وأصل هذه اللفظة في اللغة (^٢) يرجع إلى معنيين:
أحدهما: الدعاء والتبريك.
والثاني: العبادة، فمن الأول قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقوله تعالى في حق المنافقين: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤].
١٨٦ - وقول النبي ﷺ: "إِذا دُعِيَ أحدُكُم إلى الطَّعام فليُجبْ، فإنْ كانَ صائِمًا فليُصَلِّ" (^٣)، فُسِّر بهما (^٤) قيل: "فليدع لهم بالبرَكة"، وقيل: "يصلي عندهم" بدل أكله.
وقيل: إن "الصلاة" في اللغة معناها الدعاء.
_________________
(١) وقع في (ظ) (فصل) فقط.
(٢) سقط من (ح) (في اللغة).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه في (١٦) النكاح رقم (١٤٣١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) من (ب، ت، ظ) ووقع في (ح، ش) (فسرهما) وهو خطأ.
[ ١٥٩ ]
والدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، والعابد داع كما أن السائل داع، وبهما (^١) فُسِّر قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، قيل: أطيعوني أثبْكم، وقيل: سلوني أعْطِكم، وفُسِّر بهما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
والصواب: أن الدعاء يعم النوعين، وهو لفظ متواطئ لا اشتراك فيه، فمن استعماله في دعاء العبادة قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)﴾ [النحل: ٢٠]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧].
والصحيح من القولين (^٢): لولا أنكم (^٣) تدعونه وتعبدونه، أي: أي شيء يعبأ بكم لولا عبادتكم إياه، فيكون المصدر مضافًا إلى الفاعل، وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٥، ٥٦]، وقال تعالى إخبارًا عن أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وهذه الطريقة أحسن من
_________________
(١) من (ظ، ت، ش) ووقع في (ب) (وبهذا) وهو خطأ.
(٢) انظر بدائع الفوائد (٣/ ٣).
(٣) وقع في (ب) (أنتم).
[ ١٦٠ ]
الطريقة الأولى؛ ودعوى الاختلاف في مسمى الدعاء، وبهذا تزول الإشكالات الواردة على اسم الصلاة الشرعية، هل هو منقول عن موضوعه (^١) في اللغة: فيكون حقيقة شرعية (^٢) أو مجازًا شرعيًا؟.
فعلى هذا تكون الصلاة باقية على مُسمَّاها في اللغة، وهو الدعاء، والدعاء: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، والمصلي من حين تكبيره إلى سلامه بين دعاء العبادة ودعاء المسألة، فهو في صلاة حقيقةً لا مجازًا (^٣)، ولا من منقولة، لكن خُصَّ اسم الصلاة بهذه العبادة المخصوصة، كسائر الألفاظ التي يخصها أهل اللغة والعرف ببعض مُسمّاها، كالدابة، والرأس، ونحوهما، فهذا غايته (^٤) تخصيص اللفظ وقصره على بعض موضوعه، وهذا (^٥) لا يوجب نقلًا ولا خروجًا عن موضوعه الأصلي، والله أعلم.
فصل
هذه صلاة الآدمي، وأما صلاة الله ﷾ (^٦) على عبده فنوعان: عامَّة، وخاصَّة.
أما العامَّة: فهي صلاته على عباده المؤمنين، قال تعالى:
_________________
(١) من (ظ، ت)، وفي باقي النسخ (موضعه).
(٢) سقط من (ظ، ت).
(٣) وقع في (ب، ش) (حقيقية لا شرعية).
(٤) من (ب، ت، ظ) ووقع في (ح، ش) (غاية).
(٥) من (ب، ت، ظ) ووقع في (ح، ش) (ولهذا).
(٦) من (ب، ظ) فقط.
[ ١٦١ ]
﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]، ومنه دعاء النبي ﷺ الصلاة على آحاد المؤمنين، كقوله:
١٨٧ - "اللهُمَّ صَلِّ على آلِ أبي أوْفَى" (^١).
١٨٨ - وفي حديث آخر: أنَّ امرأة قالت له: صل عليَّ وعَلَى زَوْجي، قال: "صلَّى اللهُ عَلَيكِ وعَلَى زَوْجِكِ" (^٢).
وسيأتي ذكر (^٣) هذا الحديث وما (^٤) شابهه إن شاء الله تعالى.
النوع الثاني: صلاته الخاصة على أنبيائه ورسله، خصوصًا (^٥) على خاتمهم (^٦) وخيرهم محمد ﷺ.
فاختلف الناس في معنى الصلاة منه سبحانه على أقوال:
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه في (٣٠) الزكاة (٢/ ٥٤٤)، رقم (١٤٢٦)، ومسلم في صحيحه في (١٢) الزكاة، رقم (١٠٧٨) من حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵄.
(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٣٠٣)، وأبو داوود (١٥٣٣)، والترمذي في الشمائل (١٨٠)، وابن حبان (٣/ رقم (٩١٦ و٩١٨)، والحاكم (٤/ ١١١) رقم (٧٠٩٦) وغيرهم. وسنده صحيح، وفيه نبيح العنزي غير مشهور لكنه ثقة. انظر: تهذيب الكمال (٢٩/ ٣١٤). والحديث صححه ابن حبان والحاكم.
