هذا الاسم هو أشهر أسمائه ﷺ، وهو اسم منقول من الحمد، وهو في الأصل اسم مفعول من الحمد، وهو يتضمن الثناء على المحمود ومحبته وإجلاله وتعظيمه، هذا هو حقيقة الحمد. وبُنيَ على زِنَة "مُفَعَّل" مثل مُعَظَّم، ومُحَبَّب، ومُسَوَّد، ومُبَجَّل، ونظائرها، لأن هذا البناء موضوع للتكثير، فإن اشتق منه اسم فاعل، فمعناه: مَنْ كَثرُ صدورُ الفعلِ منه مرةً بعد مرةٍ، كَمُعلَّم، ومُفَهِّم، ومُبيِّن، ومُخَلِّص، ومُفَرِّج، ونحوها. وإن اشتق منه اسم مفعول، فمعناه: من (^١) تكرر وقوع الفعل عليه مرةً بعد أخرى إما استحقاقًا أو وقوعًا. فمحمد: هو الذي كثر حمد الحامدين له مرة بعد أخرى (^٢)، أو الذي يستحق (^٣) أن يُحْمَد مرة بعد أخرى (^٤).
ويقال: حُمِد فهو مُحَمَّد، كما يقال: عُلِم فهو مُعَلَّم. وهذا عَلَم وصِفَة اجتمع فيه الأمران في حقه ﷺ، وإن كان عَلَمًا
_________________
(١) وقع في (ش): (من وقع)، وفي (ح): (من كثر) والمثبت أصوب.
(٢) سقط من (ظ) من قوله (إما استحقاقًا) إلى (أخرى).
(٣) في (ظ) (استحق).
(٤) سقط من (ت) قوله (أو الذي يستحق أن يحمد مرة بعد أخرى).
[ ١٨٣ ]
محضًا (^١) في حق كثير ممن تَسمَّى به غيره.
وهذا شأن أسماء الرب ﷾ وأسماء كتابه وأسماء نبيه، هي أعلام دالة على معان هي بها أوصاف، فلا تُضادُّ فيها العَلَمِيَّةُ الوَصْفَ، بخلاف غيرها من أسماء المخلوقين، فهو اللهُ، الخالقُ، البارئُ، المصوِّرُ، القهَّار. فهذه أسماء له ﷿ دالة على معان هي صفاته، وكذلك القرآن، والفرقان، والكتاب المبين، وغير ذلك من أسمائه.
وكذلك أسماء النبي ﷺ "محمد، وأحمد، والماحي".
٢٠٧ - وفي حديث جبير بن مطعم، عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ لِي أسْماءً: أنا مُحمَّد، وأنا أحْمَد، وأنا الماحِي الذِي يَمْحُو اللهُ به الكُفْر" (^٢).
فذكر رسول الله ﷺ هذه الأسماء مبينًا ما خصه الله تعالى به من الفضل، وأشار إلى معانيها، وإلا فلو كانت أعلامًا محضة لا معنى لها، لم تدل على مدح؛ ولهذا قال حسان (^٣) ﵁:
_________________
(١) في (ح) (مختصًّا).
(٢) أخرجه البخاري في (٦٥) المناقب (٣٣٣٩)، ومسلم في (٤٣) الفضائل رقم (٢٣٥٤).
(٣) هو حسان بن ثابت بن المنذر الأنصاري الخزرجي، شاعر رسول الله ﷺ، توفي سنة ٥٤ هـ وعمره ١٢٠ سنه. انظر: الإصابة (٢/ ٨ - ٩).
[ ١٨٤ ]
وشَقَّ لَه مِنْ اسْمِهِ لِيُجِلَّه (^١) … فَذُو العَرْشِ مَحْمُود وَهَذا مُحمَّد (^٢)
وكذلك أسماء الرب تعالى كلها أسماء مدح، ولو كانت ألفاظًا مجردة لا معاني لها؛ لم تدل على المدح، وقد وصفها الله سبحانه بأنها حسنى كلها، فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فهي لم تكن حسنى لمجرد اللفظ، بل لدلالتها على أوصاف الكمال، ولهذا لما سمع بعض العرب قارئًا يقرأ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨]، "والله غفور رحيم"، قال: ليس هذا كلام الله تعالى، فقال القارئ: أتكذِّبُ بكلام الله تعالى؟ فقال: لا، ولكن ليس هذا بكلام الله تعالى، فعاد إلى حفظه وقرأ: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾، فقال الأعرابي: صدقت، عَزَّ فَحَكَم فَقَطع؛ ولو غَفَر وَرَحَم لَما قَطَع.
ولهذا إذا ختمت آية الرحمة باسم عذاب، أو بالعكس، ظهر تنافر الكلام وعدم انتظامه.
٢٠٨ - وفي السنن (^٣) من حديث أُبيِّ بن كعب حديث: "قراءة
_________________
(١) سقط من (ب).
(٢) انظر: ديوان حسان ص ٥٤، والبيت نُسِبَ لأبي طالب عمّ النبي ﷺ، وقيل غير ذلك. انظر: الجليس الصالح، لأبي الفرج النهرواني (٢/ ٢٠٤).
(٣) أخرجه أبو داوود (١٤٧٧)، وأحمد (٥/ ١٢٤). من طريق همام بن يحيى =
[ ١٨٥ ]
القرآن على سبعة أحرف"، ثم قال: "ليس منهن إلا شافٍ كافٍ إن قلت: سميعًا عليمًا عزيزًا حكيمًا، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمةٍ بعذاب".
ولو كانت هذه الأسماء أعلامًا محضة لا معنى لها لم يكن فرق بين ختم الآية بهذا أو بهذا.
وأيضًا فإنَّه سبحانه يُعَلِّل أحكامه وأفعاله بأسمائه (^١)، ولو لم يكن لها معنى لما كان التعليل صحيحًا، كقوله: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠)﴾ [نوح: ١٠]، وقوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧]، فختم حكم الفيء الذي هو الرجوع والعود إلى
_________________
(١) = عن قتادة عن يحيى بن يعمر عن سليمان بن صرد عن أبي بن كعب فذكره. وظاهر سنده الصحة * لكن خالفه معمر فأرسله كما عند عبد الرزاق (٢٠٣٧١) *، وزيادة (إن قلت سميعًا عليمًا ..) الخ، غريبة. فقد روى الحديث أبو إسحاق الهمداني عن سليمان بن صرد به، فلم يذكر هذه الزيادة. أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (٦٧٠) وغيره. وروى الحديث عن أبي بن كعب (أنس بن مالك، وعباده بن الصامت وابن عباس وعبد الرحمن بن أبي ليلى) فلم يذكروا الزيادة. أخرجه مسلم رقم (٨٢٠)، وأبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٠١، وأحمد في المسند (٥/ ١١٤)، والنسائي (٩٤٠) وغيرهم.
(٢) من (ظ، ت، ش، ج) ووقع في (ب) (أحكامه بأفعاله) بدلًا من (أحكامه وأفعاله بأسمائه).
[ ١٨٦ ]
رضي الزوجة والإحسان إليها، بأنه غفور رحيم يعود على (^١) عبده بمغفرته ورحمته إذا رجع إليه، والجزاء من جنس العمل، فكما رجع إلى التي هي أحسن، رجع الله تعالى إليه بالمغفرة والرحمة: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ فإن الطلاق لما كان لفظًا يُسْمَع ومعنى يُقْصَد، عقبه باسم "السميع" للنطق به "العليم" بمضمونه.
وكقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥]، فلما ذكر سبحانه التعريض بخِطْبة المرأة الدال على أن المعرِّض في قلبه رغبة فيها، ومحبة لها، وأن (^٢) ذلك يحمله على الكلام الذي يتوصل به إلى نكاحها، رفع (^٣) الجناح عن التعريض وانطواء القلب على ما فيه من الميل والمحبة. ونفْيُ مواعدتهن سرًّا، فقيل: هو النكاح، والمعنى: لا تصرحوا لهنَّ بالتزويج إلا أن تعرضوا تعريضًا، وهو القول المعروف. وقيل: هو أن يتزوجها في عدَّتِها سرًّا، فإذا انقضت العدَّة أظهر العقد، ويدل على هذا قوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وهو انقضاء العدة.
_________________
(١) وقع في (ب) (إلى).
(٢) من (ظ، ت، ج) وجاء في (ش، ب) (فإن).
(٣) وقع في (ح) (ورفع).
[ ١٨٧ ]
ومن رجح القول الأول قال: دلت الآية على إباحة التعريض بنفي الجناح، وتحريم التصريح بنفي (^١) المواعدة سرًّا، وتحريم عقد (^٢) النكاح قبل انقضاء العدة، فلو كان معنى مواعدة السِّر هو إسرار العقد كان تكرارًا.
ثم عقب ذلك بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، أن تتعدوا ما حَدَّ لكم، فإنه مُطَّلع على ما تُسِرُّون وما تعلون. ثم قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ لولا مغفرته وحلمه لَعَنِتُّم غايَة العَنَتِ، فإنه سبحانه مطلع عليكم، يعلم ما في قلوبكم، ويعلم ما تعملون، فإن وقعتم في شيء مما نهاكم عنه، فبادروا إليه (^٣) بالتوبة والاستغفار، فإنه الغفور الحليم.
وهذه طريقة القرآن، يقرن بين أسماء الرجاء وأسماء المخافة، كقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨]، وقال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾ [فاطر: ٣٤]، لما صاروا إلى كرامته بمغفرته ذنوبهم وشكره إحسانهم، قالوا: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾، وفي هذا: معنى التعليل، أي بمغفرته وشكره وصلنا إلى دار كرامته، فإنه غفر لنا السيئات، وشكر لنا الحسنات. وقال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ
_________________
(١) من (ظ، ب)، ووقع في (ش، ت، ج) (بنهي).
