الأولى: امتثالُ أمْر الله ﷾.
الثانية: موافقته سبحانه في الصلاة عليه ﷺ، وإن اختلفت الصلاتان، فصلاتنا عليه دعاء وسؤال، وصلاة الله تعالى عليه ثناء وتشريف كما تقدم.
الثالثة: موافقة ملائكته فيها.
الرابعة: حصول عشر صلوات من الله عَلَى المُصَلِّي عليه (^٢) مرّة.
الخامسة: أنه يُرْفَعُ له عشر درجات.
السادسة: أنه يُكْتَبُ له عشر حسنات.
السابعة: أنه يُمْحَى عنه عشر سيئات.
الثامنة: أنه يُرْجَى إجابة دعائه إذا قدَّمها أمامه، فهي تصاعد
_________________
(١) في جميع النسخ (الخامس)، وظاهر كلام المؤلف في أول الكتاب ومقتضاه أنه (الرابع).
(٢) من (ش، ب) قوله (عليه)، وسقط من باقي النسخ.
[ ٥٢١ ]
الدعاء إلى عند ربِّ العالمين، وكان موقوفًا بين السماء والأرض قبلها (^١).
التاسعة: أنها سبب لشفاعته ﷺ إذا قرنها بسؤال (^٢) الوسيلة له (^٣) أو أفردها، كما تقدم حديث رُوَيْفِع بذلك (^٤).
العاشرة: أنها سبب لغفران الذنوب، كما تقدم.
الحادية عشرة: أنها سبب لكفاية الله العبد ما أهمَّه.
الثانية عشرة: أنها سبب لقرب العبد منه ﷺ يوم القيامة، وقد تقدم حديث ابن مسعود بذلك (^٥).
الثالثة عشرة: أنها تقوم مقام الصَّدقة لذي العُسْرَة.
الرابعة عشرة: أنها سبب لقضاء الحوائج.
الخامسة عشرة: أنها سبب لصلاة الله على المصلِّي وصلاة ملائكته عليه.
السادسة عشرة: أنها زكاة للمصلي وطهارة له.
السابعة عشرة: أنها سبب لتبشير العبد بالجنة قبل موته، ذكره
_________________
(١) سقط من (ظ، ت، ج) من قوله (وكان موقوفًا) إلى (قبلها).
(٢) سقط من (ب) قوله (بسؤال).
(٣) سقط من (ش) قوله (له).
(٤) تقدم برقم (١٠٧، ١٠٨).
(٥) تقدم برقم (٤١).
[ ٥٢٢ ]
الحافظ أبو موسى في كتابه، وذكر فيه حديثًا (^١).
الثامنة عشرة: أنها سبب للنَّجاة من أهوال يوم القيامة، ذكره أبو موسى وذكر فيه أيضًا حديثًا (^٢).
التاسعة عشرة: أنها سبب لِردِّ النَّبي صلى الله تعالى عليه وسلم الصلاة والسلام على المصلي والمسلم عليه.
العشرون: أنها لسب لتذكر العبد ما نَسِيَه، كما تقدم (^٣).
الحادية والعشرون: أنها سبب لطيب المجلس، وأن لا يعود حَسْرة على أهله يوم القيامة.
الثانية والعشرون: أنها سبب لنفي الفقر، كما تقدم (^٤).
الثالثة والعشرون: أنها تنفي عن العبد اسم البُخْل إذا صلى عليه عند ذكره ﷺ.
الرابعة والعشرون: نجاته من الدُّعاء عليه بِرُغْمِ الأنْف إذا تَرَكَها عند ذكره ﷺ (^٥).
_________________
(١) انظره في القول البديع ص ١٢٧ وهو حديث منكر. قاله ابن حجر والسخاوي.
(٢) انظره في القول البديع ص ١١٦ وهو حديث ضعيف جدًا.
(٣) رقم (٤٦٤).
(٤) رقم (٤٥٣).
(٥) سقط من (ظ، ت) الفائدة الرابعة والعشرون كاملة.
