فالحميد: فعِيْل من الحَمْد، وهو بمعنى: مَحْمُود، وأكثر ما يأتي فعيلًا في أسمائه تعالى بمعنى فاعل؛ كسميع، وبصير، وعليم، وقدير، وعليٍّ، وحكيم، وحليم، وهو كثير. وكذلك فعول؛ كغفور، وشكور، وصبور.
وأما الوَدُوْدُ (^١): ففيه قولان:
أحدهما: أنه بمعنى فاعل، وهو الذي (^٢) يُحِبُّ أنبياءَه ورسلَه وأولياءه وعباده المؤمنين.
والثاني: أنه بمعنى مَوْدُوْد، وهو المحبوب الذي يستحقُّ أنْ يُحَبَّ الحُبَّ كلَّه، وأنْ يكون أحبَّ إلى العبدِ من سمعه وبصره وجميع محبوباته.
_________________
(١) انظر: شرح أسماء الله الحسنى للزَّجاج ص ٥٢، وشأْن الدعاء للخطابي ص ٧٤.
(٢) سقط من (ب).
[ ٣٦٥ ]
وأما الحميد (^١): فلم يأت إلا بمعنى المحمود، وهو أبلغ من المحمود، فإنَّ فعيلًا إذا عُدِل به عن مفعول دلَّ على أنَّ تلك الصفة قد صارت مثل السَّجِيَّة والغريزة والخُلُق اللَّازم، كما إذا قلت: فلان ظريف أو شريف أو كريم، ولهذا يكون هذا البناء غالبًا مِن فَعُلَ بوزن شَرُفَ، وهذا البناء من أبنية الغرائز والسَّجايا اللازمة؛ ككَبُرَ وصَغُرَ وحَسُنَ ولَطُفَ، ونحو ذلك.
ولهذا كان "حَبِيْب" أبلغ من محبوب، لأنَّ الحبيب هو الذي حصلت فيه الصفات والأفعال التي يُحَب لأجلها، فهو حبيب في نفسه، وإن قدر أن غيره لا يُحِبُّه لعدم شعوره به، أو لمانع (^٢) منعه من حُبِّه. وأما المحبوب فهو الذي تعلَّق به حُبُّ المحِبّ، فصار محبوبًا بحبِّ الغير له. وأما الحبيبُ فهو حبيب بذاته وصفاته، تعلَّق به حُبُّ الغير أو لم يتعلق، وهكذا الحميد والمحمود.
فالحميد هو الذي له من الصفات وأسباب الحمد ما يقتضي أن يكون محمودًا وإن لم يحمده غيره، فهو حميد في نفسه. والمحمود من تعلَّق به حمد الحامدين، وهكذا المجيد والمُمَجَّد، والكبير والمُكَبَّر، والعظيم والمُعَظَّم. والحمد والمجد إليهما يرجع الكمال كله، فإن الحمد يستلزم الثناء والمحبة للمحمود، فمن أحببته ولم تثن عليه، لم تكن حامدًا له، وكذا من أثنيْتَ عليه
_________________
(١) انظر: شرح أسماء الله الحسنى للزجاج ص ٥٥، وشأن الدعاء للخطابي ص ٧٨.
(٢) في (ب) (أو المانع من حبّه).
[ ٣٦٦ ]
لغرضٍ مَا، ولم تُحِبَّه لم تكن حامدًا له (^١) حتى تكون مثنيًا عليه محبًا له، وهذا الثناء والحبُّ تبع للأسباب المقتضية له، وهو ما عليه المحمود من صفات الكمال ونعوت الجلال والإحسان إلى الغير، فإن هذه هي أسباب المحبة، وكُلَّما كانت هذه الصفات أجمع وأكمل كان الحمد والحبُّ أتمّ وأعظم، والله سبحانه له الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجهٍ مَا، والإحسان كله له ومنه، فهو ﷾ أحق بكل حمد، وبكل حب من كُلِّ جهة، فهو أهل أن يُحَبَّ لذاته ولصفاته ولأفعاله ولأسمائه ولإحسانه، ولكل ما صَدَرَ منه (^٢) ﷾.