(٢) من (ظ، ت، ش، ج) ووقع في (ب) (عقدة).
(٣) وقع في (ب) (عليه).
[ ١٨٨ ]
شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧] فهذا جزاءٌ لشكرهم، أي إن شكرتم ربكم شكركم، وهو عليم بشكركم، لا يخفى عليه مَنْ شَكَرَهُ ممن كفَرَه.
والقرآن مملوء من هذا، والمقصود التنبيه عليه.
وأيضًا فإنه سبحانه يستدل بأسمائه على توحيده ونفي الشريك عنه، ولو كانت أسماء (^١) لا معنى لها لم تدل على ذلك، كقول هارون ﵇ لِعبَدَةِ العِجْل: ﴿إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ [طه: ٩٠]، وقوله سبحانه في القصة: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾ [طه: ٩٨]، وقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]، وقوله سبحانه في آخر سورة الحشر: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٣]، فنزه (^٢) نفسه عن شرك المشركين به عقب تمدحه بأسمائه الحسنى المقتضية لتوحيده، واستحالة إثبات شريك له.
ومن تدبر هذا المعنى في القرآن، هبط له على رياض من العلم، حماها الله تعالى عن كل أفَّاكٍ مُعْرِضٍ عن كتاب الله تعالى واقتباس الهدى منه. ولو لم يكن في كتابنا هذا إلا هذا الفصل
_________________
(١) وقع في (ب) (الأسماء).
(٢) في (ب، ش، ح) (فسبَّح نفسه)، وفي (ظ، ج) (فسبَّح نزَّه نفسه).
[ ١٨٩ ]
وحده لكفى من له ذوق ومعرفة، والله الموفق للصواب.
وأيضًا فإن الله سبحانه يعلق بأسمائه المعمولات من الظروف والجار والمجرور وغيرهما، ولو كانت أعلامًا محضة لم يصح فيها ذلك، كقوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦)﴾ [الحجرات: ١٦]، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧)﴾ [الجمعة: ٧]، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)﴾ [آل عمران: ٦٣]، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤٣]، ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ [التوبة: ١١٧]، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ [آل عمران: ١٨٩]، ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩)﴾ [البقرة: ١٩]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)﴾ [النساء: ٣٩]، ﴿كَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)﴾ [الكهف: ٤٥]، ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)﴾ [هود: ١١١]، ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ [الحجرات: ١٨]، ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧)﴾ [الشورى: ٢٧]، ونظائره كثيرة.
وأيضًا فإنه سبحانه يجعل أسماءه دليلًا على ما ينكره الجاحدون من صفات كماله، كقوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤].
وقد اختلف النُّظَّارُ في هذه الأسماء؛ هل هي متباينة نظرًا إلى تباين معانيها، وأن كل اسم يدل على معنى غير ما يدل عليه الآخر، أم هي مترادفة، لأنها تدل على ذات واحدة، فمدلولها لا تعدد فيه، وهذا شأن المترادفات؟ والنزاع لفظي في ذلك.
والتحقيق أن يقال: هي مترادفة بالنظر إلى الذات، متباينة بالنظر إلى الصفات، وكل اسم منها يدل على الذات
[ ١٩٠ ]
الموصوفة بتلك الصفة بالمطابقة، وعلى أحدهما وحده بالتضمن، وعلى الصفة الأخرى بالالتزام.
فصل
إذا ثبت هذا: فتسميته ﷺ بهذا الاسم لما اشتمل عليه من مُسَمَّاهُ وهو الحَمْدُ، فإنه ﷺ محمود عند الله، ومحمود عند ملائكته، ومحمود عند إخوانه من المرسلين، ومحمودٌ عند أهل الأرض كلهم، وإن كفر به بعضهم؛ فإنَّ ما (^١) فيه من صفات الكمال محمودة (^٢) عند كل عاقل، وإن كابر عقله جحودًا، أو عنادًا، أو جهلًا باتصافه بها، ولو علم اتصافه بها لحمده بها (^٣)؛ فإنه يحمد من اتصف بصفات الكمال، ويجهل وجودها (^٤) فيه، فهو في الحقيقة حامد له.
وهو ﷺ اختُصَّ من مسمى الحمد بما لم يجتمع لغيره، فإن اسمه محمد وأحمد، وأمته الحَمَّادون، يحمدون الله تعالى في (^٥) السَّراء والضَّراء، وصلاته (^٦) وصلاة أمته مفتتحة بالحمد، وخُطَبُهُ (^٧) مفتتحة بالحمد، وكتابه مفتتح بالحمد. هكذا كان عند الله تعالى في
_________________
(١) سقط (ما) من (ظ).
(٢) في (ح) (محمود).
(٣) إضافة من (ب) فقط.
(٤) من (ظ، ت، ش) ووقع في (ب) (وجوها) وهو خطأ.
(٥) في (ظ، ت، ش، ج) (على).
(٦) سقط من (ظ، ت، ج).
(٧) في (ح) (وخطبته).
[ ١٩١ ]
اللوح المحفوظ أن خلفاءه وأصحابه يكتبون المصحف مفتتحًا بالحمد، وبيده ﷺ لواء الحمد يوم القيامة، ولما يسجد بين يدي ربه ﷿ للشفاعة، ويؤذن له فيها، يحمد ربه بمحامد يفتحها عليه حينئذ، وهو صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩].
ومن أحب الوقوف على معنى المقام المحمود فليقف على ما ذكره سلف الأمة من الصحابة والتابعين فيه في تفسير هذه السورة؛ كتفسير ابن أبي حاتم، وابن جرير، وعبد بن حميد، وغيرها من تفاسير السلف.
وإذا قام في ذلك المقام حمده حينئذ أهل الموقف كلهم مسلمهم وكافرهم أولهم وآخرهم.
وهو محمود ﷺ بما ملأ به (^١) الأرض من الهدى والإيمان والعلم النافع والعمل الصالح، وفتح به القلوب، وكشف به الظلمة عن أهل الأرض، واستنقذهم مِن أسْرِ الشياطين (^٢)، ومن الشرك بالله والكفر به والجهل به، حتى نال به أتباعُهُ شَرفَ الدنيا والآخرة، فإن رسالته وَاْفَت أهل الأرض أحوج ما كانوا إليها، فإنهم كانوا بين: عُبَّاد أوثان، وعُبَّاد صُلْبان، وعُبَّاد نيران، وعُبَّاد الكواكب،
_________________
(١) سقط من (ح) وفي (ب، ج) (بما يملأ به الأرض).
(٢) في (ظ) (الشيطان).
[ ١٩٢ ]
ومغضوب عليهم قد باؤوا بغضب من الله، وحَيْرانٍ لا يعرف ربًّا يعبده، ولا بماذا يعبده، والناس يأكل بعضهم بعضًا، من استحسن شيئًا دعا إليه وقاتل من خالفه، وليس في الأرض موضعُ قدمٍ مُشْرقٍ بنور الرسالة، وقد نظر الله ﷾ حينئذ إلى أهل الأرض، فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا على (^١) آثارٍ من دين صحيح، فأغاث الله به البلاد والعباد، وكشف به تلك الظُّلَم، وأحيا به الخليقة بعد الموت، فهدى به من الضلالة، وعلم به من الجهالة، وكثر به (^٢) بعد القلة، وأعز به بعد الذلة، وأغنى به بعد العَيْلَة، وفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا، فعرف ﷺ الناس ربهم ومعبودهم غايةَ ما يمكن أن تناله قواهم من المعرفة، وأبدأ وأعاد، واختصر وأطنب، في ذكر أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، حتى تجلَّت معرفته سبحانه في قلوب عباده المؤمنين، وانجابت سحائب الشك والريب عنها كما ينجاب السحاب عن القمر ليلة إبداره، ولم يدع لأمته حاجة في هذا التعريف لا إلى من قبله ولا إلى من بعده، بل كفاهم وشفاهم وأغناهم عن كل من تكلم (^٣) في هذا الباب: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت: ٥١].
_________________
(١) وقع في (ب) (بقايا آثار دين صحيح).
(٢) سقط من (ح).
(٣) في (ظ) (كلّم).
[ ١٩٣ ]
٢٠٩ - روى أبو داود في مراسيله (^١)، عن النبي ﷺ أنه رأى بيد بعض أصحابه قطعةً من التوراة فقال: "كفى بقوم ضلالة أن يبتغوا (^٢) كتابًا غير كتابهم (^٣) أُنزل (^٤) على (^٥) غير نبيهم" فأنزل الله ﷿ تصديق ذلك: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت: ٥١]، فهذا حال من أخذ دينه عن كتاب منزل على غير النبي ﷺ، فكيف بمن أخذه عن عقل فلان وفلان، وقدَّمه على كلام الله ورسوله ﷺ؟.
وعَرَّفهم الطريق المُوْصِلَ (^٦) إلى ربهم ورضوانه ودار كرامته، فلم يدع حسنًا إلا أمرهم (^٧) به، ولا قبيحًا إلا نهى عنه.
٢١٠ - كما قال ﷺ: "ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد أمرتكم به، ولا من شيء يقربكم إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه" (^٨).
_________________
(١) أخرجه أبو داوود في المراسيل رقم (٤٥٤)، والطبري في تفسيره (٢١/ ٦) وهو مرسل صحيح الإسناد. وروي مسندًا مرفوعًا، ولا يثبت.
(٢) من (ت) والمراسيل، ووقع في (ش، ب) (يتبعوا) وفي (ظ) غير منقوطة.
(٣) في (ب) (كتاب).
(٤) وقع في (ظ) (الذي أُنزل) وهو خطأ.
(٥) في (ش) (على نبي غير نبيهم).
(٦) من (ظ، ت)، وفي باقي النسخ (الموصل لهم إلى).
