وحقيقتها: الثُّبُوت واللُّزُوم والاستقرار، فمنه برك البعير: إذا استقر على الأرض، ومنه المَبْرَك لموضع البروت. وقال صاحب الصِّحَاح (^١): "وكل شيء ثبت وأقام فقد برك، والبَرْكُ: الإبل الكثيرة … والبِرْكة: بكسر الباء كالحوض، والجمع: البِرَك". ذكره الجوهري. قال: "ويقال: سُمَّيت بذلك لإقامة الماء فيها". والبراكاءُ: الثّبَاتَ في الحرب والجِدُّ فيها، قال الشاعر (^٢):
ولا يُنْجِي مِن الغَمَرَاتِ إلا … بَرَاكَاءُ القِتَالِ أو الفِرَارُ
والبَرَكة: النَّماءُ والزِّيادة. والتَّبْرِيك: الدُّعاء بذلك. ويقال: باركه الله وبارك فيه، وبارك عليه، وبارك له، وفي القرآن: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [النمل: ٨]، وفيه: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ [الصافات: ١١٣]، وفيه: ﴿بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء: ٧١].
_________________
(١) (٢/ ١١٩٠) مادة: برك.
(٢) * هو بشر بن أبي خازم الأسدي كما في ديوانه ضمن قصيدة من المُفَصَّلِيَّات، ط- دار المعارف- ص ٣٤٥ *.
[ ٣٤٧ ]
وفي الحديث: "وبَاركْ لِي فِيْمَا أعْطَيْتَ" (^١)، وفي حديث سعد: بارك الله لك (^٢) في أَهلك ومالك" (^٣). والمُبَارَك: الذي قد باركه الله سبحانه، كما قال المسيح ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١]، وكتابه مبارك، قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، وقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص: ٢٩]، وهو أحق أن يسمى مباركًا من كل شيء، لكثرة خيره ومنافعه، ووجوه البركة فيه، والرب تعالى يقال في حقه: "تبارك" ولا يقال: مبارك.
ثم قالت طائفة منهم الجوهري (^٤): إن "تبارك" بمعنى بارك، مثل قاتل وتقاتل، قال: "إلا أن فَاعَلَ يتَعَدَّى (^٥)، وتفاعل لا يتعدى". وهذا غلط عند المحققين، وإنما "تبارك" تفاعل من (^٦)
_________________
(١) سيأتي تخريجه برقم (٣٦٩) من حديث الحسن بن علي.
(٢) في (ب) (له) وهو خطأ. انظر البخاري كما تقدم.
(٣) أخرجه البخاري في (٣٩) البيوع (١٩٤٤) من حديث أنس. وهذا الكلام قاله عبد الرحمن بن عوف، لسعد بن الربيع الأنصاري في قصة التآخي بين المهاجرين والأنصار.
(٤) انظر: الصحاح (١/ ١١٩).
(٥) في (ب) (متعدي).
(٦) هذا قول ابن عباس: تفاعل من البركة. أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٤٩٨) رقم (٨٥٨٨)، والطبري (١٨/ ١٧٩) عن ابن عباس، وفي سنده انقطاع. وانظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٥٧)، ومعاني القرآن للفراء (١/ ٢٦٢)، والبحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤٤٠).
[ ٣٤٨ ]
البركة، وهذا الثناء في حقه تعالى إنما هو لوصف رجع إليه كتعالى، فإنه تفاعل من العلو؛ ولهذا يقرن بين هذين اللفظين، فيقال: "﵎"، وفي دعاء القنوت:
٣١١ - "تباركت وتعاليت" (^١)، وهو سبحانه أحق بذلك وأولى من كل أحد، فإن الخير كله بيديه (^٢)، وكل الخير منه. وصفاته كلها صفات كمال، وأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة، وخيرات لا شرور فيها، كما قال النبي ﷺ:
٣١٢ - "والشَّرُّ لَيْسَ إليْكَ" (^٣)، وإنما يقع الشر في مفعولاته ومخلوقاته، لا في فعله سبحانه. فإذا كان العبد وغيره مباركًا، لكثرة خيره ونفعه واتصال أسباب الخير فيه، وحصول ما ينتفع به الناس منه، فالله ﵎ أحق أن يكون متباركًا، وهذا ثناء يشعر بالعظمة، والرفعة والسعة، كما يقال: تعاظم وتعالى، ونحوه، فهو دليل على عظمته وكثرة خيره ودوامه، واجتماع صفات الكمال فيه، وأن كل نفع في العالم كان ويكون فمن نفعه سبحانه وإحسانه.