(٣) ليس في (ب)، وانظر ص ٥٥٤ فما بعدها.
(٤) من (ش، ت، ظ) ووقع في (ب) (ومما).
(٥) من (ش، ت، ظ) ووقع في (ب) (خصوصهم) وهو خطأ.
(٦) من (ش، ت، ظ) ووقع في (ب) (خاتمتهم).
[ ١٦٢ ]
أحدها: أنها (^١) رحمته.
١٨٩ - قال إسماعيل (^٢): حدثنا نصر بن علي، حدثنا محمد ابن سواء، عن جويبر، عن الضحاك قال: "صلاة الله رحمته، وصلاة الملائكة الدعاء".
وقال المبرد (^٣): "أصل الصلاة الرحمة (^٤)، فهي من الله رحمة، ومن الملائكة رقة (^٥) واستدعاء للرحمة من الله" (^٦)، وهذا القول هو المعروف عند كثير من المتأخرين.
والقول الثاني: أن صلاة الله مغفرته.
١٩٠ - قال إسماعيل (^٧): حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا محمَّد بن سواء، عن جويبر، عن الضحاك، ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي
_________________
(١) من (ظ، ش) ووقع في (ب) (أنَّه) وهو خطأ، ووقع في (ت): أنها رحمة.
(٢) أخرجه إسماعيل القاضي في فضل الصلاة (٩٦). وسنده ضعيف جدًا، فيه جويبر ضعيف جدًا. انظر: التقريب (٩٨٧).
(٣) هو محمَّد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدي أبو العباس المبرَّد، إمام العربية ببغداد في زمانه له معاني القرآن، وإعراب القرآن وغيرهما، توفي سنة ٢٨٥ هـ. انظر: بغية الوعاة (١/ ٢٦٩ - ٢٧١).
(٤) في (ظ، ت) (الرحم).
(٥) من (ظ، ت) ووقع في (ش، ب) (رحمة).
(٦) نقله عنه بمعناه الأزهري في تهذيب اللغة (٢/ ٢٠٤٩) مادة (صلى). وكذا نَقَل عن ابن الأعرابي نحوه.
(٧) أخرجه إسماعيل القاضي في فضل الصلاة (٩٧). وسنده ضعيف جدًا، فيه جويبر ضعيف جدًا كما تقدم.
[ ١٦٣ ]
عَلَيْكُمْ﴾، قال: "صلاة الله مغفرته، وصلاة الملائكة الدعاء".
وهذا القول هو من جنس الذي (^١) قبله، وهما ضعيفان؛ لوجوه:
أحدها: أن الله سبحانه فَرَّقَ بين صلاته على عباده، ورحمته، فقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧] فعطف الرحمة على الصلاة، فاقتضى ذلك تغايرهما، هذا أصل العطف، وأما قولهم (^٢):
وألْفَى قَوْلَها كَذِبًا ومَيْنًا (^٣)
فهو شاذ نادر، لا يحمل عليه أفصح الكلام (^٤)، مع أن المَيْنَ أخَصُّ من الكذب.
الوجه الثاني: أن صلاة الله سبحانه خاصة بأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين، وأما رحمته فوسعت كل شيء، فليست الصلاة مرادفةً للرحمة، لكن الرحمة من لوازم الصلاة وموجباتها وثمراتها. فمن فَسَّرها بالرحمة فقد فسَّرها ببعض ثمرتها ومقصودها، وهذا كثيرًا ما يأتي في تفسير ألفاظ القرآن، والرسول ﷺ، تُفَسَّرُ اللفظة
_________________
(١) في (ظ، ت) (ما قبله).
(٢) سقط من (ظ، ت).
(٣) انظر مغني اللبيب ص ٤٦٧، والبيت منسوب لعدي بن زيد العبادي.
(٤) من (ظ، ت، ح، ش) وجاء في (ب) (أفضل).
[ ١٦٤ ]
بلازمها وجزء معناها، كتفسير الرَّيْب بالشَّكِّ؛ والشَّكُّ جزء مسمى الريب، وتفسير المغفرة بالستر؛ وهو جزء مسمى المغفرة، وتفسير الرحمة بإرادة الإحسان؛ وهو لازم الرحمة، ونظائر ذلك كثيرة، قد ذكرناها في أصول التفسير.
الوجه الثالث: أنه لا خلاف في جواز التَّرحُّم (^١) على المؤمنين، واختلف السلف والخلف في جواز الصلاة على غير (^٢) الأنبياء على ثلاثة أقوال، سنذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى، فعلم أنهما ليسا بمترادفين.
الوجه الرابع: أنه لو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لقامت مقامها في امتثال الأمر، وأسقطت الوجوب عند من أوجبها إذا قال: "اللهم ارحم محمدًا وآل محمَّد" وليس الأمر كذلك.
الوجه الخامس: أنه لا يقال لمن رحم غيرَه ورقَّ عليه فأطعمه أو (^٣) سقاه أو [٣] كساه: إنه صلى عليه، ويقال: إنه قد رحمه.
الوجه السادس: أن الإنسان قد يرحم من يبغضه ويعاديه، فيجد في قلبه له رحمة ولا يصلي عليه.