(٧) في (ظ، ت) (أمر به).
(٨) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير * (٢/ ١٥٥ - ١٥٦) رقم (١٦٤٧)، وابن =
[ ١٩٤ ]
٢١١ - قال أبو ذر: "لقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكَرَ لنا منه علمًا" (^١).
وعرفهم حالهم (^٢) بعد القدوم على ربهم أتَمَّ تعريف، فكشف الأمر وأوضحه، ولم يَدَع بابًا من العلم النافع للعباد المقرب لهم إلى ربهم إلا فتحه، ولا مُشْكِلًا إلا بَيَّنَهُ وشرحه، حتى هدى الله تعالى به القلوب من ضلالها، وشفاها به من أسقامها، وأغاثها به من جهلها، فأي بشر أحق بأن يحمد منه ﷺ، وجزاه عن أمته أفضل الجزاء.
_________________
(١) = حبان (١/ ٢٦٧) وغيرهما *. من طريق ابن عيينة، عن فطر عن أبي الطفيل عن أبي ذر، فذكره. وهو خطأ، أخطأ فيه فطر بن خليفة فاضطرب فيه على أوجه. وصوابه: فطر عن منذر الثوري عن أبي ذر عند أحمد (٥/ ١٦٢)، وسيأتي. انظر: علل الدارقطني (٦/ ٢٩٠) (١١٤٨)، وأطراف الغرائب (٥/ ٥٥) * وللحديث شاهد منقطع عن ابن مسعود، وآخر مرسل عن المطلب. انظر علل الدارقطني (٥/ ٢٧٣)، والرسالة للشافعي رقم (٢٨٩، ٣٠٦) وغيرهما *.
(٢) أخرجه أحمد في المسند (٥/ ١٥٤ و١٦٢)، والطيالسي في مسنده (١/ ٣٨٥) رقم (٤٨١). من طريق الأعمش عن منذر الثوري ثنا أشياخ من التيم قالوا: قال أبو ذر: لقد تركنا … فذكره. ورجاله ثقات، غير الأشياخ من التيم، فهم مبهمون. وهل ينجبر ذلك لكثرة عددهم؟، فيه بحث. وروي متصلًا، فطر عن منذر عن أبي الطفيل عن أبي ذر فذكره. أخرجه أحمد (٥/ ١٦٢) وهو خطأ، صوابه ما تقدم.
(٣) في (ظ، ت) (حاله)، وفي (ج) (ب).
[ ١٩٥ ]
وأصح القولين في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، أنه على عمومه، وفيه على هذا التقدير وجهان:
أحدهما: أن عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته ﷺ، أما أتباعه فنالوا بها (^١) كرامة الدنيا والآخرة، وأما أعداؤه المحاربون له، فالذين (^٢) عجل قتلهم وموتهم خير لهم من حياتهم، لأن حياتهم زيادةٌ لهم في تغليظ العذاب عليهم في الدار الآخرة، وهم قد كتب عليهم الشقاء، فتعجيل موتهم خير لهم من طول أعمارهم في الكفر، وأما المعاهدون له فعاشوا في الدنيا تحت ظله وعهده وذمته، وهم أقل شرًا بذلك العهد من المحاربين له.
وأما المنافقون فحصل لهم بإظهار الإيمان به حقن دمائهم وأموالهم وأهلهم واحترامها وجريان أحكام المسلمين عليهم في التوارث وغيره (^٣)؛ وأما الأُمَم النَّائية عنه فإن الله ﷾ رفع برسالته ﷺ العذاب العام عن أهل الأرض فأصاب كل العالمين النَّفع برسالته ﷺ.
الوجه الثاني: أنه رحمة لكل أحد، لكن المؤمنون قبلوا هذه الرحمة فانتفعوا بها دنيا وأخرى، والكفار ردوها، فلم يخرج بذلك عن أن يكون رحمةً لهم، لكن لم يقبلوها، كما يقال: هذا دواء
_________________
(١) في (ظ، ت)، ونسخة (ظ) على حاشية (ب) (به).
(٢) سقط من (ظ، ب)، ووقع في (ت، ج) (فالمحاربون له عجل قتلهم).
(٣) وقع في (ح) (وغيرها).
[ ١٩٦ ]
لهذا المرض، فإذا لم يستعمله المريض (^١) لم يخرج عن أن يكون دواء لذلك المرض.
وممّا يُحْمدُ عليه ﷺ: ما جَبَلَه الله عليه من مكارم الأخلاق وكرائم الشِّيَم، فإن مَنْ نظر في أخلاقه وشِيَمِه ﷺ علم أنها خير أخلاق بني آدم (^٢)، فإنه ﷺ كان أعلم الخلق، وأعظمهم أمانة، وأصدقهم حديثًا وأحلمهم (^٣)، وأجودهم وأسخاهم، وأشدهم احتمالًا، وأعظمهم عفوًا ومغفرةً، وكان لا يزيده شدة الجهل عليه إلا حِلْمًا؛ كما روى البخاري في "صحيحه" (^٤): عن عبد الله بن عمرو؛ أنه قال في صفة رسول الله ﷺ في التوراة:
٢١٢ - "محمدٌ عَبْدي ورَسُولي سَمَّيتُه المُتَوكِّل، ليس بفَظٍّ ولا غَليظٍ، ولا سَخَّابٍ بالأسواق، ولا يجزي بالسَّيئة السَّيئة (^٥)، ولكن يعفو ويغفر (^٦)، "ولن أقبضه حتى أُقِيْم به المِلَّة العَوْجَاء، وأفتحُ به أعْيُنًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلفًا، حتى يقُولوا: لا
_________________
(١) من (ب، ظ، ش) وسقط من (ح).
(٢) من (ش) فقط وجاء بعده بياض. ووقع في (ب) بياض وفي (ظ، ج) (.. خير أخلاق الخلق، وأكرم شمائل الخلق، فإنه ﷺ كان أعلم الخلق)، وسقط من (ت) (علم أنها خير أخلاق بني آدم، فإنه ﷺ).
(٣) من (ظ، ت)، وفي (ش) (بياض)، وسقط من (ب، ح).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه في (٦٨) التفسير الفتح (٤/ ١٨٣١) رقم (٤٥٥٨).
(٥) في البخاري (ولا يدفع السيئة بالسيئة) بدلًا من (ولا يجزي …).
(٦) في البخاري (ويصفح).
[ ١٩٧ ]
إلَه إلَّا الله (^١) ".
وأرحم الخلق وأرأفهم بهم، وأعظم الخلق نفعًا لهم (^٢) في دينهم ودنياهم، وأفصح خلق الله، وأحسنهم تعبيرًا عن المعاني الكثيرة بالألفاظ الوجيزة الدالة علي المراد، وأصبرهم في مواطن الصَّبر، وأصدقهم في مواطن اللِّقاء، وأوفاهم بالعهد والذِّمة، وأعظمهم مكافأة على الجميل بأضعافه، وأشَدُّهم تواضعًا، وأعظمهم إيثارًا على نفسه، وأشد الخلق ذبًّا عن أصحابه وحمايةً لهم ودفاعًا عنهم، وأقوم الخلق بما يأمر به، وأتركهم لما ينهى عنه، وأوصل (^٣) الخلق لرحمه، فهو أحق بقول القائل:
بَرْدٌ على الأدْنَى ومرْحَمةٌ … وعَلَى الأعادِي مازنٌ (^٤) جلد
٢١٣ - قال علي ﵁ (^٥): "كان رسول الله ﷺ أجود
_________________
(١) في البخاري " .. ولن يقبضه الله حتى يُقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا".
(٢) سقط من (ب) فقط.
(٣) وقع في (ب) (وأفضل)، ووقع في (ت) (وأوصل الخلق برحمه).
(٤) في جميع النسخ (مازن)، ولعل الصواب (مارن) بالراء المهملة، وهو الصلب. انظر: لسان العرب (١٣/ ٤٠٣)، والبيت لأبي الشيص الخزاعي في ديوانه باختلافٍ يسير في لفظه.
(٥) أخرجه الترمذي (٣٦٣٨) وفي الشمائل رقم (٧). قال الترمذي (حسن غريب، ليس إسناده بمتصل) فيه عمر بن عبد الله مولى غفرة، ضعيف، وإبراهيم بن محمد -من ولد علي- روايته عن علي مرسلة. انظر: التقريب (٤٩٣٤)، وجامع التحصيل للعلائي رقم (٩).
[ ١٩٨ ]
الناس صدرًا، وأصدق الناس (^١) لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفةً أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ".
فقوله: "كان أجود الناس صدرًا": أراد به بر الصدر وكثرة خيره، وأن الخير يتفجر منه تفجيرًا، وأنه منطو على كل خلق جميل وعلى كل خير، كما قال بعض أهل العلم: "ليس في الدنيا كلها محل كان أكثر خيرًا من صدر رسول الله ﷺ، قد جَمَعَ الخير بحذافيره، وأُوْدِعَ في صدره ﷺ".
وقوله: "أصدق الناس لهجة": هذا مما أقر له به أعداؤه المحاربون له، ولم يجرب عليه أحد من أعدائه كذبة واحدة قط (^٢)، دع شهادة أوليائه كلهم له به؛ فقد حاربه أهل الأرض بأنواع المحاربات، مشركوهم وأهل الكتاب منهم، وليس أحد منهم يومًا من الدهر طعن فيه بكذبة واحدة صغيرة ولا كبيرة.
٢١٤ - قال المسور بن مخرمة (^٣): قلت لأبي جهل -وكان
_________________
(١) في (ح) (وأصدقهم لهجة).
(٢) من (ح) وسقطت من باقي النسخ.