ويدلُّ هذا الفعل أيضًا في حقه على العظمة والجلال وعُلُوِّ الشأن، ولهذا إنما يذكره غالبًا مفتتحًا به جَلَالَه وعَظَمَتَه وكبْرياءَه،
_________________
(١) سيأتي برقم (٣٦٨ و٣٦٩).
(٢) في (ح) (بيده).
(٣) أخرجه مسلم في (٦) صلاة المسافرين وقصرها (٧٧١) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
[ ٣٤٩ ]
قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١]، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾ [الفرقان: ٦١]، ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥)﴾ [الزخرف: ٨٥]، و﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]، وقال تعالى عقب خلق الإنسان في أطواره السبعة: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤]، فقد ذكر تباركه سبحانه في المواضع التي أثنى فيها على نفسه بالجلال والعظمة، والأفعال الدالة على ربوبيته وإلهيته (^١) وحكمتة وسائر صفات كماله: من إنزال الفرقان، وخلق العالمين، وجعله البروج في السماء والشمس والقمر، وانفراده بالملك، وكمال القدرة.
٣١٣ - ولهذا قال أبو صالح: عن ابن عباس (^٢) ﵁: "تبارك" بمعنى: تعالى.
وقال أبو العباس (^٣): "تبارك": ارتفع، "والمبارك":
_________________
(١) في (ب) (هيبته).
(٢) انظر: تهذيب اللغة للأزهري (١/ ٣١٩)، وزاد المسير لابن الجوزي (٣/ ٢١٤)، ولسان العرب (١٠/ ٣٩٦) (مادة: برك).
(٣) انظر: زاد المسير (٣/ ٢١٤).
[ ٣٥٠ ]
المرتفع.
وقال ابن الأنباري (^١): "تبارك"، بمعنى: تقدَّس.
وقال الحسن (^٢): "تبارك: تجيء البركة من قِبَلِهِ". وقال الضَّحَّاك (^٣): "تبارك تعظَّم (^٤) ". وقال الخليل بن أحمد (^٥): "تمجَّد". وقال الحسين بن الفضل (^٦): "تبارك في ذاته، وبارك فيمن شاء من خلقه". وهذا أحسن الأقوال، فتباركه سبحانه وصفُ (^٧) ذات له، وصفة فعل، كما قال الحسين بن الفضل.
والذي يدل على ذلك أيضًا: أنه سبحانه يضيف (^٨) التبارك إلى اسمه، كما قال: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ [الرحمن: ٧٨]، وفي حديث الاستفتاح: "تَبَارَكَ اسْمُك وتَعَالَى جَدُّكَ" (^٩)، فدل هذا على أن تبارك ليس بمعنى بارك، كما قاله الجوهري، وأن تبريكه سبحانه جزء مُسَمَّى اللَّفظ، لا كمال
_________________
(١) * في الزاهر (١/ ٥٣)، وأضاف (أنه تفاعل من البركة …) *.
(٢) انظر: تفسير الماوردي (٤/ ١٣٠)، وزاد المسير (٣/ ٢١٤).
(٣) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤١٠)، وسقط من (ج) (الضحاك).
(٤) في (ح) (تعاظم).
(٥) انظر: البحر المحيط (٦/ ٤٤٠).
(٦) هو ابن عمير أبو علي الكوفي المفسِّر، (ت: ٢٨٢ هـ). السير (١٣/ ٤١٤).