_________________
(١) من (ظ، ت) وفي باقي النسخ (الرحمة) وهو خطأ.
(٢) في (ظ) (سائر) بدلًا من (غير)، وانظر ص ٥٤٧ وما بعدها.
(٣) من (ظ، ح، ش) ووقع في (ب) (وسقاه وكساه)، وفي (ت) (فأطعمه وسقاه أو كساه).
[ ١٦٥ ]
الوجه السابع: أن الصلاة لا بُدَّ فيها من كلام، فهي ثناء من المصلِّي على مَنْ يُصلي عليه، وتنويه به وإشارة لمحاسنه ومناقبه (^١) وذِكْره.
١٩١ - ذَكَرَهُ البخاري في "صحيحه" (^٢) عن أبي العالية قال: "صلاةُ اللهِ عَلَى رسولهِ ثناؤُه عَلَيْه عِنْدَ المَلَائِكَة".
١٩٢ - وقال إسماعيل في كتابه (^٣): حدثنا نصر بن علي، حدثنا خالد بن يزيد، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، قال: صلاةُ اللهِ ﷿ ثناؤُهُ عَلَيْه، وصلاةُ الملائكةِ عَلَيه الدُّعاء.
الوجه الثامن: أن الله سبحانه فرق بين صلاته وصلاة ملائكته وجمعهما في فعل واحد، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، وهذه الصلاة لا يجوز أن تكون هي الرحمة، وإنما هي ثناؤه سبحانه وثناء ملائكته عليه، ولا يقال: الصلاة لفظ مشترك، ويجوز أن يستعمل في معنييه معًا، لأن في ذلك محاذير متعددة:
_________________
(١) من (ظ، ح) ووقع في (ش، ب) (وما فيه).
(٢) في (٦٨) التفسير، الأحزاب (٤/ ١٨٠٢) ط. البغا. ووصله ابن أبي حاتم وإسماعيل والقاضي كما سيأتي. وقد سقط من (ب) ذكره، ووقع في (ح، ت، ش) (ذكر)، والتصويب من (ظ).
(٣) فضل الصلاة على النبي ﷺ، رقم (٩٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره كما في الفتح (٨/ ٥٣٢). وسنده حسن. تنبيه: لا يوجد هذا الأثر في المطبوع من تغليق التعليق لابن حجر (٤/ ٢٨٦).
[ ١٦٦ ]
أحدها: أن الاشتراك خلاف الأصل، بل لا (^١) يعلم أنه وقع في اللغة من واضع واحد، كما نص على ذلك أئمة اللغة، منهم المبرد وغيره، وإنما يقع وقوعًا عارضًا اتفاقيًا بسبب تعدد الواضعين، ثم تختلط اللغة فيقع (^٢) الاشتراك.
الثاني: أن الأكثرين لا يجوزون استعمال اللفظ المشترك في معنييه لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز. وما حكي عن الشافعي ﵁ من تجويزه ذلك فليس بصحيح عنه، وإنما أخذ من قوله: "إذا أوصى لمواليه (^٣) وله موالٍ من فوق ومن أسفل تناول جميعهم". فظن من ظن أن لفظ "المولى" مشترك بينهما، وأنه عند التَّجَرُّد يحملُ (^٤) عليهما، وهذا ليس بصحيح، فإن لفظ "المولى" من الألفاظ المتواطئة، (فالشافعي -في ظاهر مذهبه- وأحمد) (^٥) يقولان بدخول نوعي الموالي في هذا اللفظ، وهو عنده عام متواطئ لا مشترك.
وأما ما حكي عن الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال في مفاوضة جرت له في قوله (^٦): ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]،
_________________
(١) سقط من (ب).
(٢) من (ظ، ت، ش) ووقع في (ب) (فيعرض).
(٣) من (ظ، ت، ش) ووقع في (ب) (وصَّى بمواليه).
(٤) وقع في (ب) (ويُحمل).
(٥) من (ظ) وجاء في (ب) (قال الشافعي وأحمد في ظاهر)، وجاء في (ش) (فالشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه).
(٦) سقط من (ظ) (في قوله).
[ ١٦٧ ]
وقد قيل له: قد يراد بالملامسة الجماع (^١) قال: "هي محمولة على الجَسِّ باليد حقيقة، وعلى الوقاع مجازًا". فهذا لا يصح عن الشافعي، ولا هو من جنس المألوف من كلامه، وإنما هذا كلام بعض الفقهاء المتأخرين، وقد ذكرنا على إبطال استعمال اللفظ المشترك في معنييه معًا بضعة عشر دليلًا في مسألة "القرء" في كتاب "التعليق على الأحكام".
فإذا كان معنى الصلاة: هو الثناء على الرسول ﷺ، والعناية به، وإظهار شرفه وفضله وحرمته، كما هو معروف من هذه اللفظة، لم يكن لفظ "الصلاة" في الآية مشتركًا محمولًا على معنييه، بل قد (^٢) يكون مستعملًا في معنى واحد، وهذا هو الأصل في الألفاظ (^٣).
وسنعود إلى هذه المسألة إن شاء الله تعالى في الكلام على تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦].