(٣) لم أقف عليه بهذا اللفظ. لكن أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧) من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال حدثني الزهري قال حُدِّثت أن أبا جهل وأبا سفيان والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله ﷺ وهو يصلي بالليل في بيته .. فذكره بطوله -وفيه- قول أبي جهل للأخنس (تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف فأطعموا الخ نحوه. =
[ ١٩٩ ]
خالي-: يا خال! هل كنتم تتهمون محمدًا بالكذب قبل أن يقول مقالته؟ فقال: والله يا ابن أختي لقد كان محمد وهو شاب يُدْعَى فِيْنا الأمين، فلمَّا وَخَطَهُ الشيب لم يكن ليكذب. قلت: يا خال! فلم لا تتبعونه؟ فقال: يا ابن أختي، تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف؛ فأطعموا وأطعمنا، وسقوا وسقينا، وأجاروا وأجرنا، فلما تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي، فمتى نأتيهم بهذه؟!. أو كما قال.
وقال تعالى: يسليه ويهون عليه قول أعدائه: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾ [الأنعام: ٣٣ - ٣٤].
وقوله: "ألينهم عريكة": يعني أنه سهل لَيِّن، قريب من الناس، مجيب لدعوة من دعاه، قاض لحاجة من استقضاه، جابر لقلب من سأله، لا يحرمه ولا يرده خائبًا، إذا أراد أصحابه منه أمرًا وافقهم عليه وتابعهم فيه، وإن عزم على أمر لم يستبد دونهم، بل
_________________
(١) = وسنده ضعيف، لإرساله، وقد ورد أيضًا عند البيهقي في الدلائل (٢/ ٢٠٧) قول أبي جهل هذه المقوله للمغيرة بن شعبة قبل إسلامه بمعناه، وسنده منقطع. قلت: وسؤال المسور بن مخرمة لأبي جهل غريب، فإن يحيى بن بكير قال: "كان مولده بعد الهجرة بسنتين .. "، وورد عند مسلم أنه قال (وأنا محتلم) قال ابن حجر في الإصابة (٦/ ٩٩): "وهذا يدل على أنه ولد قبل الهجرة، ولكنهم أطبقوا على أنه ولد بعدها"، وقتل أبو جهل ببدر، وهذا يدل أن في الرواية التي ذكرها المؤلف وهم. والله أعلم.
[ ٢٠٠ ]
يشاورهم ويؤامرهم، وكان يقبل من محسنهم ويعفو عن مسيئهم.
وقوله: "أكرمهم عشرة": يعني أنه ﷺ لم يكن يعاشر جليسًا له إلا أتم عشرة وأحسنها وأكرمها، فكان لا يعبسن في وجهه، ولا يغلظ له في مقاله، ولا يطوي عنه بشره، ولا يمسك عليه فلتات لسانه، ولا يؤاخذه بما يصدر منه من جفوة ونحوها، بل يحسن إلى عشيره غاية الإحسان، ويحتمله غاية الاحتمال، فكانت عشرته لهم (^١) احتمال أذاهم وجفوتهم جملة، لا يُعاتب (^٢) أحدًا منهم ولا يلومه (^٣) ولا يباديه (^٤) بما يكره (^٥). من خالطه يقول: أنا (^٦) أحب الناس إليه، لما يرى من لطفه به، وقربه منه، وإقباله عليه، واهتمامه بأمره، ونصيحته (^٧) له، وبذل إحسانه إليه، واحتمال جفوته، فأي عشرة كانت أو تكون أكرم من هذه العشرة.
٢١٥ - قال الحسين رضي (^٨) الله عنه: سألت أبي عن سيرة
_________________
(١) في (ش، ب) بياض بعد (لهم).
(٢) من (ج، ش، ب)، وفي (ظ)، (يعاند)، وفي (ت) غير منقوطة.
(٣) في (ب) (ولا يلزمه) وهو خطأ.
(٤) ووقع في (ش) (يناديه)، ووقع في (ب) (يبادره).
(٥) في (ش، ب) بياض بعد قوله (يكره).
(٦) من من (ظ، ت)، ووقع في (ب، ش، ج) (إنه).
(٧) وقع في (ظ) (وتضحيته)، وفي (ت) غير منقوطة وسقط من (ج) (له).
(٨) أخرجه الترمذي في الشمائل (٣٥٢)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٥٨) رقم (٤١٤) وغيرهما. وسنده ضعيف جدًا، فيه جُمَيْع بن عُمَيْر، قال أبو داوود: "أخشى أن يكون كذابًا". وأبو عبد الله التميمي: مجهول، والراوي عن =
[ ٢٠١ ]
النبي ﷺ في جلسائه فقال: "كان النبي ﷺ دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب، ولا فحاش، ولا عياب، ولا مداح (^١)، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه راجيه (^٢)، ولا يخيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، وترك ما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث (^٣): كان لا يذم أحدًا ولا يعيبه، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه، وإذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، ومن تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ (^٤)، حديثهم عنده حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه، ومسألته، حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم، ويقول: إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فأرفدوه، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحدٍ حديثه حتى يجوز، فيقطعه بنهي أو قيام".
وقوله: "من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه": وصفه بصفتين خص الله بهما أهل الصدق والإخلاص: وهما الإجلال والمحبة، فكان قد ألقى عليه هيبة منه ومحبة، فكان كل
_________________
(١) = الحسن بن علي لا يُعرف. انظر: تهذيب الكمال (٥/ ١٢٤ - ١٢٦).
(٢) في الشمائل (ولا مشاع).
(٣) من (ح) فقط.
(٤) من (ح) فقط من قوله (المراء) إلى (من ثلاث).
(٥) في (ب) (حتى يفرغوا) وهو خطأ.
[ ٢٠٢ ]
من يراه يهابه ويجله، ويملأ قلبه تعظيمًا وإجلالًا وإن كان عدوًا له، فإذا خالطه وعاشره كان أحب إليه من كل مخلوق، فهو المُجَلُّ المُعَظَّم المحبوب المكرم، وهذا كمال المحبة، أنْ تُقْرَنَ بالتعظيم والهيبة، فالمحبة بلا تعظيم ولا هيبة ناقصة، والهيبة والتعظيم من غير محبة (^١) - كما تكون للقادر الظالم - نقص أيضًا، والكمال: أن تجتمع المحبة والوِدّ والتعظيم والإجلال، وهذا لا يوجد إلا إذا كان في المحبوب صفات الكمال التي يستحق أن يُعَظَّم لأجلها ويُحَبُّ لأجلها.
ولما كان الله ﷾ أحق بهذا من كل أحد كان المستحق لأن (^٢) يعظم ويكبر ويهاب، ويحب ويُوَدَّ بكل جزء من أجزاء القلب، ولا يجعل له شريك في ذلك، وهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله سبحانه: أن يسوي بينه وبين غيره في هذا الحب والتعظيم (^٣)، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] فأخبر أن من أحبَّ شيئًا غير الله مثل حُبِّه لله كان قد اتَّخذه ندًّا. وقال أهل النار في النار لمعبودهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨]، ولم تكن تَسْويتهم لهم بالله في كونهم خَلَقُوا السماوات والأرض، أو خَلَقوْهم، أو (^٤) خلقوا آباءهم،
_________________
(١) وقع في (ح) (محبة ناقصة): ولعلها مُقحمة من الناشر.
(٢) في (ظ) (بأن).
(٣) سقط من (ظ) فقط.
(٤) من (ت، ح) وفي باقي النسخ (وخلقوا آباءهم).
[ ٢٠٣ ]
وإنما سوُّوهم بربِّ العالمين ﷾ في الحُبِّ لهم كما يحب الله تعالى، فإن حقيقة العبادة هي الحبُّ والذلُّ، وهذا هو الإجلال والإكرام الذي وَصَفَ به نفسه سبحانه في قوله ﷾: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ [الرحمن: ٧٨].
وأصحُّ القولين في ذلك: أن الجلال هو التَّعظيم، والإكرام هو الحب، وهو سِرُّ قول العبد: "لا إله إلا الله، والله أكبر"، ولهذا جاء في مسند الإمام أحمد (^١): من حديث أنس ﵁.
٢١٦ - عن النبي ﷺ أنه قال: "ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام" أي: الزموها والهجوا بها.
٢١٧ - وفي "مسند أبي يعلى الموصلي" (^٢): عن بعض الصحابة؛ أنه طلب أن يعرف اسم الله الأعظم، فرأى في منامه في السماء مكتوبًا في النجوم: يا بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام".
_________________
(١) عزاه له الضياء في المختارة (٦/ ٨١)، ولم أقف عليه في المسند، ولا في أطرافه، ولا إتحاف المهرة لابن حجر، فلعله في بعض النسخ. وأما حديث أنس فهو عند الترمذي (٣٥٢٤ و٣٥٢٥) وأبي يعلى (٦/ ٤٤٥) وغيرهما، وقد أعلَّه أبو حاتم والترمذي بالإرسال. وهو ثابت من حديث ربيعة بن عامر عند أحمد في المسند (٤/ ١٧٧) وغيره. والحديث صححه الحاكم وغيره.
(٢) * (١٣/ ١٦٥) رقم (٧٢٠٦) *. وهو أثر مقطوع؛ لأن الرجل الذي من طيء ليس من الصحابة، بل غاية أمره أن يكون تابعيًّا؛ لأن أعلى طبقة يروي عنها السَّري هي من التابعين. انظر: تهذيب الكمال (١٠/ ٢٣٢ - ٢٣٣).
[ ٢٠٤ ]
وكل محبة وتعظيم للبشر، فإنما تجوز تبعًا لمحبة الله وتعظيمه، كمحبة رسوله (^١) وتعظيمه (^٢)، فإنها من تمام محبة مُرْسِلِه وتعظيمه، فإن أمته يحبونه لحب الله تعالى له، ويعظمونه ويجلونه لإجلال الله له، فهي محبة لله من موجبات محبة الله. وكذلك محبة أهل العلم والإيمان، ومحبة الصحابة ﵃ وإجلالهم = تابعٌ لمحبة الله ورسوله لهم.