(٧) في (ح) (صفة).
(٨) في (ح، ونسخة (ظ) على حاشية (ب» (يُسند)، وفي (ج) غير واضحة.
(٩) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢/ ٧٥)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٠٩) وغيرهما عن عمر موقوفًا. وسنده صحيح. وروي مرفوعًا، وفي ثبوته نظر.
[ ٣٥١ ]
معناه.
وقال ابن عطية (^١): "معناه عَظُم، وكثرت بركاته. ولا يوصف بهذه اللفظة إلا الله ﷾، ولا تتصرف هذه اللفظة في لغة العرب، لا يستعمل منها مضارع ولا أمْر. -قال- وعِلَّة ذلك أن "تبارك" لما لم يوصف به غير الله، لم يقتض مستقبلًا، إذ الله تعالى قد تبارك في الأزل -قال- وقد غلط أبو علي الفالي، فقيل له: كيف المستقبل من تبارك؟ فقال: يتبارك. فوقف على أن العرب لم تقله".
وقال ابن قتيبة (^٢): "تبارك اسمك (^٣): تفاعل من البركة، كما يقال: "تعالى اسمك" من العلو، يراد به أن البركة في اسمك، وفيما سُمِّي عليه. -وقال- وأنشدني بعض أصحاب اللغة بيتًا حفظت عَجُزَهُ:
إلى الجذْعِ جِذْع النَّخْلَةِ المُتَبَارَكِ".
فقوله: يراد به أن البركة في اسمك وفيما سُمِّي عليه، يدل على أن ذلك صفة لمن تبارك، فإن بركة الاسم تابعة لبركة اليسمى، ولهذا كان قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾ [الحاقة: ٥٢]، دليلًا على الأمر بتسبيح الرب بطريق الأولى، فإن
_________________
(١) انظر: المحرر الوجيز (٧/ ٧٧).
(٢) انظر: غريب الحديث له (١/ ١٦).
(٣) في (ب) (اسم)، وفي (ت) (اسم لك) وكلاهما خطأ.
[ ٣٥٢ ]
تنزيه الاسم من توابع تنزيه المسمى.
وقال الزَّمَخْشَرِي (^١): "فيه معنيان، أحدهما تزايد خيره وتكاثر، أو تزايد عن كل شيء، وتعالى عنه في صفاته وأفعاله".
قلت: ولا تنافي بين المعنيين، كما قال الحسين بن الفضل وغيره.
وقال النَّضْرُ بن شُمَيْل: "سألت الخليل بن أحمد عن "تبارك" فقال: تمجَّد". وهذا (^٢) يجمع المعنيين: مجده في ذاته، وإفاضته (^٣) البركة على خلقه، فإن هذا هو حقيقة المجد، فإنَّه السَّعة، ومنه مَجُدَ الشيء: إذا اتسع، واستمجد، والعرش المجيد لسعته.
وقال بعض المفسرين: يمكن أن يقال: هو من البروك، فيكون تبارك ثبت ودام أزلًا وأبدًا، فيلزم أن يكون واجب الوجود، لأن ما كان وجوده من غيره لم يكن أزليًا.
وهذا قد يقال: إنه جزء المعنى، فتبارُكُه سبحانه يجمع هذا كله: دوامَ وُجودِهِ، وكثرةَ خيرِه، ومجدَهُ وعُلُوَّه، وعَظَمَتَه وتَقَدُّسَهُ، ومجيءَ الخيراتِ كلِّها من عنده، وتبريكَه على من شاء من خلقه،
_________________
(١) انظر: الكشاف (٣/ ٢٦٢).
(٢) سقط من (ظ) (وهذا يجمع المعنيين مجده).
(٣) في (ب) (إضافة)، وفي (ظ، ت، ج) (واضافته).