[ ٥٢٣ ]
الخامسة والعشرون: أنها ترمي صاحبها على طريق الجنة، وتخطئ بتاركها عن طريقها (^١).
السادسة والعشرون: أنها تنجي من نَتَنِ المجلس الذي لا يُذكرُ فيه الله ورسوله، ويُحْمد الله تعالى ويُثْنى عليه فيه، ويُصلَّى على رسوله ﷺ.
السابعة والعشرون: أنها سبب لتمام الكلام الذي ابتدئ بحمد الله والصلاة على رسوله ﷺ.
الثامنة والعشرون: أنها سبب لوفور نور العبد على الصِّراط، وفيه حديث ذكره أبو موسى وغيره (^٢).
التاسعة والعشرون: أنه يخرج بها العبد عن الجفاء.
الثلاثون: أنها سبب لإلقاء (^٣) الله سبحانه الثناء الحسن للمصلي عليه بين أهل السماء والأرض: لأن المصلي طالب من الله أن يثني على رسوله ويكرمه ويشرفه، والجزاء من جنس العمل، فلابُدَّ أن يحصل للمصلي نوع من ذلك.
الحادية والثلاثون: أنها سبب للبركة في ذات المصلي وعمله وعمره، وأسباب مصالحه، لأن المصلي داعٍ ربه أن يبارك عليه
_________________
(١) في (ب، ش) (طريق الجنة) بدلًا من (طريقها).
(٢) انظره في الترغيب والترهيب للأصبهاني (٢/ ١٦٨٢) وهو ضعيف جدًا.
(٣) في (ح) (لإبقاء).
[ ٥٢٤ ]
وعلى آله، وهذا (^١) الدعاء مستجاب، والجزاء من جنسه.
الثانية والثلاثون: أنها سبب لنيل رحمة الله له، لأن الرحمة: إما بمعنى الصلاة كما قاله طائفة، وإما من لوازمها وموجباتها على القول الصحيح، فلابد للمصلي عليه من رحمة تناله.
الثالثة والثلاثون: أنها سبب لدوام محبَّته للرسول ﷺ وزيادتها وتضاعفها، وذلك عقد من عقود الإيمان الذي لا يَتِمُّ إلا به، لأن العبد كلما أكثر من ذكر المحبوب، واستحضارِهِ في قلبه، واستحضارِ محاسنه ومعانيه الجالبة لحبه = تضاعف حُبُّهُ له (^٢) وتزايد شوقه إليه، واستولى على جميع قلبه. وإذا أعْرَض عن ذكره وإخْطارِهِ وإِخْطارِ (^٣) محاسنه بقلبه، نقص حبه من قلبه. ولا شيء أَقرَّ لعين المُحِبِّ من رؤية محبوبه، ولا أَقرَّ لقلبه من ذكره وإخطاره وإخطار (^٤) محاسنه. إذا قوي هذا في قلبه، جرى لسانه بمدحه والثناء عليه، وذكر محاسنه، وتكون زيادة ذلك ونقصانه يحسب زيادة الحب ونقصانه في قلبه، والحس شاهد بذلك، حتى قال بعض (^٥) الشعراء في ذلك:
_________________
(١) ليس في (ب) فقط (هذا).
(٢) ليس في (ب) (له).
(٣) وقع في (ح) (وإحضاره وإحضار …)، وانظر اللسان (٤/ ٢٤٩) (مادة: خطر).
(٤) وقع في (ح) (ذكره واحضار محاسنه …).
(٥) سقط من (ح) (بعض).
[ ٥٢٥ ]
عَجِبْتُ لِمَنْ يَقُولُ: ذَكَرْتُ حِبِّي … وَهلْ أنْسَى فأذْكُرُ ما نَسِيْتُ؟! (^١)
فتعجب هذا المحب ممن يقول: ذكرت محبوبي، لأن الذكر يكون بعد النسيان، ولو كمل حب هذا لما نسي محبوبه.