الوجه التاسع: أن الله ﷾ أمر بالصلاة عليه عقب إخباره بأنه وملائكته يصلون عليه، والمعنى: أنه إذا كان الله وملائكته يصلون على رسوله ﷺ فصلوا أنتم أيضًا عليه، فأنتم أحق
_________________
(١) من (ظ، ت، ش، ب) ووقع في (ح) (المجامعة).
(٢) من (ظ) فقط.
(٣) سقط من (ظ، ت) (في الألفاظ).
[ ١٦٨ ]
بأن تصلوا عليه وتسلموا تسليمًا، لِمَا نالكم ببركة رسالته ويُمْنِ سفارته من خير (^١) شرف الدنيا والآخرة. ومن المعلوم أنه لو عبر عن هذا المعنى بالرحمة، لم يحسن موقعه، ولم يحسن النظم، فينقص (^٢) اللفظ والمعنى، فإن التقدير يصير إلى: أن الله وملائكته يرحم (^٣) ويستغفرون لنبيه، فادعوا أنتم له (^٤) وسلموا. وهذا ليس مراد الآية قطعًا، بل الصلاة المأمور بها فيها هي الطلب من الله تعالى ما أخبر به عن صلاته وصلاة ملائكته، وهي: ثناء عليه وإظهار لفضله وشرفه وإرادة تكريمه وتقريبه، فهي تتضمن الخبر والطلب، وسُمِّيَ هذا السؤال والدعاء مِنَّا نحن صلاة عليه، لوجهين:
أحدهما: - أنه يتضمن ثناء المصلي عليه، والإشارة بذكر شرفه وفضله، والإرادة والمحبة لذلك (^٥) من الله تعالى، فقد (^٦) تضمنت الخبر، والطلب.
والوجه الثاني: أن ذلك سُمِّيَ مِنَّا صلاة لسؤالنا من الله أن يصلي عليه، فصلاة الله عليه ثناؤه وإرادته لرفع ذكره وتقريبه،
_________________
(١) من (ح، ش) ووقع في (ب) (من شرف خير) وسقط (خير) من (ظ، ج، ت).
(٢) في (ح) (فينقض) وفي (ظ، ت) غير منقوطة.
(٣) من (ب، ج) وتكررت في (ج) (يرحم). وفي الباقي غير منقوطة.
(٤) سقط من (ب، ت، ظ، ج) (له).
(٥) في (ح) (كذلك).
(٦) في (ح) (فهي تتضمن الخير) وهو خطأ.
[ ١٦٩ ]
وصلاتنا نحن عليه سؤالنا الله تعالى أن يفعل ذلك به. وضِدُّ هذا في لعنة أعدائه الشانئين لما جاء ﷺ به، فإنها تضاف إلى الله، وتضاف إلى العبد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ [البقرة: ١٥٩]، فلعنة الله تعالى لهم تتضمن ذمَّه وإبعاده وبغضه لهم، ولعنة العبد تتضمن (^١) سؤال الله تعالى أن يفعل ذلك بمن هو أهل للعنته (^٢).
وإذا ثبت هذا فمن المعلوم أنه (^٣) لو كانت الصَّلاة هي الرَّحمة لم يصح أن يقال لطالبها من الله تعالى مصلِّيًا، وإنما يقال له مسترحمًا له (^٤)، كما يقال لطالب (المغفرة مستغفرًا له، ولطالب العطف مستعطفًا ونظائره، ولهذا لا يقال لمن سأل الله) (^٥) المغفرة لغيره: قد (^٦) غفر له، فهو غافر، ولا لمن سأله العفو عنه: قد عفا عنه. وهنا قد سُمِّي العبد مصليًا، فلو كانت الصلاة هي الرحمة لكان العبد راحمًا لمن صلى عليه، وكان يقال (^٧) قد رحمه
_________________
(١) سقط من (ت).
(٢) من (ظ، ت، ج) وجاء في (ش) (للعنه)، ووقع في (ب) (اللعنة).
(٣) في (ظ، ج) (أنها).
(٤) سقط من (ب) فقط، ووقع في (ت) (.. يُقال مسترحمًا له ..).
(٥) من (ب، ش) وسقط من (ظ، ت، ج)، ووقع في (ت) (لطالب المغفرة مستغفرًا لغيره).
(٦) من (ظ، ت، ش)، ووقع في (ب) (وقد).
(٧) سقط من (ظ، ت، ج) فقط.
[ ١٧٠ ]
يرحمه (^١)، ومن رَحِمَ النبي ﷺ مرة ﵀ بها عشرًا، وهذا معلوم البطلان.
فإن قيل: ليس معنى صلاة العبد عليه ﷺ رحمته، وإنما معناها طلب الرحمة له (^٢) من الله تعالى.
قيل: هذا باطل من وجوه:
أحدها: أن طلب الرحمة مشروع (^٣) لكل مسلم، وطلب الصلاة من الله تعالى يختص (^٤) رسله صلوات الله وسلامه عليهم، عند كثير من الناس، كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
الثاني: أنه لو سُمّي طالب الرحمة مصليًا، لسُمِّي طالب المغفرة غافرًا، وطالب العفو عافيًا، وطالب الصفح صافحًا، ونحوه.
