإنه لا تتم الصلاة إلا به، ولم يذكره.
يُوَضِّحُه (^٢) الجواب الرابع: أن عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن التشهد ليس بفرض، بل إذا جلس مقدار التشهد فقد تمت صلاته، تشهد أو لم يتشهد، والحديث دليل على أن الصلاة لا تتم إلا بالتشهد. فإن كان استدلالكم بأنه علق التمام بالتشهد فلا تجب الصلاة بعده صحيحًا، فهو حجة عليكم في قولكم بعدم وجوب التشهد؛ لأنه علق به التمام، وبطل قولكم بنفي فرضية (^٣) التشهد، وإن لم (^٤) يكن الاستدلال به صحيحًا بطل معارضة (^٥) أدلة الوجوب به، وبطل قولكم بنفي الصلاة على النبي ﷺ، فبطل قولكم على التقديرين.
فإن قلتم (^٦): نحن نجيب عن هذا بأن قوله: "فإذا قلت هذا فقد تمت صلاتك"، المراد به تمام الاستحباب، وتمام الواجب قد انقضى بالجلوس.
_________________
(١) في (ظ، ت، ش، ب، ج) (لم).
(٢) سقط من (ظ، ت، ج) كلمة (يوضحه).
(٣) في (ح) (فريضة).
(٤) سقط من (ظ) (لم يكن).
(٥) سقط من (ب، ش).
(٦) في (ظ) (قلت).
[ ٤٠١ ]
قيل لكم: هذا فاسد على قول من نفى وجوب (^١) الصلاة، وعلى قول من أوجبها، لأن من نفى وجوبها لا ينازع في أن تمام الاستحباب موقوف عليها، وأن الصلاة لا تَتِمُّ التمام المستحب إلا بها، ومن أوجبها يقول: لا تَتِمُّ التمام الواجب إلا بها، فعلى التقديرين لا يمكنكم الاستدلال بالحديث أصلًا.
قوله: روى أبو داود، والترمذي حديث عبد الله بن عمرو (^٢)، وفيه.
٣٤٥ - "إذا رفع رأسه من السجدة فقد مضت صلاته" جوابه من وجوه:
أحدها: أن الحديث معلول. وبيان تعليله من وجوه:.
أحدها: أن الترمذي قال: "ليس (^٣) إسناده بالقوي، وقد اضطربوا في إسناده".
الثاني: أنه من رواية عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي وقد ضعفه غير واحد من الأئمة.
الثالث: أنه من رواية بكر بن سوادة، عن عبد الله بن عمرو،
_________________
(١) سقط من (ح).
(٢) تقدم تخريجه برقم (٣٣١).
(٣) في (ظ) (إن إسناده ليس بالقوي).
[ ٤٠٢ ]
ولم يلقه (^١)، فهو منقطع.
الرابع: أنه مضطرب الإسناد، كما ذكره الترمذي.
٣٤٦ - الخامس (^٢): أنه مضطرب المتن، فمرة يقول: "إذا رفع رأسه من السجدة فقد مضت صلاته"، ولفظ أبي داود، والترمذي غير هذا، وهو:
٣٤٧ - "إذا أحدث الرجل وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلم فقد جازت صلاته"، وهذا غير لفظ الطحاوي.
٣٤٨ - ورواه الطحاوي أيضًا بلفظ آخر فقال: "إذا قضى الإمام الصلاة فقعد فأحدث هو، أو أحد ممن ائتمَّ (^٣) بالصلاة معه قبل أن يسلم الإمام فقد تَمَّت صلاته، فلا يعود فيها"، فهذا معناه غير معنى الأول. قال الطحاوي: وقد روي بلفظ آخر:
٣٤٩ - "إذا رفع المصلي رأسه من آخر صلاته وقضى تشهده ثم أحدث فقد تمت صلاته".
وكلها مدارها على الإفريقي، ويوشك أن يكون هذا من سوء حفظه، والله أعلم.
_________________
(١) لأن بكرًا توفي سنة ١٢٨ هـ، بينما عبد الله بن عمرو توفي سنة ٦٣ هـ، فبين وفاتيهما ٦٥ سنة، وهذا يدل على عدم اللقي. انظر: تهذيب الكمال (٤/ ٢١٦)، والتقريب رقم (٣٤٩٩).
(٢) سقط من (ب) من قوله (أنه مضطرب الإسناد … -إلى- الخامس).
(٣) في (ب، ت، ش، ج) (أتم) وفي (ظ) (أتم للصلاة).
[ ٤٠٣ ]
٣٥٠ - قوله: وقال علي ﵁: "إذا جلس مقدار التشهد فقد (^١) تمت صلاته".
جوابه: أن علي بن سعيد قال في "مسائله": "سألت أحمد بن حنبل عمن ترك التشهد فقال: يعيد. قلت: فحديث عليِّ ﵁: "من قعد مقدار التشهد" (^٢). فقال: لا يصح. وقد روي عن النبي ﷺ بخلاف حديث علي، وعبد الله بن عمرو".