[ ٣٥٣ ]
وهذا هو المعهود من ألفاظ القرآن كلها (^١)، أنها تكون دالة على جملة معان، فيُعَبِّر هذا عن بعضها، وهذا عن بعضها، واللفظ يجمع ذلك كله، وقد ذكرنا ذلك في غير هذا الموضع (^٢).
والمقصود الكلام على قوله: "وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركت على آل إبراهيم"، فهذا الدعاء يتضمن إعطاءه من الخير ما أعطاه لآل إبراهيم، وإدامته وثبوته له، ومضاعفته له (^٣) وزيادته، هذا حقيقة البركة.
وقد قال تعالى في إبراهيم وآله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ [الصافات: ١١٢ - ١١٣]، وقال تعالى فيه وفي أهل بيته: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾ [هود: ٧٣].
وتأمل كيف جاء في القرآن: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ [الصافات: ١١٣] ولم يذكر إسماعيل.
وجاء في التوراة ذكر البركة على إسماعيل، ولم يذكر إسحاق، كما (^٤) تقدم حكايته. وعن إسماعيل: "سمعتك ها أنا باركته" فجاء في التوراة ذكر البركة في إسماعيل إيْذانًا بما حصل
_________________
(١) من (ظ) قوله (كلها) وسقطت من باقي النسخ.
(٢) انظر: بدائع الفوائد (٢/ ١٨٥ - ١٨٧).
(٣) من (ح) (له)، وسقط من باقي النسخ.
(٤) في (ب، ش) (وقد تقدم ..)، وانظر ص ٢١٥.
[ ٣٥٤ ]
لبنيه من الخير والبركة، لاسيما خاتمة بركتهم وأعظمها وأجلها رسول (^١) الله ﷺ، فنبههم بذلك على ما يكون في بنيه من هذه البركة العظيمة الموافية على لسان المبارك ﷺ، وذكر لنا في القرآن بركته على إسحاق منبهًا لنا على ما حصل في أولاده من نُبُوَّة موسى ﵇ وغيره، وما أُوتُوهُ من الكتاب والعلم، مستدعيًا من عباده الإيمان بذلك، والتصديق به، وأن لا يُهْمِلُوا (^٢) معرفة حقوق هذا البيت المبارك وأهل النبوة منهم (^٣)، ولا يقول القائل: هؤلاء أنبياء بني إسرائيل لا تعلُّقَ لنا بهم، بل يجب علينا احترامهم وتوقيرهم، والإيمان بهم، ومحبتهم وموالاتهم، والثناء عليهم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
ولما كان هذا البيت المبارك المطهر أشرف بيوت العالم على الإطلاق خصهم الله ﷾ بخصائص:
* منها: أنه جعل فيه النبوة والكتاب، فلم يأت بعد إبراهيم نبي إلا من أهل بيته.
* ومنها أنه سبحانه جعلهم أئمَّة يَهْدُون بأمره إلى يوم القيامة، فكل من دخل الجنة من أولياء الله بعدهم، فإنما دخل من طريقهم وبدعوتهم.
_________________
(١) من (ت)، وفي باقي النسخ (برسول).
(٢) في (ت، ج) (يملوا)، وفي (ح) (يمهلوا).
(٣) سقط من (ظ) (ت)، (ج).
[ ٣٥٥ ]
* ومنها: أنه سبحانه اتخذ منهم الخليلين: إبراهيم ومحمدًا صلى الله وسلم عليهما، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥].
٣١٤ - وقال النبي ﷺ: "إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا" (^١)، وهذا من خواص هذا البيت.
* ومنها: أنه سبحانه جعل صاحب هذا البيت إمامًا للعالمين، كما قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤].
* ومنها: أنه أجرى على يديه بناء بيته الذي جعله قيامًا للناس وقِبْلة لهم وحجًّا، فكان ظهور هذا البيت من أهل هذا البيت الأكرمين.
* ومنها: أنه أمر (^٢) عباده بأن يصلوا على أهل هذا (^٣) البيت، كما صلى على أهل بيتهم وسلفهم، وهم إبراهيم وآله، وهذه خاصية (^٤) لهم.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٥) المساجد ومواضع الصلاة رقم (٥٣٤) من حديث جندب ﵁.