فإن قيل: فأنتم قد سَمَّيتم طالب الصلاة من الله مصليًا.
قيل: إنما سُمي مصليًا لوجود حقيقة الصلاة منه، فإن حقيقتها (^٥) الثناء، وإرادة الإكرام والتقريب وإعلاء المنزلة، وهذا
_________________
(١) من (ب)، وفي (ظ) (برحمة)، وسقط من (ج).
(٢) ليس في (ح) (له).
(٣) في (ظ، ت، ج) (مطلوب).
(٤) من (ظ، ت، ب، ج) ووقع في (ش) (تختص) ولعل صوابه (يَخُصُّ) أو (يَخْتصُّ برسله)، وانظر ص ٥٤٩ وما بعدها.
(٥) من (ظ، ت، ش، ج) ووقع في (ب) (حقيقته).
[ ١٧١ ]
حاصل من صلاة العبد، لكن العبد يريد ذلك من الله ﷿، والله سبحانه يريد ذلك من نفسه أن يفعله برسوله ﷺ.
وأما على الوجه الثاني، وأنه (^١) سمي مصليًا لطلبه ذلك من الله، فلأنَّ الصلاة نوع من الكلام (^٢) الطلبي والخبري والإرادة، وقد وجد ذلك (^٣) من المصلي، بخلاف الرحمة والمغفرة؛ فإنها أفعال لا تحصل من الطالب، وإنما تحصل من المطلوب منه، والله أعلم.
الوجه العاشر: أنه قد ثبت عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم (^٤):
١٩٣ - "من صلَّى عَلَيه مَرَّة صَلّى اللهُ عليه بها عَشْرًا".
وأن الله ﷾ قال له:
١٩٤ - "إنه من صلى عليك من أمتك مرة صليت عليه بها عشرًا" (^٥)، وهذا موافق للقاعدة المستقرة في الشريعة أن الجزاء من جنس العمل، فصلاة الله تعالى على المصلي على رسوله ﷺ جزاءً لصلاته هو عليه، ومعلوم أن صلاة العبد على رسول الله ﷺ ليست هي
_________________
(١) من (ظ، ت، ش، ج) ووقع في (ب) (وإنما).
(٢) في (ظ، ت، ج) (الكتاب) خطأ.
(٣) من (ظ، ت، ش، ج) ووقع في (ب) (لذلك) وهو خطأ.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه في (٤) الصلاة رقم (٣٨٤) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
(٥) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٢٩) وسنده ضعيف كما تقدم برقم (٤٥).
[ ١٧٢ ]
رحمة من العبد لتكون صلاة الله تعالى عليه (^١) من جنسها، وإنما هي ثناءٌ على الرسول ﷺ وإرادةٌ من الله تعالى أن يُعْلي ذكره ويزيده تعظيمًا وتشريفًا، والجزاء من جنس العمل، فمن أثنى على رسول الله ﷺ جزاه الله من جنس عمله بأن يثني عليه ويزيد تشريفه وتكريمه. فَصَحَّ ارتباط الجزاء بالعمل ومشاكلته له ومناسبته له، كقوله:
١٩٥ - "مَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْه (في الدُّنْيا والآخِرَة) (^٢)، ومَنْ سَتَر مُسْلِمًا سَتَره اللهُ في الدُّنيا والآخرة، ومن نَفَّسَ عنْ مؤمنٍ كُرْبَة من كُرَب الدَنْيا نَفَّس اللهُ عنه كُرْبة من كُرَبِ يومِ القِيامَة، واللهُ في عَوْنِ العَبدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أخِيْه، ومن سَلكَ طَرِيْقًا يَلْتمسُ فِيْه عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لهُ طَريقًا إلى الجَنَّة" (^٣).
١٩٦ - " (^٤) ومن سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله يوم
_________________
(١) من (ظ، ت، ش، ج) ووقع في (ب) (عليها).
(٢) من صحيح مسلم ما بين القوسين ووقع في جميع النسخ (حسابه).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه في (٤٨) الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار رقم (٢٦٩٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) أخرجه أبو داوود (٢٦٤٩)، والترمذي (٢٦٤٩)، وابن ماجه (٢٦١)، وأحمد (٢/ ٢٦٣) وغيرهم. من طريق جماعة عن علي بن الحكم عن عطاء عن أبي هريرة فذكره. وظاهر سنده الصحة. لكن رواه عبد الوارث بن سعيد عن علي بن الحكم عن رجل عن عطاء عن أبي هريرة، فذكره. أخرجه الحاكم (١/ ١٠١) (٣٤٥). وبه أعله ابن القطان، وقال الحافظ ابن حجر: وهذه علة خفية. والحديث صححه ابن حبان وأبو نعيم والعقيلي وغيرهم، وضعفه الإمام أحمد وابن =
[ ١٧٣ ]
القيامة بلجام من نار".
١٩٧ - "ومن صَلّى عَلى النبي ﷺ مَرةً صلى اللهُ عليه بها عَشْرًا" (^١)، ونظائره كثيرة، يوضحه (^٢).