٣٥١ - قوله (^٣): "وروى الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قصة التشهد، وقال: "ثم ليختر من الكلام ما أحب" (^٤). ولم يذكر الصلاة على النبي ﷺ".
فجوابه: أن غاية هذا أن يكون ساكتًا عن وجوب الصلاة، فلا يكون معارضًا لأحاديث الوجوب، كما تقدم تقريره.
٣٥٢ - قوله (^٥): "وحديث فضالة بن عبيد (^٦) يدل على نفي الوجوب"، جوابه: أن حديث فضالة حجة لنا في المسألة، لأن
_________________
(١) من (ظ) فقط، وانظر ص ٣٨٣.
(٢) تقدم بعد رقم (٣٣١).
(٣) في (ظ) (وقد روى)، والحديث تقدم ص ٣٧٣، وفي (ج) (ويروي الأعمش).
(٤) في (ح) (ما شاء) وجاء في حاشيته (لعله: ما أحب)، وكذا صححت في حاشية (ت) (ما أحب).
(٥) سقط من (ش).
(٦) تقدم تخريجه برقم (٤٤ و٣٣٢).
[ ٤٠٤ ]
النبي ﷺ أمره بالصلاة عليه في التشهد، وأمره للوجوب، فهو نظير أمره بالتشهد، وإذا كان الأمر متناولًا لهما، فالتفريق بين المأمورين تَحَكُّم.
فإن قلتم: فالتشهد عندنا ليس بواجب؟
قلنا: الحديث حجة لنا عليكم (^١) في المسألتين، والواجب اتباع الدليل.
قوله: "النبي ﷺ لم يأمر هذا المصلي بإعادة الصلاة، ولو كانت الصلاة على النبي ﷺ فرضًا لأمره بإعادتها، كما أمر المسيء في صلاته". جوابه من وجوه:
أحدها: أنَّ هذا كان غير عالم بوجوبها، فتركها (^٢) معتقدًا أنها غير واجبة، فلم يأمره النبي ﷺ بالإعادة، وأمره في المستقبل أن يقولها، فأَمْرُهُ بقولها في المستقبل دليل على وجوبها، وترك أمره بالإعادة دليل على أنه يُعْذَرُ الجاهل بعدم الوجوب. وهذا كما لم يأمر النبي ﷺ المسيء في صلاته (^٣) بإعادة ما مضى من الصلوات، وقد أخبره أنه لا يحسن غير تلك الصلاة (عذرًا له بالجهل.
_________________
(١) ليس في (ب).
(٢) من (ظ)، (ت)، (ج).
(٣) في (ظ) (المسيء صلاته) وفي (ح) (المسيء في الصلاة).
[ ٤٠٥ ]
فإن قيل: فلِمَ أمره أن يُعيْدَ تلك الصلاة) (^١) ولم يعذره فيها (^٢) بالجهل؟ قلنا: لأن الوقتَ باقٍ، وقد عَلِمَ أركان الصلاة، فوجب عليه أن يأتي بها.
فإن قيل: فهلا أمر تارك الصلاة عليه بإعادة تلك (^٣) الصلاة كما أمر المسيء؟.
قلنا: أمره ﷺ بالصلاة عليه فيها مُحْكَم (^٤) ظاهر في الوجوب، ويحتمل أن الرجل لما سمع ذلك الأمر من النبي ﷺ بادر إلى الإعادة من غير أن يأمره النبي ﷺ بها (^٥)، ويحتمل أن تكون الصلاة كانت (^٦) نفلًا لا تجب عليه إعادتها، ويحتمل غير ذلك، فلا يترك الظاهر من الأمر وهو دليل مُحْكَم لهذا المشتبه (^٧) المحتمل. والله ﷾ أعلم.
فحديث فضالة إِمَّا مشترك الدلالة على السَّواء، فلا حُجَّة لكم فيه، وإمَّا راجح الدلالة من جانبنا كما ذكرناه، فلا حجة لكم فيه
_________________
(١) سقط من (ش) من قوله (عذرًا له …) -إلى- (تلك الصلاة).
(٢) ليس في (ح).
(٣) في (ب) (ترك) وهو خطأ.
(٤) في (ظ، ج) (تحكم).
(٥) ليس في (ح).
(٦) من (ظ) قوله (كانت).
(٧) ليس في (ب).
[ ٤٠٦ ]
أيضًا، فعلى (^١) التقديرين سقط احتجاجكم به.