والمقصود أن النبي ﷺ ألقى الله عليه من المهابة والمحبة، ولكل مؤمن مخلص حظٌّ من ذلك.
٢١٨ - قال الحسن البصري ﵀: "إنَّ المُؤمنَ رُزِقَ حَلَاوَة ومَهَابة" (^٣).
يعني يُحَبُّ ويُهَابُ ويُجَلَّ بما (^٤) ألبسة الله سبحانه من ثوب الإيمان المقتضي لذلك، ولهذا لم يكن بشر أحب إلى بشر ولا أهيب وأجل في صدره من رسول الله ﷺ في صدر الصحابة ﵃.
٢١٩ - قال عمرو بن العاص بعد (^٥) إسلامه: إنه لم يكن
_________________
(١) في (ب) (رسول الله ﷺ)، وفي (ج) (المحبة رسوله) وهو خطأ.
(٢) سقط من (ظ).
(٣) لم أقف عليه.
(٤) في (ح) (بها) وهو خطأ.
(٥) وقع في (ظ، ت، ج) (قبل).
[ ٢٠٥ ]
شخص أبغض إليَّ منه، فلما أسلم لم يكن شخص أحب إليه منه ولا أجل في عينه منه، قال: "ولو سُئلتُ أن أصفه لكم لما أطقت؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه إجلالًا له" (^١).
٢٢٠ - وقال عروة بن مسعود لقريش: "يا قوم! والله لقد وفدت على كِسرى وقيصر والملوك، فما رأيت ملكًا يعظِّمه أصحابه ما يُعظِّم أصحاب محمدٍ محمدًا ﷺ، والله ما يُحِدُّون النظر إليه تعظيمًا له، وما تنخَّم نُخَامةً إلا وقعت في كف رجل منهم، فيدْلِك بها وجهه وصدره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه" (^٢).
فلما كان رسول الله ﷺ مشتملًا على ما يقتضي أن يحمد عليه مرة بعد مرة سمي محمدًا، وهو اسم موافق لِمُسمَّاه، ولفظ مطابق لمعناه؛ والفرق بين لفظ (^٣) "محمد" و"أحمد" من وجهين:
أحدهما: أن "محمدًا" هو المحمود حمدًا بعد حمد، فهو دال على كثرة حمد الحامدين له، وذلك يستلزم كثرة موجبات الحمد فيه. "وأحمد" أفعل (^٤) تفضيل من الحمد يدل على أن الحمد الذي يستحقه أفضل مما يستحقه غيره، فمحمد زيادة حمد
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه في (١) الإيمان (١٢١) في قصة احتضاره.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه في (٥٨) الشروط رقم (٢٥٨١) في قصة صلح الحديبية.
(٣) سقط من (ح).
(٤) سقط من (ح) قوله (أفعل)، ووقع في (ش) (أفضل) بدلًا عن (أفعل).
[ ٢٠٦ ]
في الكمية، و"أحمد" زيادته (^١) فى الكيفية، فيحمد أكثر حمد وأفضل حَمْدٍ حَمِدَه البَشَر.
الوجه الثانى: أن "محمدًا" هو المحمود حمدًا متكررًا كما تقدم، "وأحمد" هو الذي حمده لربه أفضل من حمد الحامدين غيره، فدل أحد الاسمين وهو "محمد" على كونه محمودًا، ودل الاسم الثاني وهو "أحمد" على كونه أحمد الحامدين لربه، وهذا هو القياس، فإن أفعل التفضيل والتعجب عند جماعة البصريين لا يُبْنَيَان إلَّا (^٢) مِنْ فعل الفاعل، لا يبنيان من فعل المفعول، بناءً منهم على أنَّ أفْعَلَ التَّعجُّب والتفضيل إنما يُصاغان من الفعل اللازمِ، لا من المتعدي، ولهذا يقدرون نقله من فَعَل وفَعِل إلى بناء فعُل -بضم العين-، قالوا: والدليل على هذا أنه تعدَّى بالهمزة إلى المفعول، فالهمزة التي فيه للتَّعْدِية، نحو: ما أظرف زيدًا، وأكرم عمرًا، وأصلهما ظرُف وكرُم.
قالوا: لأن المتعجب منه فاعل في الأصل، فوجب أن يكون فعله غير مُتَعَدٍّ.
قالوا: وأما قولهم: ما أضرب زيدًا لعمرو، وفعله مُتَعَدٍّ في الأصل. قالوا: فهو منقول من ضَرُبَ إلى وزن فَعُلَ اللازم، ثم عُدِّيَ من فعل بهمزة التعدية.
_________________
(١) في (ح) (زيادة).
(٢) من (ظ، ت، ب) (إلّا مِنْ) ووقع في (ش) (الأمر) وهو خطأ.
[ ٢٠٧ ]
قالوا: والدليل على ذلك مجيئهم باللام فيقولون: ما أضرب زيدًا لعمرو، ولو كان باقيًا على تعديه، لقيل: ما أضرب زيدًا عمرًا، لأنه متعد إلى واحد بنفسه، وإلى الآخر بهمزة التَّعْدِية، فلما عُدِّيَ إلى المفعول بهمزة التعدية عدي إلى الآخر باللام، فَعُلِمَ أنه لازم، فهذا هو الذي أوجب لهم أن يقولوا (^١): لا يصاغ ذلك إلا من فعل الفاعل، لا من الفعل (^٢) الواقع على المفعول.
ونازعهم في ذلك آخرون، وقالوا: يجوز بناء فِعْلَي (^٣) التعجب والتفضيل من فعل الفاعل، ومن الواقع على المفعول، تقول العرب: ما أشغله بالشيء، وهذا من شغل به على وزن سئل، فالتعجب من المشغول بالشيء لا من الشاغل، وكذا قولهم. ما أولعه بكذا، من أولع به مبني للمفعول، لأن العرب التزمت بناء هذا الفعل للمفعول، ولم تبنه للفاعل، وكذلك قولهم: ما أعجبه بكذا، هو من أعجب بالشيء، وكذا قولهم: ما أحبه إلي، هو تعجب من فعل المفعول، وكذا قولهم (^٤): ما أبغضه إلي وأمقته إلي.
وهنا مسألة مشهورة ذكرها سيبويه (^٥)، وهي أنك تقول: ما
_________________
(١) من (ح)، وفي باقي النسخ (قالوا).
(٢) من (ظ، ت، ش) ووقع في (ب) (فعل) وفي (ج) (الفاعل) وهو خطأ.
(٣) في (ح) (فعل) وهو خطأ.
(٤) سقط من (ب) فقط.
(٥) انظر الكتاب لسيبويه (٤/ ٩٩ - ١٠٠).
[ ٢٠٨ ]
أبغضني له، وما أحبني له، وما أمقتني (^١) له، إذا كنت أنت المبغض الكاره، والمحب والماقت، فيكون تعجبًا من فعل الفاعل، وتقول (^٢): ما أبغضني إليه وما أمقتني إليه، وما أحبني إليه؛ إذا كنت أنت المبْغَض الممقوت (^٣) أو المحبوب، فيكون تعجبًا من الفعل (^٤) الواقع على المفعول، فما كان باللام فهو للفاعل، وما كان بإلى فهو للمفعول، وكذا تقول: ما أحبه إلي، إذا كان هو المحبوب، وما أبغضه إلي، إذا كان هو المبغض (^٥)، وأكثر النحاة لا يعللون هذا.
والذي يقال في علته -والله أعلم-: إن اللام تكون للفاعل في المعنى نحو قولك: لمن هذا الفعل؟ فتقول: لزيد، فتأتي (^٦) باللام، وأما "إلى" فتكون للمفعول في المعنى، لأنه يقول: إلى من يصل هذا الفعل؟ فتقول: إلى زيد.
وسرُّ ذلك أن اللام في الأصل للملك، أو (^٧) الاختصاص والاستحقاق، والملك والاستحقاق إنما يستحقه الفاعل الذي يملك
_________________
(١) سقط من (ب) فقط (وما أمقتني له).
(٢) من (ظ، ش) ووقع في (ب) (ويقول)، وفي (ت) غير منقوطة.
(٣) سقط من (ب) فقط.
(٤) من (ظ، ت، ش) ووقع في (ب) (فعل).
(٥) في (ظ) (للبعض) وهو خطأ.
(٦) وقع في (ب) (فيأتي) وهو خطأ، وفي (ت) غير منقوطة.
(٧) وقع في (ب) فقط (و) بدلًا من (أو).
[ ٢٠٩ ]
ويستحق، و"إلى" لانتهاء الغاية، والغاية منتهى (^١) ما يقتضيه الفعل، فهي بالمفعول أليق، لأنه تمام مقتضى الفعل.
ومن التعجب من فعل المفعول قول كعب بن زهير (^٢) في النبي ﷺ:
فَلَهُوَ أخوفُ عِنْدي إذْ أُكَلِّمُه … وَقِيْلَ إنَّكَ مَحْبُوسٌ وَمَقْتُولُ
مِنْ ضَيْغَم بضراء الأرْضِ مَخْدَرُهُ … بِبَطْنِ عثراء غِيْل دُوْنَه غِيْل (^٣)
فأخوف هنا من خيف لا من خاف، وهو نظيرُ أحْمَد من حُمِد، كَسُئِلَ، لا من حَمِدَ كعَلِمَ، وتقول: ما أجَنَّه، من جَنَّ فهو مجنون.
قال البصريون: هذا كله شاذ لا يُعَوَّل عليه.
قال الآخرون: هذا قد كثر في كلامهم جدًّا، وحَمْلُه على الشذوذ غير جائز، لأن الشاذ ما خالف استعمالهم ومطرد كلامهم، وهذا غير مخالف لذلك.