(٢) سقط من (ش) (أمر).
(٣) سقط من (ظ، ش).
(٤) في (ظ) (خاصة)، وفي (ت) (خاصته) وهو خطأ.
[ ٣٥٦ ]
* ومنها: أنه أخرج منهم الأمَّتين العظيمتين (^١) اللَّتين لم تخرج (^٢) من أهل بيت غيرهم، وهم أمة موسى، وأمة محمد. وأمة محمد ﷺ تمام سبعين (^٣) أُمَّة هم خيرُها، وأكرمُها على الله.
* ومنها: أن الله سبحانه أبقى عليهم لسان صدق، وثناء حسنًا في العالم، فلا يُذْكرون إلا بالثناء عليهم، والصلاة والسلام عليهم، قال الله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠)﴾ [الصافات: ١٠٨ - ١١٠].
* ومنها: جعل أهل هذا البيت فرقانًا بين الناس، فالسُّعداء أتباعهم ومُحِبُّوهم ومَنْ تولَّاهم، والأشقياء من أبغضهم وأعرض عنهم وعاداهم، فالجنة لهم ولأتباعهم، والنار لأعدائهم ومخالفيهم.
* ومنها: أنه سبحانه جعل ذكرهم مقرونًا بذكره، فيقال: إبراهيم خليل الله ورسوله ونبيه، ومحمد رسول الله وخليله ونبيه، وموسى كليم الله ورسوله، قال تعالى لنبيه يُذَكِّرُه بنعمته عليه:
_________________
(١) في (ح، ت) (المعظَّمتين).
(٢) كذا في جميع النسخ.
(٣) يشير إلى ما أخرجه الترمذي (٣٠٠١)، وابن ماجه (٤٢٨٧)، والحاكم (٤/ ٨٤) رقم (٦٩٨٧، ٦٩٨٨) - وقال: "صحيح الاسناد ولم يخرجاه"، وغيرهم من حديث معاوية بن حيدة أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إنكم وفيتم سبعين أمة أنتم خيرها، وأكرمها على الله" لفظ ابن عُليَّة عن بهز عن أبيه عن جده. وسنده حسن.
[ ٣٥٧ ]
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشرح: ٤].
٣١٥ - قال ابن عباس (^١) ﵄: "إذا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ معي". فيقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفي كلمة الإسلام، وفي الأذان، وفي الخُطَب، وفي التَّشَهُّدَات، وغير ذلك.
* ومنها: أنه سبحانه جعل خلاص خلقه من شقاء الدنيا والآخرة على أيدي أهل هذا البيت، فلهم على الناس من النِّعم مَا لا يمكن إحصاؤها ولا جزاؤها، ولهم المنن الجسَام في رقاب الأولين والآخرين من أهل السعادة، والأيادي العظام عندهم (^٢)، التي يجازيهم عليها الله ﷿.
* ومنها: أن كل ضرر ونفع وعمل صالح وطاعة لله تعالى حصلت في العالم، فلهم من الأجر مثل أجور عامليها، فسبحان من يختص بفضله من يشاء من عباده.
* ومنها: أنه ﷾ سَدّ جميع الطرق بينه وبين
_________________
(١) أخرجه ابن عساكر، كما في الدر (٦/ ٦١٦)، وفيه الكلبي ضعيف جدًا. * لكن ورد عن ابن عباس مرفوعًا في قصة وفيه قول الله سبحانه لمحمد: "ألم أرفع لك ذكرك؟ " أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٤٤٥) وغيره، وصححه الضياء في المختارة (١٠/ ٢٨٩). وورد عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: بمثله عند ابن حبان (٨/ ١٧٥) وغيره، وفيه ضعف لأجل رواية درَّاج عن أبي الهيثم. وانظر تفسير الطبري (٣٠/ ٢٣٥) *.
(٢) سقط من (ب، ش).