قوله: لم يعلمها النبي ﷺ المسيء في صلاته، ولو كانت فرضًا لعلمها إياه، جوابه من وجوه:
أحدها: أن حديث المسيء هذا قد جعله المتأخرون مستندًا لهم في نفي (^٢) كل ما ينفون وجوبه، وحمَّلُوه فوق طاقته، وبالغوا في نفي ما اختلف في وجوبه به (^٣). فمن نفى وجوب الفاتحة احتجَّ به، ومن نفى وجوب التشهد احتجَّ به، ومن نفى وجوب التسليم (^٤) احتج به، ومن نفى وجوب الصلاة على النبي ﷺ احتج به، ومن نفى وجوب (^٥) أذكار الركوع، والسجود، وركني الاعتدال احتج به، ومن نفى وجوب تكبيرات الانتقال (^٦) احتج به. وكل هذا تساهل واسْتِرْسَال في الاستدلال، وإلا فعند التحقيق لا ينفي وجوب شيء من ذلك، بل غايته أن يكون قد سكت عن وجوبه ونفيه، فإيجابه بالأدلة الموجبة له لا (^٧) يكون معارضًا به.
فإن قيل: سكوته عن الأمر بغير ما أمره به يدلُّ على أنه ليس
_________________
(١) في (ظ، ت، ش، ج) (بَعْد).
(٢) سقط من (ش).
(٣) ليس في (ب، ت، ش) (به).
(٤) في (ب، ش) (ومن نفى وجوب التسليم احتج به). تتقدم أو تتأخر.
(٥) سقط من (ب).
(٦) في (ح) (الانتقالات).
(٧) في (ب، ج) (الموجبة لا يكون).
[ ٤٠٧ ]
بواجب؛ لأنه في مقام البيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز اتفاقًا (^١). قيل (^٢): هذا لا يمكن أحدًا أن يستدل به على (^٣) هذا الوجه، فإنه يلزمه أن يقول: لا يَجبُ التشهد، ولا الجلوس له، ولا السَّلام، ولا النِّيَّة، ولا قراءة الفاتحة، ولا كل شيء لم يذكره في الحديث. وطَرْدُ هذا: أنه لا يجبُ عليه استقبال القبلة، ولا الصَّلاة في الوقت، لأنه لم يأمره بهما، وهذا لا يقولُهُ أحد.
فإن قلتم: إنَّما علمه ما أساء فيه، وهو لم يسيء في ذلك. قيل لكم: فاقنعوا بهذا الجواب من منازعكم (^٤) في كل ما نفيتم وجوبه بحديث المسيء هذا.
الثاني: أن (^٥) ما أُمِر به النبي ﷺ من أجزاء الصلاة دليل ظاهر في الوجوب، وترك أمره للمسيء به يحتمل أمورًا:
منها: أنه لم يسئ فيه.
ومنها: أنه وجب بعد ذلك.
ومنها: أنه علَّمه مُعْظَم الأركان وأهمها، وأحال بقية تعليمه على مشاهدته ﷺ في صلاته (^٦)، أو على تعليم بعض الصحابة له،
_________________
(١) في (ب، ش) (غير جائز أيضًا) وسقط من (ح) (اتفاقًا).
(٢) وقع في (ش، ت) (فإن قيل).
(٣) (ح، ج) وسقط (هذا) من باقي النسخ، ووقع في (ب) (عن الوجه).
(٤) في (ح، ظ، ت، ج) (منازعيكم).
(٥) ليس في (ح).
(٦) في (ش) تكررت هذه الجملة من قوله (ومنها أنه وجب … -إلى- في =
[ ٤٠٨ ]
فإنه ﷺ كان يأمرهم بتعليم بعضهم بعضًا، فكان من المستقر عندهم إذنه (^١) لهم في تعليم الجاهل وإرشاد الضال، وأي محذور في أن يكون النبي ﷺ علمه البعض، وعلمه أصحابه البعض الآخر، وإذا احتمل (^٢) هذا لم يكن هذا المشتبه المُجْمَل معارضًا لأدلة وجوب الصلاة على النبي ﷺ، ولا غيرها من واجبات الصلاة، فضلًا عن أن يُقَدَّم عليها، فالواجب تقديم الصَّرِيْح المُحْكَم على المشتبه المُجْمَل. والله أعلم.
قوله: "الفرائض (^٣) إنما تثبت بدليل صحيح لا معارض له من مثله أو بإجماع".
قلنا: اسمعوا أدلتنا الآن على (^٤) الوجوب، فلنا (^٥) عليه أدلة:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦]، ووجه الدلالة أن الله سبحانه أمر المؤمنين بالصلاة والتسليم على رسول الله ﷺ، وأمره المطلق على الوجوب ما لم يَقُمْ دليل على خلافه.
_________________
(١) = صلاته).
(٢) في (ب، ح، ش) (أنه لهم) وهو خطأ، وسقط (لهم) من (ج).
(٣) في (ب) (جْهِل) وفي (ش) (أُجمِل).
(٤) في (ش) (الفائض) وهو خطأ.
(٥) في (ظ) (عليه).
(٦) في (ب) (قلنا) وهو خطأ.
[ ٤٠٩ ]
وقد ثبت أن أصحابه ﵃ سألوه عن كيفية هذه الصلاة المأمور بها، فقال:
٣٥٣ - "قولوا: اللهم صل على محمد .. " (^١) الحديث. وقد ثبت أن السلام الذي عُلِّمُوْهُ هو السلام عليه في الصلاة، وهو سلام التشهد (^٢)، فمخرج الأمرين والتعليمين والمحلين واحد.