قالوا: وأما تقديركم لزوم الفعل ونقله إلى بناء فَعُل المضموم، فمما لا يساعد عليه دليل.
_________________
(١) سقط من (ب) فقط.
(٢) هو كعب بن زهير بن أبي سُلْمى، المزني، الشاعر ابن الشاعر، صحابي معروف. انظر: الإصابة لابن حجر (٥/ ٣٠٢ - ٣٠٣) رقم (٧٤٠٥).
(٣) انظر ديوان كعب بن زهير ص ٢١.
[ ٢١٠ ]
وأما ما تمسَّكتم به من التَّعْدية بالهمزة، فليس كما ذكرتم، والهمزة هنا ليست للتعدية، وإنما هي للدلالة على معنى التعجب والتفضيل، كألف فاعل، وميم مفعول، وَوَائه (^١)، وتاء الافتعال والمطاوعة، ونحوها من الحروف التي تلحق الفعل الثلاثي، لبيان ما لحقه من الزيادة على مجرد مدلوله، فهذا هو السبب الجالب لهذه الألف، لا مجرد تعدية الفعل.
قالوا: والذي يدل على هذا أن الفعل الذي يُعَدَّى (^٢) بالهمزة يجوز أن يُعدَّى (^٣) بحرف الجر وبالتَّضْعِيْف، تقول: أجلست زيدًا وجلَّستُه، وجلست به، وأقمته وقَوَّمته (^٤) وقمت به، وأنمته ونَوَّمْتُه، ونمت به (^٥)، وأثَّمْتُه وآثَمْته (^٦)، ونظائر ذلك، وهنا لا يقوم مقام الهمزة غيرها، فبطل أن تكون للتعدية.
الثاني: أنها تجامع باء التعدية، فتقول: أحْسِنْ به وأَكْرِمْ به، والمعنى ما أكرمه وما أحسنه، والفعل لا يُجْمعُ (^٧) عليه بين مُعَدَّيَيْنِ معًا.
_________________
(١) من (ش، ب) فقط.
(٢) وقع في (ش) (تعدَّى)، ووقع في (ت) (أن الفعل المعدَّى بالهمزة).
(٣) وقع في (ش، ب) (يتعدى).
(٤) سقط من (ب، ت، ج) وفي (ظ) (وقمته).
(٥) سقط من (ظ، ت، ب، ج) (ونمت به).
(٦) سقط من (ح) قوله (وأثمته وأثمته).
(٧) من (ب، ج)، وفي (ش، ت، ظ) غير منقوطة.
[ ٢١١ ]
الثالث: أنهم يقولون: ما أعطى زيدًا للدراهم، وما أكساه للثياب، وهذا من أعطى وكسا المتعدي، ولا يصح تقدير نقله إلى عَطَوَ: إذا تناول، ثم أُدْخِلَت عليه همزة التعدية، كما تأوله بعضهم لفساد المعنى، فإن التعجب إنما وقع من إعطائه، لا من عَطْوه وهو تناوله، والهمزة فيه همزة التعجب والتفضيل، وحذفت همزته التي في فعله، فلا يصح أن يقال: هي للتعدية.
قالوا: وأما قولكم: إنه عُدِّيَ باللام في قولهم: ما أضربه لزيد، ولولا أنه لازم لما (^١) عدي باللام، فهذا ليس لِمَا (^٢) ذكرتم من لزوم الفعل، وإنما هو تقْوِية له لما ضعف بمنعه من التصرُّف (^٣)، وألزم طريقة واحدة خرج عن سنن الأفعال، وضعف عن مقتضاه، فقُوِّيَ باللام، وهذا كما يُقَوَّى باللَّام إذا تقدم معموله عليه، وحصل له بتأخره نوعُ وَهْنٍ جبروه باللَّام، كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣)﴾ [يوسف: ٤٣]، وكما يُقوّى باللام إذا كان اسم فاعل، كما تقول: أنا محب لك، ومُكْرم لزيد ونحوه، فلما ضعف هذا الفعل بمنعه من التصرُّف (^٤) قُوِّيَ باللام، وهذا المذهب هو الراجح (^٥) كما تراه، والله أعلم.
_________________
(١) سقط من (ب) (لَمَا)، وسقط من (ت) (في قولهم: ما اضربه لزيد، ولولا أنه لازم لما عُدي باللام).
(٢) من (ب، ش)، وفي باقي النسخ (كما).
(٣) من (ب، ش)، وفي باقي النسخ (الصرف) وهو خطأ.
(٤) من (ب، ش) كما سبق، وسقط من (ج) (بمنعه).
(٥) وقع في (ب) (راجح).
[ ٢١٢ ]
فلنرجع إلى المقصود، وهو أنه ﷺ سُمِّيَ "محمدًا" و"أحمد" لأنه يحمد أكثر مما يحمد غيره، وأفضل مما يحمد غيره، فالاسمان واقعان على المفعول، وهذا هو المختار، وذلك أبلغ في مدحه وأتم معنى، ولو أريد به معنى الفاعل لسُمّي الحَمَّاد، وهو كثير الحمد، كما سُمي "محمدًا" وهو المحمود كثيرًا، فإنه ﷺ كان أكثر الخلق حَمْدًا لربه ﷿، فلو كان اسمه باعتبار الفاعل لكان الأولى أن يسمى "حمادًا" كما أن اسم أمته الحَمَّادون. وأيضًا فإن الاسمين إنما اشتقا من أخلاقه وخصائله (^١) المحمودة التي لأجلها استحق أن يسمى "محمدًا" و"أحمد"، فهو الذي يحمده أهل الدنيا وأهل الآخرة، ويحمده أهل السماء والأرض، فلكثرة خصائله المحمودة التي تَفُوتُ عدّ العادّين سمي باسمين من أسماء الحمد يقتضيان التفضيل والزيادة في القَدْر والصِّفَة. والله أعلم.
فصل
وقد ظن طائفة، منهم أبو القاسم السهيلي (^٢) وغيره؛ أن تسميته ﷺ بـ "أحمد" كانت قبل تسميته بمحمد، فقالوا: ولهذا بشر به ﷺ المسيحُ باسمه (^٣) أحمد.
_________________
(١) وقع في (ب) (وخصاله).
(٢) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن أصبغ السهيلي أبو زيد ولد سنة ٥٠٨ هـ، وكان محدثًا أديبًا نحويًا علامة، له الروض الأنف والأمالي وغيرهما توفى سنة ٥٨١. انظر: بغية الملتمس للضبي رقم (١٠٢٥)، وانظر كلام السهيلي في الروض الأُنُف (١/ ٢٨١).
(٣) من (ظ، ت، ج) وفي (ش) (باسم)، وسقط من (ب).
[ ٢١٣ ]
٢٢١ - وفي حديث طويل (^١) في حديث موسى لما قال لربه: "يا رب إني أجد أمة من شأنها كذا وكذا، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد يا موسى، فقال: اللهم اجعلني من أمة أحمد"، قالوا: وإنما جاء تسميته ﷺ بمحمد في القرآن خاصة، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ [محمد: ٢]، وقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩]، وبنوا على ذلك أن اسمه "أحمد" تفضيل من فعل الفاعل، أي أحمد الحامدين (^٢) لربه، و"محمد" هو المحمود الذي تحمده الخلائق، وإنما تُرِتِّبَ (^٣) على (^٤) هذا الاسم بعد وجوده وظهوره (^٥)، فإنه حينئذ حمده أهل السماء والأرض، ويوم القيامة يحمده أهل الموقف، فلما ظهر إلى الوجود وترتَّب على ظهوره من الخيرات ما ترتَّب، حمده (^٦) حينئذ الخلائق حمدًا مكررًا، فتأخرت تسميته بمحمد، على (^٧) تسميته بأحمد.
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٧٥) من حديث أنس بن مالك مرفوعًا. وسنده ضعيف جدًا. قال أبو نعيم: غريب من حديث الزهري … والجبابري في حديثه لين ونكارة. وورد موقوفًا من قول ابن عباس، أخرجه ابن المنادي في متشابه القرآن ص ٢٢ كما في جلاء الأفهام (ط) مشهور ص ٣٠٥.
(٢) وقع في (ب) (الحمادون).
(٣) من (ش)، وفي بقية النسخ (يترتَّب).
(٤) من (ظ، ت، ج).
(٥) سقط من (ب) فقط.
(٦) وقع في (ب، ش) (فحمد).
(٧) وقع في (ب) (عن).
[ ٢١٤ ]
وفي هذا الكلام مناقشة من وجوه:
أحدها: أنه قد سُمي بمحمَّد قبل الإنْجيل، كذلك اسمه في التوراة. وهذا يُقِرُّ به كل عالم من مؤمني أهل الكتاب.
ونحن نذكر النص الذي عندهم في التوراة وما هو الصحيح في تفسيره، قال في التوراة في إسماعيل قولًا هذه حكايته: "وعن إسماعيل سمعتك ها (^١) أنا باركته وأيمنته بماذ ماذ" (^٢) وذكر هذا بعد أن ذكر إسماعيل، وأنه سيلد اثني عشر عظيمًا، منهم عظيم يكون اسمه "ماد ماد" وهذا عند العلماء (^٣) المؤمنين من أهل الكتاب صريح في اسم النبي ﷺ "محمد" (^٤).
ورأيت (^٥) في بعض شروح التوراة ما حكايته بعد هذا المتن، قال الشارح: "هذان الحرفان في موضعين (^٦) يتضمنان اسم السيد الرسول محمد ﷺ، لأنك إذا اعتبرت حروف اسم "محمد" وجدتها في الحرفين المذكورين لأن مِيْمَي "محمد" ودَالَهُ بإزاء المِيْمَيْن من
_________________
(١) في (ظ، ت) (هانا).