(وقال آخر:
أُرِيْدُ لأنْسَى ذِكْرَهَا فكأنَّمَا … تَمَثَّلُ لِيْ لَيْلَى بكلِّ سَبِيْلِ
فهذا أخبر عن نفسه أن محبته لها مانع له من نسيانها) (^٢).
وقال آخر (^٣):
يُرَادُ مِنَ القَلْبِ نِسْيَانكُم … وتَأْبَى الطِّبَاعُ على النَّاقِل
فأخبر أن حبهم وذكرهم قد صار طبعًا له، فمن أراد منه خلاف ذلك أبت عليه طباعه أن تنتقل عنه، والمثل المشهور: "من أحب شيئًا أكثر من ذكره" (^٤)، وفي هذا الجناب الأشرف أحق ما أُنشد:
لَوْ شُقَّ عَنْ قَلْبِي فِرَى وسطه (^٥) … ذِكْرُك والتَّوحِيْد فِيْ سَطْرِ
_________________
(١) في (ح) (من نسيت) و(ج) (فإذا) بدل (فاذكر) والبيت لم أقف عليه.
(٢) سقط من (ب، ش) من قوله (وقال آخر أريد لأنسى …) إلى قوله (له من نسيانها)، وانظر البيت لِكُثَيِّرِ عزَّة في ديوانه ص ١٠٨. ط: إحسان عباس.
(٣) هو المتنبي انظر ديوانه (٢/ ٢٦ - العرف الطَّيِّب).
(٤) انظر: مجمع الأمثال للميداني (٢/ ٣٢٩).
(٥) وقع في (ظ، ج) فقط (وجهه)، وفي (ش، ب) (قرى) بدلًا من (فرى)، والبيت لم أقف عليه.
[ ٥٢٦ ]
فهذا قلب المؤمن: توحيدُ الله وذكرُ رسوله ﷺ مكتوبان فيه لا يتطرَّق إليهما (^١) مَحْو ولا إزالة، ولمَّا كانت كثرة ذكر الشيء موجبة لدوام محبَّته، ونسيانه سببًا لزوال محبته أو ضعفها، وكان الله سبحانه هو المستحقُّ من عباده نهاية الحبِّ مع نهاية التعظيم، بل الشرك الذي لا يغفره الله تعالى هو أن يُشْرك به في الحُبِّ والتَّعظيم، فيحِب غيره ويعظم من المخلوقات غيره (^٢)، كما يحب الله تعالى ويعظمه، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، فأخبر سبحانه أن المشرك يُحِبُّ النِّدَّ كما يُحِبُّ اللهَ تعالى، وأن المؤمن أشدُّ حُبًّا لله من كل شيء، وقال أهل النار في النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨]، ومن المعلوم أنَّهم إنَّما سَوُّوهم به سبحانه في الحبّ والتألّه والعبادة (^٣)، وإلا فلمْ يقل أحد قطُّ إنَّ الصَّنَم أو غيره من الأنداد مساوٍ لرب العالمين ﷾ في صفاته، وفي أفعاله، وفي خلق السماوات والأرض، وفي خلق عباده (^٤) أيضًا، وإنما كانت التسوية في المحبة والعبادة.
وأضلُّ من هؤلاء وأسوأ حالًا مَنْ سوَّى كل شيء بالله سبحانه
_________________
(١) في (ب) (إليها).
(٢) من (ح) فقط.
(٣) سقط من (ش).
(٤) في (ش، ح، ب) (عابده).
[ ٥٢٧ ]
في الوجود، وجعله وجود كل موجود كامل أو ناقص، فإذا كان الله قد حكم بالضلال والشقاء لمن سوى بينه وبين الأصنام في الحب، مع اعتقاد تفاوت ما بين الله وبين خلقه في الذَّات والصفات والأفعال، فكيف بمن سوَّى الله بالموجودات في جميع ذلك، وزعم أنه ما عَبَدَ غيرَ الله في كل معبود.