يُوضِّحه: أنه علمهم التشهد آمرًا لهم به، وفيه ذكر التسليم عليه ﷺ، فسألوه عن الصلاة عليه (^٣) فعلمهم إياها، ثم شَبَّهَهَا بما عُلِّمُوْهُ من التسليم عليه، وهذا يدل على أن (^٤) الصلاة والتسليم المذكورين في الحديث هما الصلاة والتسليم عليه في الصلاة.
يوضحه: أنه لو كان المراد بالصلاة والتسليم عليه خارج الصلاة، لا فيها، لكان (^٥) قال مُسْلم منهم إذا سَلَّم عليه يقول له: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته". وكان المعلوم أنهم لم يكونوا يتقيدون (^٦) في السلام عليه بهذه الكيفية، بل كان الداخل
_________________
(١) تقدم برقم (١ و٢ و٤ و٦).
(٢) تقدم برقم (١ و٢ و٦) ووقع في (ج) (والمجلس واحد).
(٣) سقط من (ظ، ت) (عليه فعلمهم إياها)، وسقط من (ج) (فسألوه .. التسليم عليه).
(٤) في (ظ) (للصلاة).
(٥) في (ظ (لكل).
(٦) في (ش) (يتعبَّدون).
[ ٤١٠ ]
منهم يقول: "السلام عليكم"، وربما قال: "السلام على رسول الله"، وربما قال: "السلام عليك يا رسول الله" ونحو ذلك، وهم لم يزالوا يُسَلِّمون عليه من أوَّلِ الإسلام بتحيَّة الإسلام، وإنما الذي عُلِّمُوهُ قدرًا زائدًا عليها، هو السَّلام عليه (^١) في الصلاة.
٣٥٤ - يوضحه: حديث ابن إسحاق: "كيف نصلي إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا"، وقد صحَّحَ هذه اللفظة جماعة من الحفاظ: منهم ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني، والبيهقي، وقد تقدم في أول الكتاب (^٢)، وما أُعِلَّت به، والجواب عن ذلك.
وإذا تقرر أن الصلاة المسؤول عن كيفيتها هي الصلاة عليه في نفس الصلاة، وقد خرج ذلك مخرج البيان المأمور به منها في القرآن؛ ثبت أنها على الوجوب، وينضاف إلى ذلك أمر النبي ﷺ بها، ولعل هذا وجه ما أشار إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى بقوله: "كنت أتهيب ذلك، ثم تبينت فإذا هي واجبة". وقد تقدم حكاية كلامه.
وعلى هذا الاستدلال أسئلة (^٣):
أحدها: أن قوله ﷺ: "والسَّلام كَمَا عَلِمْتُم" يحتمل أمرين:
_________________
(١) في (ب) (عليكم) وهو خطأ.
(٢) تقدم برقم (١) ص ٧ - ١٠.
(٣) في (ش، ب) (الاسؤلة) وفي (ظ) (أسؤلة).
[ ٤١١ ]
أحدهما: أن يراد به السلام عليه في الصلاة.
والثاني: أن يراد به السلام من الصلاة نفسها. قاله (^١) ابن عبد البر (^٢).
الثاني: أن غاية ما ذكرتم إنما يدلُّ دِلالة اقتران الصلاة بالسلام، والسلامُ واجب في التشهد، فكذا الصلاة، ودِلالة الاقتران ضعيفة.
الثالث: أنا لا نُسلِّم وجوبَ السَّلام، ولا الصلاة، وهذا الاستدلال منكم إنما يتمُّ بعد تسليم وجوب السلام عليه ﷺ.
والجواب عن هذه الأسئلة (^٣):
أما الأول: ففاسد جدًا؛ فإنَّ في نفس الحديث ما يبطله، وهو أنهم قالوا:
٣٥٥ - "هذا السلام عليك يا رسول الله قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ " لفظ البخاري (^٤) في حديث أبي سعيد ﵁. وأيضًا فإنهم إنما سألوا النبي ﷺ عن كيفية الصلاة والسلام المأمور بهما في الآية، لا عن كيفية السلام من الصلاة.
_________________
(١) في (ب) قال، وهو خطأ.
(٢) انظر: التمهيد (١٦/ ١٨٦) فقد قال (وقيل: … فذكر هذا الكلام).
(٣) في (ش، ظ، ب، ج) (الأسؤلة).
(٤) تقدم برقم (٦).
[ ٤١٢ ]
وأما السؤال الثاني: فسؤال مَنْ لم يفهم وجه تقرير الدلالة، فإنا لم نحتج بدلالة الاقتران، وإنما استدللنا بالأمر بهما (^١) في (^٢) القرآن، وَبَيَّنَّا أن الصلاة التي سألوا النبي ﷺ أن يعلمهم إياها؛ إنَّما هي الصلاة التي (^٣) في الصلاة.