الوجه الحادي عشر: أن أحدًا لو قال عن رسول الله: "﵀" أو قال: "رسول الله ﵀": بدل ﷺ لبادرت الأمة إلى (^٣) الإنكار عليه، وعدوه مبتدعًا غير مُوَقِّر للنبي ﷺ ولا مصلٍّ عليه، ولا مُثْن عليه بما يستحقه، ولا يستحق أن يصلي الله عليه بذلك عشر صلوات، ولو كانت الصلاة من الله الرحمة لم يمتنع شيء من ذلك.
الوجه الثاني عشر: أن الله ﷾ قال: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، فأمر سبحانه أن لا يُدْعَى رسوله ﷺ بما يدعو الناس به بعضهم بعضًا، بل يقال يا رسول الله، ولا يقال: يا محمد. وإنما كان يُسمَّيه باسمه
_________________
(١) = الجوزي وابن القطان وابن حجر في أحد قوليهما. انظر: العلل المتناهية لابن الجوزي (١/ ١٠٧) والضعفاء الكبير للعقيلي (١/ ٧٤) والنكت الظراف على تحفة الأشراف لابن حجر (١٠/ ٢٦٥ - ٢٦٦) وبيان الوهم والإيهام لابن القطان الفاسي (٢/ ٤٢٥) وغيره. وقد ورد هذا المتن عن جماعة من الصحابة ولا يثبت عنهم. انظر جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر مع الحاشية (١/ ٢ - ١٧).
(٢) تقدم وهو عند مسلم رقم (٣٨٤).
(٣) من (ش، ت، ب) وسقط من (ظ، ح، ج).
(٤) من (ظ، ت، ش، ج) ووقع في (ب) (على).
[ ١٧٤ ]
وقت الخطاب الكفار، وأما المسلمون فكانوا يخاطبونه برسول (^١) الله. وإذا كان هذا في خطابه فهكذا في مغيبه، لا ينبغي أن يجعل ما يدعى به له من جنس ما يدعو به بعضنا لبعض، بل يُدْعى (^٢) له بأشرف الدعاء وهو الصلاة عليه. ومعلوم أن الرحمة يدعى بها لكل مسلم، بل ولغير الآدمي من الحيوانات. كما في دعاء الاستسقاء:
١٩٨ - "اللهم ارحم عبادك وبلادك وبهائمك" (^٣).
الوجه الثالث عشر: أن هذه اللفظة لا تعرف في اللغة الأصلية بمعنى الرحمة أصلًا، والمعروف عند العرب من معناها إنما هو الدعاء والتبريك والثناء، قال (^٤):
وإنْ ذُكِرتْ صَلَّى عَلَيها وزَمْزَمَا
أي: برَّك عليها ومدحها. ولا تعرف العرب قط "صلى عليه"
_________________
(١) من (ح، ت، ش) ووقع في (ظ، ب) (يا رسول الله).
(٢) من جميع النسخ، ووقع في (ح) (يدعو).
(٣) أخرجه أبو داوود (١١٧٦) وفي المراسيل (٦٩)، وابن أبي حاتم في العلل (١/ ٧٩)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ٣٥٦). مرفوعًا، لكنه معلول بالإرسال. هكذا رواه مالك والدراوردي وغيرهما عن يحيى بن سعيد عن عمرو عن النبي ﷺ مرسلًا. أخرجه مالك في الموطأ (ص ١٩٠ - ١٩١)، وعبد الرزاق (٣/ ٩٢) (٤٩١٢) وغيرهما. ورجح أبو حاتم الرازي الإرسال.
(٤) انظر ديوان "الأعشى" ص ٣٣٣ وهو بلفظ: لها حارس لا يبرح الدهر بيتها … إذا ذُبِحتْ صلى عليها وزمزمًا
[ ١٧٥ ]
بمعنى "رَحِمَه" (^١)، فالواجب حمل اللفظة (^٢) على معناها المتعارف في اللغة.
الوجه الرابع عشر: أنه يسوغ، بل يستحب لكل واحد أن يسأل الله (^٣) ﷾ أن يرحمه، فيقول: اللهم ارحمني، كما علم النبي ﷺ الداعي أن يقول:
١٩٩ - "اللهُمَّ اغْفِرْ لِيْ وارْحَمْنِي وعافِنِي وارْزقنِي"، فلما حفظها قال: "أما هذا فقد ملأ يديه من الخير" (^٤).
ومعلوم أنه لا يسوغ لأحد أن يقول: "اللهم صل علي"، بل الداعي بهذا معتدٍ في دعائه، والله لا يحب المعتدين. بخلاف
_________________
(١) في (ظ) (الرحمة).
(٢) في (ح) (اللفظ).
(٣) ليس في (ب).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه في (٤٨) الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (٢٦٩٧) من حديث الأشجعي. وليس فيه (فلما حفظها قال: أما هذا …) وإنما فيه (ويجمع أصابعه إلا الإبهام "فإن هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك". وقد وردت هذه الجملة (أما هذا فقد ملأ …) من حديث عبد الله بن أبي أوفى. أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٤٥٣)، والطيالسي في مسنده (٢/ ٨٥١)، وابن خزيمة (١/ ٥٤٤) وغيرهم. وسنده ضعيف فيه إبراهيم بن عبد الرحمن السكسكي أبو إسماعيل، فيه ضعف. انظر: تهذيب الكمال (٢/ ١٣٢). والحديث صححه ابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود والحاكم وضعفه النووي في المجموع (٣/ ٣٧٦).