والمقصود: أن دوام الذكر لما كان سببًا لدوام المحبة، وكان الله سبحانه أحق بكمال الحب والعبودية والتعظيم والإجلال= كان كثرة ذكره من أنفع ما للعبد، وكان عدوه حقًا هو الصاد له عن ذكر ربه ﷿ وعبوديته؛ ولهذا أَمَرَ سبحانه بكثرة ذكره في القرآن، وجعله سببًا للفلاح، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ١٠]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١)﴾ [الأحزاب: ٤١]، وقال: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]، وقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢].
٤٧٩ - وقال النبي ﷺ: "سَبَقَ المُفرِّدُون"، قالوا: يا رسول الله وما المُفَرِّدُون؟ قال: "الذَّاكِرُون اللهَ كثيرًا والذَّاكِرات" (^١).
_________________
(١) أخرجه مسلم في (٤٨) الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار رقم (٢٦٧٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٥٢٨ ]
٤٨٠ - وفي الترمذي (^١): عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ، أنه قال: "ألا أدلكم على خير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ "، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "ذكر الله"، وهو في الموطأ موقوف على أبي الدرداء.
٤٨١ - قال معاذ بن جبل: "ما عمل آدمي عملًا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله" (^٢). وذكر رسوله ﷺ تبع لذكره.
والمقصود: أنَّ دوامَ الذِّكْر سببٌ لدوام المحبَّة، فالذِّكْر
_________________
(١) رقم (٣٣٧٧)، وابن ماجه (٣٧٩٠)، وأحمد (٥/ ١٩٥)، والبيهقي في الدعوات رقم (٢٠) وغيرهم من طرق، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن زياد بن أبي زياد مولى ابن عياش عن أبي بحرية عن أبي الدرداء فذكره. وهو معلول، خالفه الإمام مالك وموسى بن عقبة فروياه عن زياد عن أبي الدرداء موقوفًا، بإسقاط (أبي بحرية). أخرجه مالك في الموطأ برقم (٥٦٤)، وأحمد في المسند (٦/ ٤٧٧) و(٥/ ١٩٥) وهذا الصواب، وعليه فهو منقطع موقوف. وروي موقوفًا من وجه آخر عن أبي الدرداء. أخرجه ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ٩٦ - ٩٧) من طريق جعفر الفريابي في "الذكر" * وسنده حسن *
(٢) أخرجه الترمذي (٣٣٧٧)، وابن ماجه (٣٧٩٠)، والبيهقي في الدعوات رقم (٢٠) وغيرهم بالإسناد السابق وفيه علة الانقطاع. ورواه سعيد بن المسيب عن معاذ موقوفًا، وهو منقطع. أخرجه الفريابي في الذكر (١/ ٩٧، نتائج الأفكار).
[ ٥٢٩ ]
للقلب كالماء للزَّرع، بل كالماء للسَّمك، لا حياةَ له إلا به.
وهو (^١) أنواع:
- ذكْرُه بأسمائه، وصفاته، والثناء عليه بها (^٢).
- الثاني: تسبيحه وتحميده وتكبيره وتهليله وتمجيده، وهو (^٣) الغالب من استعمال لفظ الذِّكر عند المتأخرين (^٤).
- الثالث: ذِكْرُه بأحكامه وأوامره ونواهيه، وهو ذِكْرُ أهل العلم، بل الأنواع الثلاثة هي ذِكْرُهم لربِّهم.
- ومن أفضل ذِكْرِهِ ذِكْرُهُ بكلامه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٤]، فذِكْرُهُ هنا: كلامُه الذي أنْزله على رسوله، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
- ومن ذِكْره سبحانه: دعاؤه واستغفاره والتَضرُّع إليه.
فهذه خمسة أنواع من الذِّكْر.
الفائدة الرابعة والثلاثون: أن الصَّلاة عليه ﷺ (سَبَبٌ لِمَحبَّته للعبد، فإنها إذا كانت) (^٥) سببًا لزيادة محبَّة المصلّى عليه له،
_________________
(١) في (ب، ش) (وهذه).
(٢) سقط من (ظ، ت، ج) قوله (بها).