(٢) وقع في (ب) (مماد ماد) وفي (ح، ظ) (مماد باد)، وفي (ت، ج) (ماذ ماذ).
(٣) وقع في (ب) (علماء).
(٤) سقط من (ظ، ت).
(٥) وقع في (ب) (ورايته).
(٦) في (ظ، ت، ج) (الموضعين). * قلت: الموضع الثاني لم يذكره المؤلف في هداية الحيارى (ص/ ٦١)، ولا السمؤال المغربي (ت: ٥٧٠ هـ) في بذل المجهود في إفحام اليهود (ص/ ٨٦ - ٨٧) مع أنه صريح جدًّا، فلعل المؤلف اطلع على نسخةٍ أُخرى للتوراة فيها كلا الموضعين، أو وقع وهم. والله أعلم.
[ ٢١٥ ]
الحرفين، وإحدى الدالين، وبقية اسم محمد وهي الحاء، فبإزاء بقية الحرفين وهي الباء، والألفان والدال الثانية".
قلت: يريد بالحرفين الكلمتين، قال: لأن لِلْحَاءِ (^١) من الحساب ثمانية من العدد، والباء لها اثنان، وكل ألف لها واحد، والدال بأربعة، فيصير المجموع ثمانية، وهي قسط الحاء من العدد الجُمَّلي، فيكون الحرفان معنى الكلمتين وهما "بماذ ماذ (^٢) "، وقد تضمنا بالتصريح ثلاثة أرباع اسم محمد ﷺ، وربعه الآخر قدْ دلَّ عليه بقية الحرفين بالكتابة بالطريق التي أشرت إليها.
قال الشارح: فإن قيل: فما مستندكم في هذا التأويل؟.
قلنا: مستندنا فيه مستند علماء اليهود في تأويل أمثاله من الحروف المُشْكِلة التي جاءت في التوراة، كقوله تعالى: "يا موسى قل لبني إسرائيل أن يجعل كل واحد منهم في طرف ثوبه خيطًا أزرق له ثمانية أرؤس، ويعقد فيه خمس عقد ويسميه صيصيت" قال علماء اليهود: تأويل هذا وحكمته أن كل من رأى ذلك الخيط الأزرق (^٣) وعدد أطرافه الثمانية، وعقده الخمس، وذكر اسمه، ذكر ما يجب عليه من فرائض الله ﷾، لأن الله تعالى افترض على بني إسرائيل ستمائة وثلاث عشرة شريعة، لأن الصادين والياءين بمائتين، والياء بأربعمائة، فيصير مجموع الاسم ستمائة،
_________________
(١) وقع في (ب، ج) (الحاء)، وفي (ظ) (لحاء)، وفي (ت) (الحاء).
(٢) وقع في (ب) (مما ماد)، وفي (ظ، ت، ح) (مماد ماد).
(٣) سقط من (ظ، ت).
[ ٢١٦ ]
والأطراف والعقد ثلاثة عشر، كأنه يقول بصورته واسمه: اذكر فرائض الله ﷿.
قال هذا الشارح: وأما قول كثير من المفسرين: إن المراد بهذين الحرفين (جدًا جدًا) لكون لفظ (ماد) قد جاءت مفردة في التوراة بمعنى (جدًا) قال: فهذا لا يصحُّ لأجل الباء المُتَّصِلة بهذا الحرف، فإنه ليس من الكلام المستقيم قول القائل: أنا أكرمك بجدًا (^١)، فلما نقل هذا الحرف من التوراة الأزلية التي نزلت في ألواح الجوهر على الكليم بالخط الكينوني، وهذا الحرف فيها موصولًا بالباء (^٢)، علم أن المراد غير ما ذهب إليه من قال: هي (^٣) بمعنى جدًا، إذ لا تأويل يَليقُ بها غير هذا التفسير، بدليل قوله تعالى في غير هذا الموضع لإبراهيم عن ولده إسماعيل: "إنه يلد اثني عشر شريفًا ومن شريف واحد (^٤) منهم يكون شخص اسمه مماد (^٥) باد" فقد صرحت التوراة أن هذين الحرفين اسم علم لشخص شريف معين من ولد إسماعيل، فبطل قول من قال: إنه بمعنى المصدر للتوكيد، فإن التصريح بكونه اسم عين يناقض من يدعي أنه اسم معنى، والله أعلم. تم كلامه.
_________________
(١) وقع في (ب) إضافة (جدًا) بعد (بجدًا).
(٢) في (ظ، ت، ج) (بالياء).
(٣) وقع في (ش) (هو).
(٤) إضافة من (ب) فقط.
(٥) في (ظ، ت) (مماذ باذ).
[ ٢١٧ ]
وقال غيره: لا حاجة إلى هذا التَّعسُّف في بيان اسمه ﷺ في التوراة، بل اسمه فيها أظهر من هذا كُلّه، وذلك أن التوراة هي باللغة العِبْرية، وهي قريبة من العربية، بل (^١) هي أقرب لغات الأمم (^٢) إلى اللغة العربية، وكثيرًا ما يكون الاختلاف بينهما في كيفيات أداء الحروف والنُّطق بها من التَّفْخِيم والتَّرقِيْق والضَّم والفتح، وغير ذلك، واعتبر هذا بتقارب ما بين مفردات اللغتين، فإن العرب يقولون: "لا"، والعبرانيين يقولون: "لُوا" فيضمون اللام، ويأتون بالألف بين الواو والألف، وتقول العرب: "قدس"، ويقول العبرانيون: "قدِّيش" (^٣)، وتقول العرب: "أنت"، ويقول العبرانيون: "أتا" (^٤)، وتقول العرب: "يأتي كذا"، ويقول العبرانيون: "يؤتى" فيضمون الياء، ويأتون بالألف بين هاتين الواو والألف، وتقول العرب: "قدسك"، ويقول العبرانيون: "قِدِّ شْخا" (^٥)، وتقول العرب: "منه"، ويقول العبرانيون: "ممنو" (^٦)، وتقول العرب: "من يهوذا"، ويقول العبرانيون: "ميْهُوذا" (^٧)، وتقول العرب: "سمعتك"، ويقول العبرانيون: "شمعتيخا" (^٨)،
_________________
(١) سقط من (ظ، ت، ب).
(٢) في (ظ، ت) (الاسم) وهو خطأ.
(٣) في (ب، ظ، ح) (قدشي).
(٤) من (ب، ش) وفي باقي النسخ (أنا).
(٥) وقع في (ج، ح) (قد شحا) وفي (ظ) غير منقوطة.
(٦) وقع في (ش) (ممتو).
(٧) وقع في (ظ، ج، ح) (مهوذا).
(٨) وقع في (ج، ح) (شمعيخا) في (ظ) غير منقوطة، وفي (ت) (شمغيخا).
[ ٢١٨ ]
وتقول العرب: "من"، ويقول العبرانيون: "مي"، وتقول العرب: "يمينه"، ويقول العبرانيون: "مينو" (^١)، وتقول العرب: "له"، ويقول العبرانيون: "لو" بين الواو والألف، وكذلك تقول العرب: "أمَّة"، ويقول العبرانيون: "إموا" (^٢)، وتقول العرب: "أرض"، ويقول العبرانيون: "إيرض"، وتقول العرب: "واحد"، ويقول العبرانيون: "إيحاذ" (^٣)، وتقول العرب: "عالم"، ويقول العبرانيون: "عولام"، وتقول العرب: "كيس"، ويقول العبرانيون: "كِيَيِش" (^٤)، وتقول العرب: "يأكل"، ويقول العبرانيون: "يوخل"، وتقول العرب: "تين"، ويقول العبرانيون: "تِيْبِن" (^٥)، وتقول العرب "إله"، ويقول العبرانيون: "أولوه"، وتقول الرب: "الهنا"، ويقول العبرانيون: "ألوهينو"، وتقول العرب: "أبانا"، ويقول العبرانيون: "أبوتينا"، ويقولون: "يا صباع (^٦) إلوهيم" يعنون با أصبع (^٧) الإله، ويقولون: "ما بنم (^٨) " يعنون الابن، ويقولون: "حاليب" (^٩) بمعنى حليب. فإذا
_________________
(١) وقع في (ب، ت، ش) (مينوا)، ولعل الصواب "يمينو".
(٢) وقع في (ت، ظ، ج، ح) (أموا).
(٣) من (ب)، وفي باقي النسخ (إيحاد).
(٤) وقع في (ش) (كبش) وقع في (ب) (كبيس) في (ظ) غير منقوطة.
(٥) وقع في (ب) (تبن تين) في (ظ) غير منقوطة، وفي (ت) (تبن … تبين).
(٦) وقع في (ب) (يا صباع ألوهم) وفي (ت) (يا صباغ الوهيم)، والمثبت أصوب.
(٧) وقع في (ب) (بأ أصبع الاله)، وفي (ت) (يا اصبع الاله)، والمثبت أصوب.
(٨) وقع في (ب، ت، ش) (يا بنم)، وفي الباقي (مابنم)، ولعل الصواب ما أثبته وتعني الأبناء، أما الابن فبالعبرية: بِيْن.
(٩) وقع في (ب، ت) (حالوب) وفي (ش) غير واضحة.
[ ٢١٩ ]
أرادوا يقولون: "لا تأكل الجدي في حليب أمه"، قالوا: لو (^١٠) توخل لذي ما حالوب أمو.
ويقولون: لو توخلو (^٢)، أي لا تأكلوا. ويقولون للكتب: "المشنا" (^٣) ومعناها بلغة العرب "المثناة" التي تثنى، أي: تقرأ مرة بعد مرة، ولا نطيل بأكثر من هذا في تقارب اللغتين، وتحت هذا سِرُّ يفهمه من فهم تقارب ما بين الاُمَّتين والشَّرِيعتين.