[ ١٧٦ ]
سؤاله (^١) الرحمة، فإن الله يحب أن يسأله عبده مغفرته ورحمته، فعلم أنه ليس معناهما واحدًا.
الوجه الخامس عشر: أن أكثر المواضع التي تستعمل فيها الرحمة لا يحسن أن تقع (^٢) فيها الصلاة، كقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
٢٠٠ - وقوله (^٣): "إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي".
وقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٦]، وقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، وقوله: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ [التوبة: ١١٧].
٢٠١ - وقول النبي ﷺ: "للهُ أرْحَمُ بعِبادِه مِن الوالِدَةِ بَوَلَدِها" (^٤).
٢٠٢ - وقوله: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" (^٥)،
_________________
(١) في (ظ، ت، ج) (سؤال).
(٢) وقع في (ب، ج) فقط (يقع).
(٣) أخرجه البخاري في (٦٣) بدء الخلق رقم (٣٠٢٢)، ومسلم في (٤٩) التوبة (٢٧٥١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) أخرجه البخاري في (٨١) الأدب (٥٦٥٣)، ومسلم في (٤٩) التوبة رقم (٢٧٥٤) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
(٥) أخرجه أبو داوود (٤٩٤١)، والترمذي (١٩٢٤)، وأحمد (٢/ ١٦٠) وغيرهم. وفي سنده أبو قابوس مولى عبد الله بن عمرو بن العاص. صحح =
[ ١٧٧ ]
٢٠٣ - وقوله: "مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ" (^١)،
٢٠٤ - وقوله: "لا تنزع الرحمة إلا من شقي" (^٢)،
٢٠٥ - وقوله: "والشَّاةُ إنْ رحِمْتَها رَحِمَكَ اللهُ" (^٣).
فمواضع استعمال الرحمة في حق الله وفي حق العباد لا يحسن أن تقع (^٤) الصلاة في كثير منها، بل في أكثرها، فلا يصح تفسير الصلاة بالرحمة، والله أعلم.
٢٠٦ - وقد قال ابن عباس (^٥) ﵄: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، قال: "يُبارِكُون عَليْه". وهذا لا ينافي تفسيرها بالثناء وإرادة التكريم والتعظيم، فإن التبريك من الله
_________________
(١) = حديثه الترمذي وغيره، وقال الذهبي: لا يعرف، وقال ابن حجر: مقبول. انظر: تهذيب الكمال (٣٤/ ١٩١).
(٢) أخرجه البخاري في (٨١) الأدب (٥٦٥١)، ومسلم في (٤٣) الفضائل (٢٣١٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه أبو داوود (٤٩٤٢)، والترمذي (١٩٢٣)، وأحمد (٢/ ٣٠١) وغيرهم. وفي سنده أبو عثمان مولى المغيرة بن شعبة، لا يعرف، قال ابن حجر: مقبول. انظر: تهذيب الكمال (٣٤/ ٧١). والحديث صححه ابن حبان والحاكم * وحسنه الترمذي*.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده (٣/ ٤٣٦)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٧٣)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٣١) رقم (٧٥٦٢). وسنده صحيح. والحديث صححه الحاكم والذهبي.
(٥) وقع في (ب، ج) فقط (يقع).
(٦) أخرجه الطبري في تفسيره (٢٢/ ٣١). وسنده حسن.
[ ١٧٨ ]
يتضمن ذلك، ولهذا قرن بين الصلاة عليه والتبريك عليه، وقالت الملائكة لإبراهيم: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣]، وقال المسيح: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١]، قال غير واحد من السلف: معلمًا (^١) للخير أينما كنت. وهذا جزء المسمى، فالمبارك كثير الخير في نفسه، الذي يُحصِّله لغيره تعليمًا (^٢) وإقدرًا ونصحًا وإرادةً واجتهادًا، ولهذا يكون العبد مباركًا، لأن الله تعالى بارك فيه وجعله كذلك، والله تعالى مُتَبارِك؛ لأن البركة كلها منه، فعبده المبارك وهو المتبارك ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١]، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]، وسنعود إلى هذا المعنى عن قريب إن شاء الله تعالى.
وقد ردَّ طائفة من الناس تفسير الصلاة من الله بالرحمة، بأن قال: الرحمة (^٣) معناها: رقة القلب (^٤)، وهي مستحيلة في حق الله سبحانه، كما أن الدعاء منه سبحانه مستحيل. وهذا الذي قاله هذا (^٥) عِرْق جَهْمِي يَنِضُّ (^٦) من قلبه على لسانه. وحقيقته (^٧) إنكار
_________________
(١) في (ح) (مُلِمًّا)، وسقط من (ج) من قوله (أينما) إلى (لغيره).
(٢) في (ب) (تعظيمًا) وجاء الحاشية (تعليمًا).
(٣) سقط من (ح، ج) فقط.
(٤) من (ب)، وفي باقي النسخ (الطبع).
(٥) سقط من (ش، ب، ج).