(٣) وقع في (ظ، ج) فقط (والغالب) بدلًا من (وهو الغالب).
(٤) في (ش، ظ، ج) (عند المتأخرين هذا).
(٥) وقع في (ب) قول (كما كانت) بدلًا مما بين القوسين.
[ ٥٣٠ ]
فكذلك هي سبب لمحبته هو للمصلي عليه ﷺ.
الخامسة والثلاثون: أنها سبب لهداية العبد وحياة قلبه، فإنه كُلَّما أكثر الصَّلاة عليه وذكره، اسْتَوْلت محبته على قلبه، فلا (^١) يبقى في قلبه معارضة (^٢) لشيء من أوامره، ولا شك في شيء ممَّا جاء به، بل يصير ما جاء به مكتوبًا مسطورًا في قلبه، لا يزال يقرؤه على تعاقب أحواله، ويَقْتَبِس الهُدَى والفلاح وأنواع العلوم منه، وكلَّما ازداد في ذلك بصيرة وقُوَّة ومعرفة، ازدادت صَلاته عليه ﷺ.
ولهذا صلاة أهل العلم - العارفين بسُنَّته وهدْيه المتَّبِعين له - عليه، خلافُ صلاة العوام عليه (^٣)، الذين حَظُّهم منهَا إزعاج أعضائهم بها ورفع أصواتهم، وأما أتباعه (^٤) العارفون بسنته العالِمُون بما جاء به، فصلاتهم عليه نوع آخر، فكُلَّما ازْدَادوا فيما جاء به معرفة، ازدادوا له محبَّةً ومعرفةً بحقيقة الصَّلاة المطلوبة له من الله تعالى.
وهكذا ذِكْرُ الله سبحانه، كلَّما كان العبدُ به أعْرف، وله أطْوع، وإليه أحبّ، كان ذِكْرُهُ غير ذِكْرِ الغافلين اللَّاهِيْن، وهذا أمْر إنَّما يُعْلَم بالخُبْرِ لا بالخَبَرِ، وفرق بين مَنْ يذكر صفات محبوبه
_________________
(١) في (ح) (حتى لا يبقى في).
(٢) في (ش) (معاوضة) وهو خطأ.
(٣) في (ب، ش) (عليهم).
(٤) في (ب) (أتباعهم).
[ ٥٣١ ]
الذي قد ملك حُبُّه جميع قلبه، ويثني عليه بها ويمجِّده بها، وبيْن مَن يَذْكرها إمَّا إثارة وإما لفظًا، ولا يدري ما معناه، لا يطابق فيه قلبه لسانه، كما أنه فرْق بَيْن بكاء النَّائِحة وبكاء الثَّكْلَى، فذِكْره ﷺ وذِكْر ما جاء به، وحمد الله تعالى على إنعامه علينا ومنِّه (^١) بإرساله، هو حياة الوجود وروحه، كما قيل:
روْحُ المَجَالِسِ ذِكْرُه وحَدِيْثُه … وهدى لِكُلِّ مُلَدَّدٍ حَيْرَانِ
وَإِذَا أُخِلَّ بِذِكْرِه في مَجْلِسٍ … فأُولئكَ الأمْوَاتُ فِي الجُبَّانِ (^٢)
السادسة والثلاثون: أنها سبب لِعَرْض اسْم المُصلِّي عليه ﷺ وذكره عنده، كما تقدم قوله ﷺ:
٤٨٢ - "إن صلاتكم معروضة علي" (^٣).
٤٨٣ - وقوله: "إن الله وكل بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام" (^٤)، وكفى بالعبد نُبْلًا أن يذكر اسمه بالخير (^٥) بين يَدَي رسول الله ﷺ، وقد قيل في هذا المعنى:
ومَنْ خَطَرَتْ منْه بِبَالِك خَطْرَة … حَقِيْقٌ بأنْ يَسْمُو وأنْ يتَقَدَّمَا (^٦)
_________________
(١) وقع في (ح) (ومنّته) بدلًا من (ومنِّه).