وأما السؤال الثالث (^٤): ففي غاية الفساد، فإنه لا يعترض على الأدلة من الكتاب والسنة بخلاف المخالف، فكيف يكون خلافكم في مسألة قد قام الدليل على قول منازعكم (^٥) فيها مبطلًا لدليل صحيح لا معارض له في مسألة أخرى، وهل هذا إلا عكس طريقة أهل العلم؛ فإنَّ الأدلة هي التي تُبْطلُ ما خالفها من الأقوال، ويُعْتَرَضُ بها على من خالف موجبها، فَتُقَدَّم على كلِّ قول اقتضى خلافها، لا أن أقوال المجتهدين تُعَارَض بها الأدلة وتُبْطِلُ مقتضاها (^٦) وتُقدَّم عليها. ثم إن الحديث حجة عليكم في المسألتين، فإنه دليل على وجوب التسليم والصلاة عليه ﷺ، فيجب المصير إليه.
الدليل الثاني: أن النبي ﷺ كان يقول ذلك في التشهد،
_________________
(١) في (ب، ش، ح) (بها) وهو خطأ.
(٢) سقط من (ب، ش) (في القران).
(٣) سقط من (ش) (من قوله (التي سألوا …) - إلى- (الصلاة التي).
(٤) سقط من (ج) (الثالث).
(٥) في (ح) (منازعيكم).
(٦) في (ب) (مقتاها) وفي (ش) (معناها).
[ ٤١٣ ]
وأمرنا أن نصلي كصلاته (^١)، وهذا يدل على وجوب فعل (^٢) ما فعل في الصلاة إلا ما خصَّه الدليل، فهاتان مقدمتان:
٣٥٦ - أما المقدمة الأولى: فبيانها ما روى الشافعي في "مسنده" (^٣): عن إبراهيم بن محمد، حدثني سعيد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن النبي ﷺ أنه كان يقول في الصلاة: "اللهم صل على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وآل إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد، كما باركت على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد". وهذا وإن كان فيه إبراهيم بن (^٤) أبي يحيى، فقد وثقه جماعة، منهم الشافعي ﵀، وابن الأصبهاني، وابن عدي، وابن عقدة، وضعفه آخرون (^٥).
٣٥٧ - أما المقدمة الثانية: فبيانها ما روى البخاري في "صحيحه" (^٦): عن مالك بن الحويرث، قال: أتينا النبي ﷺ ونحن شَبَبَة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، فظن أنا اشتقنا إلى أهلنا،
_________________
(١) لقوله (صلوا كما رأيتموني أصلي) من حديث مالك بن الحويرث. وسيأتي تخريجه.
(٢) سقط من (ب).
(٣) رقم (٢٧٩) وسنده ضعيف جدًا.
(٤) في (ب) (إبراهيم بن إسحاق) وهو خطأ، وإنما يكنى بأبي إسحاق.
(٥) انظر: تهذيب الكمال (٢/ ١٨٤ - ١٩١).
(٦) في (١٤) الأذان (٦٠٥) واللفظ له، ومسلم في (٥) المساجد ومواضع الصلاة (٦٧٤).
[ ٤١٤ ]
وسألنا عمن تركنا في أهلنا؟ فأخبرناه، وكان رفيقًا رحيمًا، فقال: "ارْجعُوا إلى أهْلِيْكُم فعلِّمُوهم، ومُرُوهم، وصَلُّوا كَمَا رَأيتُمُوني أُصَلَّي، وإذا حضرتِ الصَّلاة فلْيؤذِّن لكم (^١) أحدكم وليؤمكم أكبركم".
وعلى هذا الاستدلال من الأسئلة (^٢) والاعتراضات ما هو مذكور في غير هذا الموضع.
٣٥٨ - الدليل الثالث: حديث فضالة بن عبيد (^٣)، فإن النبي ﷺ قال له أو لغيره: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله، والثناء عليه، والصلاة، ثم ليصل على النبي ﷺ، ثم ليدع بعد بما شاء" وقد تقدم، رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وأهل السنن. وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم.
واعترض عليه بوجوه:
أحدها: أن النبي ﷺ لم يأمر هذا المصلي بالإعادة، وقد تقدم جوابه.
الثاني: أن هذا الدعاء كان بعد انقضاء الصلاة، لا فيها، بدليل
٣٥٩ - ما روى الترمذي في "جامعه" (^٤): من حديث
_________________
(١) سقط من (ح) (لكم).
(٢) في (ب، ظ، ش، ج) (الأسؤلة).
(٣) تقدم برقم (٤٤).
(٤) رقم (٣٤٧٧) وقال: هذا حديث حسن".
[ ٤١٥ ]
رِشْدِين (^١) في هذا: بينا رسول الله ﷺ قاعد إذ دخل رجل فصلى فقال: اللهم اغفر لي وارحمني، فقال رسول الله ﷺ: "عجلت (^٢) أيها المصلي، إذا صَلَّيْتَ فقعدتَ، فاحْمَدِ الله بما هو أهله، وصلِّ عليِّ، ثم ادْعُهْ".