(٦) في (ب، ج) (نبض) وفي (ظ، ت) غير منقوطة.
(٧) من (ح، ت، ش، ج)، ووقع في (ظ، ب) (وحقيقة).
[ ١٧٩ ]
رحمة الله ﷾ جُمْلة، وكان جَهْمٌ يخرج إلى الجَذْمَى ويقول: أرحم الراحمين يفعل هذا! إنكارًا لرحمته ﷾.
وهذا الذي ظنه هذا القائل هو شبهة منكري صفات الرب ﷾، فإنهم قالوا: الإرادة: حركة النفس لجلب ما ينفعها ودفع ما يضرها، والرب تعالى يتعالى عن ذلك فلا إرادة له، والغضب: غليان دم القلب طلبًا للانتقام، والرب منزه عن ذلك، فلا غضب له، وسلكوا هذا المسلك الباطل في حياته وكلامه وسائر صفاته. وهو من أبطل الباطل، فإنه أخذ في مسمى الصفة خصائصَ المخلوق، ثم نفاها جملةً عن الخالق سبحانه، وهذا في غاية التلبيس والإضلال؛ فإن الخاصية (^١) التي أخذها في الصفة لم تثبت (^٢) لها لذاتها، وإنما يثبت لها بإضافتها إلى المخلوق الممكن، ومعلوم أن نفي خصائص صفات المخلوقين عن الخالق ﷾ لا يقتضي نفي أصل الصفة عنه سبحانه، ولا إثبات أصل الصفة له يقتضي إثبات خصائص المخلوق له، كما أن ما نُفِيَ عن صفات الرب ﷾ من النقائص والتشبيه لا يقتضي نفيه عن صفة المخلوق، ولا ما ثبت لها من الوجوب والقدم والكمال يقتضي ثبوته للمخلوق، لإطلاق (^٣) الصفة على الخالق والمخلوق. وهذا مثل الحياة والعلم، فإن حياة العبد تعرض لها الآفات المضادة
_________________
(١) وقع في (ظ) الخاصة.
(٢) في (ظ) (يثبت)، وفي (ت) غير منقوطة.
(٣) وقع في (ج) (ولإطلاق)، ووقع في (ظ) (ولا إطلاق).
[ ١٨٠ ]
لها، من النوم والمرض والموت، وكذلك علمه يعرض له النسيان والجهل المضاد له، وهذا محال في حياة الرَّبِّ ﷾ وعلمه. فمن نفى علم الرب وحياته لما يعرض فيهما للمخلوق فقد أبطل، وهو نظير نفي (^١) مَنْ نَفَى رحمة الرب ﷾ (^٢) عنه لما يعرض في رحمة المخلوق من رقة الطبع، وتوهم المتوهم أنه لا تُعْقَل رحمة إلا هكذا، نظير تَوهُّم المتوهم أنه لا يُعْقَل علم ولا حياة ولا إرادة إلا مع خصائص المخلوق.
وهذا الغلطُ منشؤه إنما هو توهّم صفة المخلوق المقيدة به أوَّلًا، وَتَوهُّم أنَّ إثباتها لله تعالى هو مع هذا القيد، وهذان وهمان باطلان؛ فإنّ الصِّفَةَ الثابتة للهِ تعالى مضافة إليه لا يتوهم فيها شيء من خصائص المخلوقين، لا في لفظها، ولا في ثبوت معناها، وكل من نفى عن الرب تعالى صفة من صفاته لهذا الخيال الباطل لزمه نفي جميع صفات كماله ﷾، لأنه لا يعقل منها إلا صفة المخلوق، بل ويلزمه نفي ذاته، لأنه لا يعقل من الذوات إلا الذوات المخلوقة، ومعلوم أن الرب ﷾ لا يشبهه شيء منها.
وهذا الباطل قد التزمه غلاة المعطلة.
_________________
(١) ليس في (ش، ب، ح)، (نفي).
(٢) وقع في (ظ، ت) زيادة بعد قوله (وتعالى) وهي (وعلمه، فمن نفى رحمة الرب)، ووقع في (ج) (.. رحمة الرب وعلمه لما يعرض ..) والسياق يقتضي حذفهما من النص.
[ ١٨١ ]
وكلما أوغل النافي في نفيه كان قوله أشد تناقضًا وأظهر بطلانًا، ولا يسلم على محك العقل الصحيح الذي لا يكذب إلا ما جاءت به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)﴾ [الصافات: ١٥٩، ١٦٠]، فنزه ﷾ نفسه (^١) عما يصفه به كل أحدٍ إلا المخلصين (^٢) من عباده، وهم الرسل ومن اتبعهم (^٣)، كما قال في الآية الأخرى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢]، فنزه نفسه عما يصفه به الواصفون، وسلم على المرسلين لسلامة ما وصفوه به من كل نقص وعيب، وحمد نفسه إذ هو الموصوف بصفات الكمال التي يستحقُّ لأجلها الحمد، ومُنزَّهٌ عن كل نقص يُنافِي كمال حمدِه.
_________________
(١) سقط من (ح).
(٢) في (ظ، ت، ج) (المخلصون).
(٣) من (ح، ش) ووقع في (ب، ت، ظ، ج) (تبعهم).
[ ١٨٢ ]