(٢) في (ش) (الحِبَان) وفي (ب) (الجنان) وفي (ح، ظ) (الحيَّان)، والبيتان للصرصري في ديوانه * رقم (٧٧٣ و٧٧٤) *.
(٣) برقم (٨٠ و٤٣٣).
(٤) تقدم برقم (٤٣، ١١٩).
(٥) سقط من (ح) (قوله (بالخير).
(٦) لم أقف عليه.
[ ٥٣٢ ]
وقال الآخر (^١):
أَهْلًا بمَا لَمْ أكُنْ أهْلًا لِمَوْقِعِه … قَوْلَ المُبَشَّر بعْد اليَأسِ بالفَرَجِ
لَكَ البِشَارةُ فاخْلَع مَا عَليْكَ فَقْد … ذُكرْتَ ثَمّ عَلَى مَا فِيْكَ مِن عِوَجِ
السابعة والثلاثون: أنها سبب لتثبيت (^٢) القدم على الصراط، والجواز عليه، لحديث عبد الرحمن بن سمرة (^٣) الذي رواه عنه سعيد بن المسيب في رؤيا النبي ﷺ وفيه (^٤):
٤٨٤ - "ورأيت رجلًا من أمتي يزحف على الصراط، ويحبو أحيانًا ويتعلق أحيانًا، فجاءته صلاته عليَّ فأقامته على قدميه وأنقذته".
رواه أبو موسى المديني، وبنى عليه كتابه في "الترغيب والترهيب"، وقال: "هذا حديث حسن جدًا" (^٥).
_________________
(١) هو ابن الفارض انظر ديوانه (٢/ ٨٠).
(٢) في (ح) (لتثبت).
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (كما في جامع المسانيد لابن كثير (٨/ ٣٣١ - ٣٣٣، رقم (٦٠١٥)، وابن شاهين في الترغيب والترهيب رقم (٥٢٦)، وابن حبان في المجروحين (٣/ ٤٤)، وبَحْشل في تاريخ واسط ص ١٦٩ - ١٧١ وغيرهم، من طريق علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عنه فذكره مطولًا * ولا يصح الحديث إلى ابن جدعان، ولا إلى ابن المسيب. انظر العلل المتناهية رقم (١١٦٥، ١١٦٦) *، والقول البديع ص ١١٩ - ١٢٠.
(٤) سقط من (ح) قوله (وفيه).
(٥) سقط من (ب، ش) هذه الجملة (وقال: هذا حديث حسن جدًا).
[ ٥٣٣ ]
الثامنة والثلاثون: أن الصلاة عليه ﷺ أداءٌ لأقل القليل من حَقِّه، وشكر له على نعمته التي أنعم الله بها علينا، مع أن الذي يستحقه من ذلك لا يحصى علمًا، ولا قدرة، ولا إرادة، ولكن الله سبحانه لكرمه رضي من عباده باليسير من شكره وأداء حقه.
التاسعة والثلاثون: أنها متضمِّنة لذِكْر الله وشكره، ومعرفة إنعامه على عبيده بإرساله، فالمصلي عليه ﷺ قد تضمنت صلاته عليه ذكر الله وذكر رسوله، وسؤاله أن يجزيه بصلاته عليه ما هو أهله، كما عرفنا ربنا وأسمائه وصفاته، وهدانا إلى طريق مرضاته، وعرفنا ما لنا بعد الوصول إليه، والقدوم عليه، فهي متضَمِّنة لكل الإيمان، بل هي متضمنة للإقرار بوجود (^١) الربِّ المَدْعو، وعلمه وسمعه وقدرته وإرادته وصفاته وكلامه، وإرسال رسوله، وتصديقه في أخباره كلها، وكمال محبته، ولا ريب أن هذه هي أصول الإيمان، فالصلاة عليه ﷺ متضمنة لعلم العبد ذلك، وتصديقه به، ومحبته له، فكانت من أفضل الأعمال.