وجواب هذا من وجوه:
أحدها: أن رشدين ضعفه أبو زرعة، وغيره، فلا يكون حجة مع استقلاله، فكيف إذا خالف الثقات (^٣) الأثبات، لأن كل من روى هذا الحديثما قال فيه: "سمع النبي ﷺ رجلًا يدعو في صلاته".
الثاني: أن رشدين لم يقل في حديثه: إن هذا الداعي دعا بعد انقضاء الصلاة، ولا يدلُّ لفظه على ذلك، بل قال: "فصلى فقال: اللهم اغفر لي". وهذا لا يدل على أنه قال بعد فراغه من الصلاة. ونفْسُ الحديث دليل على ذلك، فإنه قال: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله"، ومعلوم أنه لم يُرِدْ بذلك الفراغ من الصلاة؛ بل الدخول فيها. ولا سيما فإنَّ عامَّة أدعية النبي ﷺ إنما
_________________
(١) = من طريق رشدين بن سعد عن أبي هاني حميد بن هانيء الخولاني عن أبي علي عمرو بن مالك الجنبي عن فضالة فذكره.
(٢) وقع في (ب) (رشيدين) وهو خطأ، ومثله ما بعده. انظر: تهذيب الكمال (٩/ ١٩٣ - ١٩٦).
(٣) إضافة من سنن الترمذي، وليست في جميع النسخ.
(٤) كعبد الله بن وهب، وحيوة بن شريح. عند أبي داوود (١٤٨١)، وابن خزيمة رقم (٧٠٩) وغيرهما.
[ ٤١٦ ]
كانت في الصلاة، لا بعدها، لحديث (^١) أبي هريرة، وعلي، وأبي موسى، وعائشة، وابن عباس، وحذيفة، وعمار (^٢)، وغيرهم (^٣)، ولم يَنْقُلْ (^٤) أحد منهم أنه ﷺ كان يدعو به في صلاته في حديث صحيح.
ولما سأله الصِّدِّيق (^٥) دعاءً يدعو به في صلاته لم يقل: ادع به خارج الصلاة، ولم يقل لهذا الداعي: ادع به بعد سلامك من الصلاة، لا سِيَّما (^٦) والمصلي مناجٍ ربَّه، مُقْبل عليه، فدعاؤه ربه تعالى في هذه الحال أنْسَب من دعائه له بعد انصرافه عنه وفراغه من مناجاته.
الثالث: أن قوله ﷺ: "فاحمد الله بما هو أهله"، إنما أراد به التشهد في القعود، ولهذا قال: "إذا صليت فقعدت"، يعني في تشهدك، فأمَرَه بحمد الله والثَّناء عليه، والصلاة على رسوله ﷺ.
الاعتراض الثالث: أن الموضع (^٧) الذي أمره أن يصلي فيه، ويدعو بعد تحميد الله غير مُعَيَّن (^٨)، فلِمَ قلتم: إنه بعد التشهد.
وجواب هذا: أنه ليس في الصلاة موضع يشرع فيه الثناء على
_________________
(١) في (ب، ش) (كحديث).
(٢) سقط من (ب) ما بين القوسين.
(٣) انظر هذه الأحاديث في الوابل الصيب للمؤلف ص ٢٣٢ - ٢٣٥.
(٤) وقع في (ظ) (يَقُلْ).
(٥) تقدم ص ٣٧٣.
(٦) في (ظ، ب) (ولا سيما).
(٧) زيادة يقتضيها السياق.
(٨) في (ب) (غير معلوم).
[ ٤١٧ ]
الله، ثُمَّ الصَّلاة على رسوله ﷺ، ثُمَّ الدُّعاء، إلا في التشهد آخر الصَّلاة، فإن ذلك لا يشرع في القيام، ولا الركوع، ولا السُّجود اتِّفَاقًا، فَعُلِم أنَّه إنَّما أراد به آخر الصلاة حال جلوسه في التشهد.
الاعتراض الرابع: أنه أَمَرَهُ فيه (^١) بالدُّعاء عَقِبَ الصَّلاة عليه، والدعاء ليس بواجب، فكذا الصلاة عليه ﷺ.
وجواب هذا: أنه لا يستحيل أن يأمر بشَيْئَيْن، فيقوم الدليل على عدم وجوب أحدهما، فيبقى الآخر على أصل الوجوب.
الثاني: أن هذا المذكور من الحمد والثناء هو واجب قبل الدعاء، فإنه هو التشهد، وقد أُمِرَ النَّبي ﷺ به، وأخبر الصحابة أنه فرض عليهم، ولم يكن (^٢) اقتران الأمر بالدعاء به (^٣) مسقطًا لوجوبه، فكذا الصلاة على النبي ﷺ.
الثالث: أن قولكم: "الدعاء لا يجب"، باطل، فإن من الدعاء ما هو واجب، وهو الدعاء بالتوبة والاستغفار من الذنوب، والهداية والعفو، وغيرها، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال:
_________________
(١) سقط من (ب)، وفي (ج) (أنه أمر فيه).