[ ٣٥٨ ]
العالمين، وأغلق دونهم الأبواب، فلم يفتح لأحد قط إلا من طريقهم وبابهم.
قال الجُنَيْد ﵁: "يقول الله ﷿ لرسوله ﷺ وعزتي وجلالي لو أتوني من كل طريق، أو استفتحوا من كل باب، لما فتحت لهم، حتى يدخلوا خلفك" (^١).
* ومنها: أنه سبحانه خصَّهم من العلم بما لم يخصَّ به أهل بَيْتٍ (^٢) سواهم من العالمين، فلم يَطرُقِ العالمَ أهْلُ بيت أعلم بالله وأسمائه وصفاته وأحكامه وأفعاله وثوابه وعقابه وشرعه ومواقع رضاه وغضبه وملائكته ومخلوقاته = منهم، فسبحان (^٣) من جمع لهم علم الأولين والآخرين.
* ومنها: أنه سبحانه خصهم من توحيده ومحبته وقربه والاختصاص به بما لم يخص به أهل بيت سواهم.
* ومنها: أنه سبحانه مَكَّن لهم في الأرض واستخلفهم فيها، وأطاع لهم أهل الأرض، ما لم يحصل لغيرهم.
* ومنها: أنه سبحانه أيَّدهم ونصرهم وأظفرهم بأعدائه وأعدائهم بما لم يُؤيِّد غيرهم.
_________________
(١) هو الجنيد بن محمد أبو القاسم الخزاز، كان زاهذا عابدًا فقيهًا توفى سنة ٢٩٧ هـ. انظر: طبقات الصوفية ص ١٥٥، والرسالة للقشيري ص ٤٩ - ٥١.
(٢) في (ب) (البيت) وهو خطأ، ومثله ما بعده.
(٣) في (ب) (فسبحان الله).
[ ٣٥٩ ]
* ومنها: أنه سبحانه محا بهم من آثار أهل الضَّلال والشرك، ومن الآثار التي يبغضها ويمقتها ما لم يمحه بسواهم.
* ومنها: أنه سبحانه غرس لهم من المحبة والإجلال والتعظيم في قلوب العالمين ما لم يغرسه لغيرهم.
* ومنها: أنه سبحانه جعل آثارهم في الأرض سببًا لبقاء العالم وحفظه، فلا يزال العالم باقيًا ما بقيت آثارهم، فإذا ذهبت آثارهم من الأرض فذاك أوان خراب العالم، قال الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٩٧].
٣١٦ - قال ابن عباس ﵄ في تفسيرها: "لو ترك الناس كلهم الحج لوقعت السماء على الأرض" (^١).
٣١٧ - وقال: "لو ترك الناس كلهم الحج لما نُظِروا" (^٢).
٣١٨ - وأخبر النبي ﷺ أن في آخر الزمان يرفع الله بيته من الأرض (^٣)، وكلامه من المصاحف وصدور الرجال (^٤)، فلا يبقى
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور كما في الدر (٢/ ١٠١). وانظر المصنف لعبد الرزاق (٥/ ١٣)، وأخبار مكة للفاكهي رقم (٨١١).
(٣) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٤/ ٢٥٠٦)، وابن حبان (١٥/ ٦٧٥٣)، والحاكم (١/ ٤٤١) رقم (١٦١٠). من حديث ابن عمر مرفوعًا "استمتعوا من هذا البيت، فإنه قد هدم مرتين، ويرفع في الثالثة". قال ابن خزيمة: "حدثنا الحسن بن قزعة بخبر غريب غريب … " فذكره.
(٤) أخرجه ابن ماجه (٤٠٤٩)، والحاكم (٤/ ٤٧٣ - ٤٧٤) رقم (٨٤٦٠) مختصرًا =
[ ٣٦٠ ]
له في الأرض بيت يُحَجَّ، ولا كلام يُتْلَى، فحينئذ يقرب خراب العالم.