وأما المَجْد فهو مستلزم للعظمة والسعة والجلال كما يدلُّ عليه موضوعه في اللُّغة، فهو دالٌّ على صفات العظمة والجلال (^٣)، والحمد يدل على صفات الإكرام، والله سبحانه ذو الجلال والإكرام، وهذا معنى قول العبد: "لا إله إلا الله والله أكبر"، فلا إله إلا الله دالٌّ على ألوهيته وتفرده فيها، فألُوهيته تستلزم مَحَبَّته التَّامَّة، و"الله أكبر" دال على مجده وعظمته، وذلك يستلزم تمجيده وتعظيمه وتكبيره، ولهذا يقرن سبحانه بين هذين النوعين في القرآن كثيرًا، كقوله: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾ [هود: ٧٣]، وقوله سبحانه: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ
_________________
(١) سقط من (ب، ش) من قوله (وكذا من) .. إلى قوله (حامدًا له).
(٢) في (ب) (عنه).
(٣) سقط من (ظ) من قوله (كما يدل) إلى (والجلال).
[ ٣٦٧ ]
شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء: ١١١]، فأمر بحمده وتكبيره. وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ [الرحمن: ٧٨]، وقال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧].
٣١٩ - وفي "المسند" و"صحيح أبي حاتم" وغيره: من حديث أنس، عن النبي ﷺ أنه قال: "ألظوا بياذا الجلال والإكرام" (^١)، يعني الزَمُوها وتعلَّقوا بها. فالجلال والإكرام هو الحمد والمجد. ونظير هذا قوله: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾ [النمل: ٤٠]، وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾ [النساء: ١٤٩]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧)﴾ [الممتحنة: ٧] وقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥)﴾ [البروج: ١٤ - ١٥]، وهو كثير في القرآن.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٥٢٥)، وأبو يعلى في مسنده (٦/ ٤٤٥) رقم (٣٨٣٣)، والطبراني في الدعاء (١/ ٨٢٤) رقم (٩٤). من طريق حميد عن أنس مرفوعًا. وهو معلول بالإرسال أعله أبو حاتم والترمذي. انظر: علل ابن أبي حاتم (٢/ ١٧٠ و١٩٢). وله طريق آخر عن أنس، ولا يثبت. وقد ثبت هذا الحديث عن ربيعة بن عامر كما تقدم برقم (٢١٦). تنبيه: لم أقف على الحديث في المسند ولا في صحيح أبي حاتم ابن حبان من حديث أنس، وإنما عزاهُ إليه فقط الضياء في المختارة، وهو في المسند من حديث ربيعه بن عامر ﵁.
[ ٣٦٨ ]
٣٢٠ - وفي "الحديث الصحيح" (^١): حديث دعاء الكرب: "لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ العَظِيمُ الحَلِيْمُ، لَا إلهَ إلَّا اللهُ رب العَرْشِ العَظِيْم، لَا إلهَ إلا اللهُ ربُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الأرْضِ ورَبُّ العَرْشِ الكَرِيْم".
فذكر هذين الاسمين: "الحميد المجيد" عقيب الصلاة على النبي ﷺ وعلى آله مطابق لقوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾ [هود: ٧٣].
ولما كانت الصَّلاة على النبي ﷺ وهي ثناءُ اللهِ تعالى عليه وتكريمُه والتنويْهُ به، ورفْعُ ذكره، وزيادةُ حُبِّه وتقريبه- كما تقدَّم؛ كانت مشتملةً على الحمد والمجد، فكأنَّ المُصَلِّي طلب من الله تعالى أن يزيدَ في حمده ومجده، فإن الصلاة عليه هي نَوع حَمْدٍ له وتمجيد، هذه حقيقتها، فذكر في هذا المطلوب الاسمين (^٢) المناسبين له، وهما اسما (^٣) الحميد والمجيد، وهذا كما تقدَّم أنَّ الداعيَ يُشرَع له أنْ يَخْتِم دعاءه باسم من الأسماء الحسنى مناسب لمطلوبه، أو يفْتَتِحَ دعاءه به، وتقدم أن هذا من قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، قال سليمان ﵇ في دعائه ربه: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ
_________________
(١) أخرجه البخاري في (٨٣) الدعوات (٥٩٨٦)، ومسلم في (٤٨) الذكر والدعاء والتوبة (٢٧٣) من حديث ابن عباس ﵄.