واقتران التوراة بالقرآن في غير موضع من الكتاب، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩)﴾ [القصص: ٤٨ - ٤٩]، وقوله في سورة (^٤) الأنعام ردًا على من قال: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ الآية، ثم قال: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأنعام: ٩١ - ٩٢]، وقال في آخر السورة: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ [الأنعام: ١٥٤ - ١٥٥]، وقال في أول سورة آل عمران:
_________________
(١) من (ت)، وقع في (ش) (لو توخل لذا حالوب أمو) ووقع في (ب) (لو توكل حالوب امو)، وفي باقي النسخ مثله لكن فيها (لذي) مكان (كذي).
(٢) وقع في (ش، ت) (توخيلو)، وفي (ظ، ج، ح) (توكلوا).
(٣) وقع في (ب) (المشتا).
(٤) إضافة من (ظ) فقط.
[ ٢٢٠ ]
﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١ - ٤]، وقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٨ - ٥٠].
ولهذا يُكرِّر (^١) ﷾ قصة موسى ويعيدها ويبديها، ويسلى رسول الله ﷺ، ويقول رسول الله ﷺ عندما يناله من أذى الناس:
٢٢٢ - "لَقد أوْذِيَ مُوسَى بأكثرَ مِنْ هَذَا فَصبَر" (^٢).
٢٢٣ - ولهذا قال النبي ﷺ: "إنه كائن في أمتي ما كان في بني إسرائيل، حتى لو كان فيهم مَنْ أتى أُمَّهُ علانية لكان في هذه الأمة من يفعله" (^٣).
فتأمل هذا التناسب بين الرسولين والكتابين والشريعتين؛ أعني الشريعة الصحيحة التي لم تُبدَّل، والأمتين واللغتين، فإذا
_________________
(١) في (ح) (يذكر).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٦١) الخُمْس (٢/ ١١٤٨) (٢٩٨١)، ومسلم في صحيحه في (١٢) الزكاة رقم (١٠٦٢) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
(٣) أخرجه الترمذي (٢٦٤١) وقال: "هذا حديث غريب مفسَّر لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه". قلت: والحديث منكر، لتفرد الإفريقي -عبد الرحمن بن زياد بن أنعم- به وهو ضعيف، قال ابن عدي: عامة حديثه، وما يرويه لا يتابع عليه. انظر: تهذيب الكمال (١٧/ ١٠٢ - ١١٠).
[ ٢٢١ ]
نظرت في حروف "محمد" وحروف "ماذ ماذ (^١) " وجدت الكلمتين كلمة واحدة، فإن الميمين فيهما والهمزة والحاء من مخرج واحد، والدال كثيرًا ما تجد موضعها ذالًا في لغتهم: يقولون: "إيحاذ" (^٢) للواحد، ويقولون: "قوذش" في القدس. والدال والذال متقاربتان، فمن تأمل اللغتين وتأمل هذين الاسمين لم يشك أنهما واحد. ولهذا نظائر في اللغتين مثل "موسى" فإنه في اللغة العبرانية "موشى" بالشين، وأصله الماء والشجر، فإنهم يقولون للماء: "مو" و"شا" هو الشجر، وموسى التقطه آل فرعون من بين الماء والشجر، فالتفاوت الذي بين موسى وموشى كالتفاوت بين "محمد" و"ماذ ماذ (^٣) ".
وكذلك إسماعيل هو في لغتهم "يشماعيل" (^٤) بالألف بين الياء والألف، وبشين بدل السين، فالتفاوت بينهما كالتفاوت بين "محمد" و"ماذ ماذ (^٥) " وكذلك العيص وهو أخو يعقوب يقولون له: عيسى، وهو عيص. ونظير هذا في غير الأعلام مما تقدم قوله: (يشماعون) يعنون: يسمعون، ويقولون: (آقيم) بمد الهمزة مع ضمها، أي: أقيم، ويقولون (^٦): لاهيم، أي: لهم،
_________________
(١) وقع في (ظ، ج، ح) (مماد باد).
(٢) من (ش، ح)، وفي باقي النسخ (إيحاد) بالدال المهملة.
(٣) من (ش، ت) ووقع في (ب) (ماد ماد) في ظ (ماذ ماد).
(٤) وقع في (ب، ت، ش) (تشماعيل).
(٥) في (ب، ش) (ماد ماد).
(٦) ليس في (ظ) قوله (ويقولون: لاهيم، أي: لهم).
[ ٢٢٢ ]
ويقولون: مي قارب، أي (^١): مَنْ قارب، ووسط أحيهيم (^٢)، أي: إخوتهم. وهذا مما يعترف به كل مؤمن عالم من علماء أهل الكتاب.
والمقصود أنَّ اسم النَّبيِّ ﷺ في التَّوراة (مُحمَّد) كما هو في القرآن، وأما المسيح ﵊ فإنما سماه (أحمد) كما حكاه الله عنه في القرآن، فإذن تسميته بأحمد وقعت متأخرة عن تسميته محمدًا في التوراة، ومتقدمة على تسميته محمدًا في القرآن، فوقعت بين التسميتين محفوفة بهما، وقد تقدم أن هذين الاسمين صفتان في الحقيقة، والوصْفيَّة فيهما لا تنافي العَلَمِيَّة، وأن معناهما مقصود، فعُرفَ عند كل أمة بأعرف الوصفين عندها، فمحمد مُفَعَّل من الحَمْد، وهو الكثير الخصال التي يُحْمَدُ عليها حَمْدًا متكررًا، حَمْدًا بعد حَمْدٍ، وهذا إنما يعرف بعد العلم بخصال الخير وأنواع العلوم والمعارف والأخلاق والأوصاف والأفعال التي يستحق تكرار الحمد عليها (^٣)، ولا ريب أن بني إسرائيل هم أولو العلم الأول، والكتاب (^٤) الذي قال الله فيه: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥]، ولهذا كانت أمة موسى
_________________
(١) ليس في (ب، ش) قوله (أيّ)، وفي العبارة شيء، ويستقيم هكذا "مي قارب، أي: مِن وسط".
(٢) في (ت) (احيهم)، وفي (ب) (أحييم)، وفي (ح) (آخيهم). وفي (ظ، ش) (أخيهيم)، والصواب ما أثبته.
(٣) سقط من (ب) قوله (عليها).
(٤) وقع في (ب) (في الكتاب).
[ ٢٢٣ ]
أوسع علومًا ومعرفة من أمة المسيح، ولهذا لا تتمُّ شريعة المسيح إلا بالتوراة وأحكامها، فإن المسيح ﵇ وأمّته مُحَالُونَ (^١) في الأحكام (^٢) عليها، والإنجيل كأنَّه مُكمِّل لها متمم لمحاسنها، والقرآن جامع لمحاسن الكتابين.
فعُرف النبي ﷺ عند هذه الأمة باسم "محمد" الذي قد جمع خصال الخير، التي يستحق أن يحمد عليها حمدًا بعد حمد، وعُرف عند أمة المسيح بـ "أحمد" ﷺ الذي يستحق أن يحمد أفضل مما يحمد غيره، وحمده أفضل من حمد غيره، فإن أمة المسيح ﵊ أمة لهم من الرياضات والأخلاق والعبادات ما ليس لأمة موسى، ولهذا كان غالب كتابهم مواعظ وزُهْد وأخلاق وحضّ (^٣) على الإحسان والاحتمال والصفح، حتى قيل: إنَّ الشرائع الثلاثة: شريعة عدل، وهي شريعة التوراة، فيها الحُكْم والقِصَاص، وشريعة فَضْل، وهي شريعة الإنجيل، مشتملة على العفو ومكارم الأخلاق والصفح والإحسان؛ كقوله: "من أخذ رداءك فأعطه ثوبك، ومن لطمك على خدك الأيمن، فأدر له خدك الأيسر، ومن سخرك ميلًا فامش معه ميلين" (^٤) ونحو ذلك. وشريعة نبينا (^٥) جمعت هذا وهذا، وهي شريعة القرآن، فإنه يذكر العدل
_________________
(١) في (ت، ظ) (محالفون).
(٢) وقع في (ش) (العلم).
(٣) من (ب) وفي باقي النسخ (حظ) وهو خطأ.
(٤) إنجيل متَّى ٥: ٣٩ - ٤١.
(٥) من (ظ) وسقط من باقي النسخ.
[ ٢٢٤ ]
ويوجبه، والفضل ويندب إليه، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ [الشورى: ٤٠]، فجاء اسمه عند هذه الأمة بأفعل التفضيل الدال على الفضل والكمال، كما جاءت شريعتهم بالفضل المكمل لشريعة التوراة، وجاء في الكتاب الجامع لمحاسن الكتب قبله بالاسمين معًا، فتدبَّر هذا الفَصل (^١) وتبين ارتباط المعاني بأسمائها ومناسبتها لها، والحمد لله المان (^٢) بفضله وتوفيقه.
وقول أبي القاسم (^٣): إن اسم "محمد" ﷺ إنما تَرتَّب بعد ظهوره إلى الوجود، لأنه حينئذ حمد حمدًا مكررًا، فكذلك (يقال في اسمه "أحمد" أيضًا سواء) (^٤)، وقوله في اسمه "أحمد": إنه تقدّم لكونه أحمد الحامدين لربه، وهذا يقدم على حمد الخلائق له؛ فبناء منه على أنه تفضيل من فعل الفاعل، وأما على القول الآخر الصحيح فلا يجيء هذا، وقد تقدم تقرير ذلك، والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) وقع في (ح) (الفضل).
(٢) وقع في (ب) (المنان).
(٣) هو السهيلي، صاحب الروض الأنف، المتقدم ص ٢٠٦.
(٤) في (ظ، ت) (أن يقال: محمد أيضًا سواء).
[ ٢٢٥ ]