وهكذا الناس اليوم إنما قيامهم بقيام آثار نبيهم وشرائعه بينهم، وقيام أمورهم وحصول مصالحهم واندفاع أنواع البلاء والشر عنهم بحسب ظهورها بينهم وقيامها، وهلاكهم وعنتهم وحلول البلاء والشر بهم عند تعطلها والإعراض عنها، والتحاكم إلى غيرها واتخاذ سواها.
ومن تأمل تسليط الله سبحانه مَنْ سَلَّطه على البلاد والعباد من الأعداء علم أن ذلك بسبب تعطيلهم لدين نبيهم وسننه وشرائعه، فَسَلَّط الله عليهم من أهلكهم وانتقم منهم، حتى إن البلاد التي لآثار النبي ﷺ وسننه وشرائعه فيها ظهور دُفِعَ عنها بحسب ظهور ذلك بينهم.
وهذه الخصائص وأضعاف أضعافها من آثار رحمة الله وبركاته على أهل هذا البيت، فلهذا أمرنا رسول الله ﷺ أن نطلب له من الله تعالى أن يبارك عليه وعلى آله كما بارك على هذا البيت المعظم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
* ومن بركات أهل هذا البيت أنه سبحانه أظهر على أيديهم من بركات الدنيا والآخرة ما لم يظهره على يدي أهل بيت غيرهم.
_________________
(١) = وغيرهما. * ورجَّح البزار وقفه. انظر سنده رقم (٢٨٣٨) و٢٩٣٩) *. وقوى سنده الحافظ في الفتح (١٣/ ١٦).
[ ٣٦١ ]
* ومن بركاتهم وخصائصهم أن الله سبحانه أعطاهم من خصائصهم ما لم يعط غيرهم، فمنهم من اتخذه خليلًا، ومنهم الذَّبيْح، ومنهم مَنْ كَلَّمه تكليمًا وقَرَّبه نجيًّا، ومنهم من آتاه شَطْر الحُسْن، وجعله من أكرم الناس عليه، ومنهم من آتاه مُلْكًا لم يؤته أحدًا غيره، ومنهم من رَفعَه مكانًا عليًّا.
ولمَّا ذكر سبحانه هذا البيت وذُرِّيتهم أخبر أنَّ كلَّهم فضَّله على العالمين.
* ومن خصائصهم وبركاتهم على أهل الأرض أن الله سبحانه رفع العذاب العام عن أهل الأرض بهم وببَعْثَتِهم (^١)، وكانت عادته سبحانه في أمم الأنبياء قبلهم أنهم إذا كذبوا أنبياءهم ورسلهم أهلكهم بعذاب يعمّهم، كما فعل بقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، فلما أنزل الله التوراة والإنجيل والقرآن رفع بها العذاب العام عن أهل الأرض، وأمر بجهاد من كذبهم وخالفهم، فكان ذلك (^٢) نصرَهُ لهم بأيديهم، وشفاءً لصدورهم، واتخاذَ الشهداءِ منهم، وإهلاكَ عدوِّهم بأيديهم، لتحصيل محابه سبحانه على أيديهم.
وحق لأهل بيت هذا بعض فضائلهم وخصائصهم أن لا تزال الألسن رطبة بالصلاة عليهم والسلام والثناء والتعظيم، والقلوب
_________________
(١) في (ب) (وببعثهم).
(٢) في (ح) (بذلك).
[ ٣٦٢ ]
ممتلئة من تعظيمهم ومحبتهم وإجلالهم، وأن يعرف المصلي عليهم أنه لو أنفق أنفاسه كلها في الصلاة عليهم ما وَفَّى القليل من حقهم، فجزاهم الله عن بريته أفضل الجزاء، وزادهم في الملأ الأعلى تعظيمًا وتشريفًا وتكريمًا، وصلى الله عليهم صلاةً دائمة لا انقطاع لها، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين (^١).
_________________
(١) من (ح) فقط (كثيرًا إلى يوم الدين).
[ ٣٦٣ ]