(٢) في (ب) (ولم يقترن الأمر)، وفي (ت) (ولم يكن الاقتران الأمر بالدعاء به مسقطًا)، وفي (ج) (افتراض).
(٣) في (ب) (بالدعاء ومسقطًا).
[ ٤١٨ ]
٣٦٠ -: "من لم يسأل الله يغضب عليه" (^١).
والغضب لا يكون إلا على ترك واجب، أو فعل محرم.
الاعتراض الخامس: أنه لو كانت الصلاة على النبي ﷺ فرضًا في الصلاة لم يؤخر بيانها إلى هذا الوقت، حتى يرى رجلًا لا يفعلها فيأمره بها، ولكان العلم بوجوبها مستفادًا قبل هذا الحديث.
وجواب هذا: أنا لم نقل: إنها ما (^٢) وجبت على الأُمَّة إلا بهذا الحديث، بل هذا المصلي كان (^٣) قد تركها، فأمره النبي ﷺ بما هو مُسْتَقِرٌّ معلوم من شرعه. وهذا كحديث المسيء في صلاته، فإن وجوب الركوع والسجود والطمأنينة على الأُمَّة لم يكن مستفادًا من حديثه وتأخيرِ بيان النبي ﷺ لذلك إلى حين صلاة هذا الأعرابي، وإنما أمره أن يصلي الصلاة التي شرعها لأُمَّتِهِ قبل هذا.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٣٧٣)، وابن ماجه (٣٨٢٧)، وأحمد (٢/ ٤٤٢ و٤٧٧) وغيرهم. من طريق أبي صالح الخوزي عن أبي هريرة فذكره مرفوعًا. وسنده منكر، تفرد به أبو صالح الخوزي، وهو لم يرو عنه غير أبي المليح، وقد قال فيه يحيى بن معين: ضعيف الحديث. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال ابن حجر: لين الحديث. وقد جعل ابن عدي هذا الحديث من مفاريده. انظر: تهذيب الكمال (٣٣/ ٤١٨)، والكامل في الضعفاء (٧/ ٢٩٤ - ٢٩٥).
(٢) سقط من (ح).
(٣) ليس في (ب).
[ ٤١٩ ]
الاعتراض السادس: أن أبا داود والترمذي قالا في هذا الحديث، حديث فضالة: "فقال له، أو لغيره". بحرف "أو"، ولو كان هذا واجبًا على كل مُكَلَّف لم يكن ذلك له أو لغيره.
وهذا اعتراض فاسد من وجوه:
أحدها: أن الرواية الصحيحة التي رواها ابن خزيمة، وابن حبان "فقال له ولغيره" بالواو، وكذا رواه أحمد، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم (^١).
الثاني: أن "أو" هنا ليست للتَّخْيير، بل للتَّقْسِيم، والمعنى أن أي مُصلٍّ صلى فليقل ذلك، هذا أو (^٢) غيره، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾ [الدهر: ٢٤]، ليس المراد التخيير، بل المعنى أن أيهما كان فلا تطعه إما هذا وإما هذا.
الثالث: أن الحديث صريح في العموم بقوله: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله" فذكره.
الرابع: أن في رواية النسائي، وابن خزيمة: "ثم علمهم رسول الله ﷺ". فذكره، وهذا عام.
الدليل الرابع: ثلاثة أحاديث كل منها لا تقوم الحُجَّة به عند انفراده، وقد يُقَوِّي بَعْضُها بعضًا عند الاجتماع.
_________________
(١) تقدم تخريجه رقم (٤٤).
(٢) في (ب، ش) (هذا وغيره)، وفي (ج) (فليقل في ذلك أو غيره).
[ ٤٢٠ ]
٣٦١ - أحدها: ما رواه الدارقطني (^١): من حديث عمرو بن شِمْر، عن جابر -هو الجعفي- عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: "يا بريدة! إذا (^٢) صليت في صلاتك فلا تتركن التشهد والصلاة علي، فإنها زكاة الصلاة، وسلم على جميع أنبياء الله ورسله، وسلم على عباد الله الصالحين".
٣٦٢ - الثاني: ما رواه الدارقطني (^٣) أيضًا: من طريق عمرو ابن شِمْر، عن جابر، قال: قال الشعبي: سمعت مسروق (^٤) بن الأجدع يقول: قالت عائشة ﵂: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقبل الله صلاة إلا بطهور، وبالصلاة علي". لكن عمرو بن شمر (^٥)، وجابر لا يحتج بحديثهما، وجابر أصلح من عمرو.
٣٦٣ - الثالث: ما رواه الدارقطني (^٦): من حديث عبد المهيمن بن عباس (^٧) بن سهل بن سعد، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: "لا صلاة لمن لم يصل على نبيه ﷺ "، ورواه
_________________
(١) في السنن (١/ ٣٥٥).