الأربعون: أن الصلاة عليه ﷺ من العبد هي دعاء، ودعاءُ العبد وسؤاله من ربه نوعان:
أحدهما: سؤاله حوائجه ومهمَّاته، وما ينوبه في الليل والنَّهار، فهذا دعاء وسؤال، وإيثار لمحبوب العبد ومطلوبه.
الثاني: سؤاله أن يثني على خليله وحبيبه، ويزيد في تشريفه
_________________
(١) في (ح) (بوجوب).
[ ٥٣٤ ]
وتكريمه وإيثاره ذِكْره، ورفعه، ولا ريب أن الله تعالى يحبُّ ذلك، ورسوله يحبه ﷺ، فالمصَلِّي عليه ﷺ قد صرف سؤاله ورغبته وطلبه إلى محابّ الله تعالى ورسولة، وآثر ذلك على طلبه حوائِجَهُ ومحابَّهُ هو، بل كان (^١) هذا المطلوب من أحبِّ الأمور إليه وآثرها عنده، فقد آثر ما يحبّه الله ورسوله على ما يحبّه هو، فقد آثر الله ومحابَّه على ما سواه (^٢)، والجزاء من جنس العمل، فمن آثر الله على غيره آثره الله على غيره، واعْتَبِرْ هذا بما تَجد الناس يعتمدونه عند ملوكهم ورؤسائهم إذا أرادوا التقرب إليهم (^٣) والمنزلة عندهم، فإنهم يسألون المطاع أن ينعم على من يعلمونه أحبَّ رعيته إليه، وكلما سألوه أن يزيد في حبائه وإكرامه وتشريفه، علت منزلتهم عنده، وازداد قربهم منه، وحظوتهم (^٤)، لأنهم يعلمون منه إرادة الإنعام والتشريف والتكريم لمحبوده، فأحبُّهم إليه أشدُّهم له سؤالًا وَرغبة أن يُتِمَّ عليه إنعامه وإحسانه، هذا أمر مشاهد بالحسِّ، ولا تكون منزلة هؤلاء ومنزلة من يسأل (^٥) المطاع حوائجه هو، وهو (^٦) فارغ من سؤاله تشريف محبوبه والإنعام عليه واحدةً، فكيف بأعظم مُحَبّ وأجلّه لأكرم محبوب وأحقّه بمحبة ربه له؟ ولو لم
_________________
(١) ليس في (ب، ش)، قوله (كان).
(٢) سقط من (ش)، ووقع في (ب) (نفسه ومحابه) بدلًا من (ما سواه).
(٣) سقط من (ح)، ووقع في (ب) (إليه).
(٤) وقع في (ب) (خطوتهم)، وفي (ح) (خطوبهم) وكلاهما خطأ.
(٥) سقط من (ظ، ت) (من يسأل)، وفي (ح) (من سأل).
(٦) سقط من (ح) (وهو).
[ ٥٣٥ ]
يكن من فوائد الصلاة عليه ﷺ إلا هذا المطلوب وحده لكفى المؤمن به شَرَفًا.
وههنا نكتة حسنة لمن عَلَّم أمته دِيْنَه وما جاءهم (^١) به، ودعاهم إليه وحضَّهم عليه، وصبر على ذلك، وهي أن النبي ﷺ له من الأجر الزائد على أجر عمله مثل أجور من اتبعه، فالداعي إلى سنته ودينه، والمعلِّم الخير للأُمَّة إذا قصد توفير هذا الحظ على رسول الله ﷺ وصرفه إليه، وكان مقصوده بدعاء الخلق إلى الله التقرب إليه بإرشاد عباده، وتوفير أجور المطيعين له على رسول الله ﷺ مع توفيتهم أجورهم كاملة، كان له من الأجر في دعوته وتعليمه بحسب هذه النِّيَّة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (^٢).
* * *
_________________
(١) في (ب) (وما جاء ﷺ به) وفي (ظ، ت) (وما جاء به).
(٢) سقط من (ح).
[ ٥٣٦ ]