(٢) من (ح) وفي (ب، ش، ظ، ج) (الاسمان المناسبان) وهو خطأ، وفي (ت) (الاسماء المناسبة).
(٣) سقط من (ش).
[ ٣٦٩ ]
الْوَهَّابُ (٣٥)﴾ [ص: ٣٥]، وقال الخليل وابنه إسماعيل في دعائهما: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾ [البقرة: ١٢٨]،
٣٢١ - وكان النبي ﷺ يقول: "رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور" (^١)، مائة مرة في مجلسه.
وقال لعائشة ﵂ وقد سألته: إن وافقت ليلة القدر ما أدعو به؟ قال:
٣٢٢ - "قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" (^٢). وقال للصِّدِّيق ﵁، وقد سأله أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته: "قل: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثيْرًا ولا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أنْتَ، فاغْفِرْ لِيْ مَغْفِرَة مِن عِنْدِكَ، وارْحَمْنِي إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٤٣٤)، وابن ماجه (٣٨١٤)، وأبو داوود (١٥١٦)، وأحمد (٢/ ٢١) وغيرهم. وسنده صحيح؛ لكن تفرد به محمد بن سوقة عن نافع عن ابن عمر فذكره. وإليه أشار الترمذي بقوله: حسن صحيح غريب.
(٢) أخرجه الترمذي (٣٥١٣)، وابن ماجه (٣٩٤٠)، وأحمد (٦/ ١٧١ و٢٥٨) وغيرهم من طريق ابن بريدة عن عائشة. وهو أصح الطرق عن عائشة. والحديث صححه الترمذي فقال: "هذا حديث حسن صحيح". لكن قال الدارقطني في السنن (كتاب الطلاق) (٣/ ٢٣٣): (ابن بريدة لم يسمع من عائشة شيئًا). وقد وقع في طرق الحديث اختلاف، أكثر مما ذكرته في تحقيق كتاب الصيام من شرح العمدة لشيخ الاسلام ابن تيمية (٢/ ٧٠١ - ٧٠٣) رقم (٧٧٣).
[ ٣٧٠ ]
الرَّحِيْمُ" (^١).
وهذا كثير قد ذكرناه في كتاب "الرُّوْح والنَّفْس"، وما قاله الناس في قول المسيح ﵊: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨]، ولم يقل الغفور الرحيم، وقول الخليل: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾ [إبراهيم: ٣٦].
فلما كان المطلوب للرسول ﷺ حمدًا ومجدًا (^٢) بصلاة الله عليه، ختم هذا السؤال باسمي "الحميد المجيد". وأيضًا فإنه لما كان المطلوب للرسول حمدًا ومجدًا، وكان ذلك حاصلًا له (^٣)، ختم ذلك بالإخبار عن ثبوت ذَيْنك الوصْفين للرب ﷿ بطريق الأوْلى، وكلُّ كَمَال في العبد غير مسْتلزم للنَّقصْ، فالرَّبُّ أحَقُّ به، وأيضًا فإنه لما طُلِبَ للرسول حمدٌ ومجدٌ بالصلاة عليه، وذلك يستلزم الثناء عليه، ختم هذا المطلوب بالثناء على مُرْسِله بالحمد والمجد، فيكون هذا الدعاء مُتَضَمِّنًا لطلب الحمد والمجد للرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، والإخبار عن ثبوته للرب (^٤) ﷾.
_________________
(١) أخرجه البخاري في (١٦) صفة الصلاة (٧٩٩)، ومسلم في (٤٨) الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (٢٧٠٥).
(٢) في جميع النسخ (حمدٌ ومجد) وهو خطأ، وكذا ما بعده.
(٣) سقط من (ب) (له).
(٤) في (ب) (الرب)، وسقط من (ج).
[ ٣٧١ ]