(٢) في نسخة (ظ) على حاشية (ب) (إذا جلست). وسنده واهي جدًا.
(٣) في السنن (١/ ٣٥٥)، وسنده واهي جدًا.
(٤) في (ب، ش) (مروان) وهو خطأ.
(٥) قال البخاري: منكر الحديث. وقال الجوزجاني: زائغ كذاب. وغير ذلك. انظر: التاريخ الكبير (٦/ ٣٤٤)، والميزان (٥/ ٣٢٤) رقم (٦٣٣٤).
(٦) في السنن (١/ ٣٥٥). وسنده واهي وقد تقدم برقم (٣٦).
(٧) في (ب، ت، ش، ج) (عياش) وهو خطأ.
[ ٤٢١ ]
الطبراني (^١) من حديث أبي بن عباس، عن أبيه، عن جده. وعبد المهيمن ليس بحجة، وأُبيّ أخُوه وإن كان ثقة احتج به البخاري، فالحديث المعروف فيه إنما هو من رواية عبد المهيمن، ورواه الطبراني (^٢) بالوجهين، ولا يثبت.
الدليل الخامس: أنه قد ثبت وجوبها عن ابن مسعود، وابن عمر، وأبي مسعود الأنصاري، وقد تقدم ذلك (^٣)، ولم يُحْفَظْ عن أحد من الصحابة أنه قال: لا تجب، وقول الصحابي إذا لم يخالفه غيره حُجَّة، ولا سيما على أصول أهل المدينة والعراق.
الدليل السادس: أن هذا عمل الناس من عهد نبيهم إلى الآن، ولو كانت الصلاة عليه ﷺ غير واجبة لم يكن اتفاق الأمة في سائر الأمصار والأعصار على قولها في التشهد وترك الإخلال بها. وقد قال مُقَاتِل بن حَيَّان (^٤) في "تفسيره" في قوله ﷿: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [المائدة: ٥٥]، قال: "إقامتها المحافظة عليها، وعلى أوقاتها، والقيام فيها، والركوع والسجود، والتشهد، والصلاة على
_________________
(١) في المعجم الكبير (٦/ ٥٦٩٩).
(٢) في المعجم الكبير (٦/ ٥٦٩٨ و٥٦٩٩).
(٣) تقدم برقم (٣٣٣ - ٣٣٦).
(٤) هو النبطي أبو بسطام البلخي الخراز، كان عابدًا صالحًا كبير القدر، صاحب سنة، صدوقًا في الحديث له تفسير، توفي قبل سنة ١٥٠ هـ. انظر: تهذيب الكمال (٢٨/ ٤٣١ - ٤٣٣)، وطبقات المفسرين للداوودي (٢/ ٣٢٩ - ٣٣٠)، وقد وقع في (ب) (حبان) وهو خطأ.
[ ٤٢٢ ]
النبي ﷺ في التشهد الأخير"، وقد قال الإمام أحمد: "الناس في التفسير عِيَال على مقاتل (^١) ".
قالوا: فالصلاة على النبي ﷺ في الصلاة من إقامتها المأمور بها، فتكون واجبة، وقد تمسك أصحاب هذا القول بأقْيِسَة (^٢) لا حاجة إلى ذكرها.
قالوا: ثم نقول لمنازعينا: ما منكم إلا من أوجب في الصلاة أشياء بدون هذه الأدلة، هذا أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول بوجوب الوتر، وأين أدلَّة وجوبه من أدلّة وجوب الصَّلاة على النبي ﷺ، ويُوجب الوضوء على من قَهْقَهَ في صلاته بحديث مرسل لا يُقاوِمُ أدلتَنا في هذه المسألة، ويوجب الوضوء من القيء، والرّعاف، والحجامة، ونحوها بأدلة لا تقاوم أدلة هذه المسألة.
ومالك رحمه الله تعالى يقول: إن في الصلاة أشياء بين الفرض والمستحب ليست بفرض، وهي فوق الفضيلة والمستحبة يسميها (^٣) أصحابه سننًا؛ كقراءة سورة مع الفاتحة، وتكبيرات الانتقال، والجلسة الأولى، والجهر والمخافتة، ويُوْجِبُون السجود في تركها على تفصيل لهم فيه.
_________________
(١) في (ظ، ت، ج) (الناس عيال في التفسير على مقاتل).
(٢) في (ب) (فأقيسة).
(٣) من (ح)، وفي باقي النسخ (يسمونها).
[ ٤٢٣ ]
وأحمد رحمه الله تعالى يُسَمِّي هذه واجبات، ويوجب السجود لتركها سهوًا.
فإيجاب الصلاة على النبي ﷺ إن لم يكن أقوى من إيجاب كثير من هذه فليست دونها.
فهذا ما احْتَجَّ به الفريقان في هذه المسألة.
والمقصود أنَّ تَشْنيع المشنِّع فيها على الشافعي باطل، فإن مسألة فيها من الأدلة والآثار مثل هذا كيف يُشنَّع على الذاهب إليها؟! والله أعلم.