وهذا الاسم من النَّمَط المتقدم، فإن إبراهيم بالسِّرْيانية معناه "أبٌ رحيم". والله ﷾ جعل إبراهيم الأب الثالث للعالم (^٢)، فإن أبانا الأول آدم ﵇، والأب الثاني نوح ﵇، وأهل الأرض كلهم من ذُرِّيته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ [الصافات: ٧٧]، وبهذا يتبين كَذِب المفترين من العَجَمِ الذين يزعمون أنهم لا يعرفون نوحًا ﵇ ولا ولده، ولا ينتسبون (^٣) إليه، وينسبون (^٤) ملوكهم من آدم إليهم، ولا يذكرون نوحًا ﵇ في أنسابهم، وقد أكذبهم الله ﷿ في ذلك.
فالأب (^٥) الثالث أبو (^٦) الآباء وعمود العالم، وإمام الحُنَفاء
_________________
(١) وقع في (ت) (فصل) بدلًا من (الفصل الخامس).
(٢) في (ب) (في العالم).
(٣) في (ح) (ينسبون).
(٤) في (ب) (وينتفون) وفي (ش، ت، ظ) غير منقوطة.
(٥) من (ح) وفي باقي النسخ (والأب).
(٦) من (ظ، ت) ووقع في (ب، ش، ح) (أب).
[ ٣٠٣ ]
الذي اتخذه الله خليلًا، وجعل النُّبُوة والكتاب في ذُرِّيته، ذاك خليل الرحمن، وشيخ الأنبياء كما سمَّاه النبي ﷺ بذلك، فإنه لما دخل الكعبة وجد المشركين قد صوروا فيها صورته، وصورة إسماعيل ابنه وهما يستقسمان بالأزلام، فقال:
٢٨٤ - "قاتلهم الله، لقد علموا أن شيخنا لم يكن يستقسم بالأزلام" (^١) ولم يأمر الله رسوله ﷺ أن يتبعِ مِلَّة أحد من الأنبياء غيره، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣]، وأمر أُمَّته بذلك فقال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]، "ومِلّةَ" منصوب على إضمار فعل، أي: اتبعوا والزموا ملة إبراهيم، ودل على المحذوف ما تقدم من قوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨]، وهذا هو الذي يقال له: الإغراء. وقيل: منصوب انتصاب المصادر، والعامل فيه مضمون ما تقدم قبله؛ وكان رسول الله ﷺ يوصي أصحابه إذا أصبحوا وإذا أمسوا أن يقولوا (^٢):
_________________
(١) أخرجه البخاري في (٦٤) الأنبياء (٣١٧٣ و٣١٧٤) من حديث ابن عباس ﵄. ولم أقف على لفظة (شيخنا) فلتنظر.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٣/ ٤٠٦، ٤٠٧)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١، ٢، ٣٤٥) وغيرهما، وسنده صحيح. وقد وقع فيه اختلاف. والحديث صححه النووي والعراقي وحسنه ابن حجر والسيوطي وغيرهم. انظر: الأذكار رقم (٢٣٤)، والفتوحات الربانية (٣/ ١٢٦)، ونتائج =
[ ٣٠٤ ]
٢٨٥ - "أصْبَحْنَا على فِطْرةِ الإسْلام وكَلِمَة الإخْلاص، ودِيْنِ نَبِيِّنا مُحمَّدٍ، ومِلّة أبِيْنا إبْراهِيْم حَنِيْفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكين".
وتأمَّل هذه الألفاظ كيف جعل الفطرة للإسلام، فإنه فطرة الله التي فطر الناس عليها، وكلمة الإخلاص هي: شهادة أن لا إله إلا الله، والمِلَّة لإبراهيم ﵊ فإنه صاحب الملة، وهي التوحيد وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، ومحبته فوق كل محبة. والدين للنبي ﷺ، وهو دينه الكامل وشرعه التَّام الجامع لذلك كله.
وسَمَّاه الله سبحانه: إمَامًا، وأُمَّة، وقانتًا، وحنيفًا. وقال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البقرة: ١٢٤]، فأخبر سبحانه أنه جعله إمامًا للناس، وأنَّ الظَّالم من ذُرِّيته لا ينال رُتْبة الإِمَامَة، والظَّالم هو المشرك، وأخبر سبحانه أنَّ عَهْدَه بالإمَامة لا ينالُ من أشرك به، قالى تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢)﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٢].
فالأُمَّة هو: القدوةُ المعلِّم للخير، والقانتُ: المطيعُ لله تعالى الملازمُ لطاعته، والحنيفُ: المقبلُ على الله تعالى، المعْرض عَمَّا
_________________
(١) = الأفكار (٢/ ٣٧٩).
[ ٣٠٥ ]
سواه، ومَنْ فَسَّره بالمائل فلم يُفسِّره بنفس موضوع اللفظ، وإنما فسَّره بلازم المعنى، فإنّ الحنف هو الإقبال، ومن أقبل على شيء مال عن غيره، والحنف في الرِّجْلَين هو إقبال إحداهما (^١) على الأخرى، ويلزمه ميلها عن جهتها. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، فحنيفًا هو حال مفردة (^٢) لمضمون قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾، ولهذا فُسِّرت "مخلصًا"، فتكون الآية قد تضمنت الصدق والإخلاص، فإن إقامة الوجه للدين هو: إفراد طلبه بحيث لا يبقى في القلب إرادة لغيره، والحنيف: المُفْرِدُ لمعبوده لا يريد غيره. فالصدق أن لا ينقسم طلبك، والإخلاص (^٣) أن لا ينقسم مطلوبك، الأول: توحيد الطلب، والثاني: توحيد المطلوب.
والمقصود: أن إبراهيم ﵊ هو أبونا الثالث، وهو إمام الحنفاء، وتسميه أهل الكتاب عمود العالم، وجميع أهل الملل مُتَّفِقَة على تعظيمه وتولِّيْه ومَحَبَّته.
وكان خير بنيه سيد ولد آدم محمدًا ﷺ يُجلّة ويُعظّمه ويُبجّله ويحترمه.
_________________
(١) في (ب) (أحدهما).
(٢) من (ح) وفي (ب) (مقرّة) وهو خطأ، ووقع في (ش، ت، ظ، ج) (مُقَدَّرة).
(٣) في (ظ، ت، ج) (والإفراد).
[ ٣٠٦ ]
٢٨٦ - ففي "الصحيحين" (^١): من حديث المختار بن فُلْفُل، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: جَاءَ رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا خَيْرَ البَرِيَّة، فقال رسول الله ﷺ: "ذَاْكَ إبْراهِيْم".
وسماه شيخه، كما تقدم.
٢٨٧ - وثبت في "صحيح البخاري" (^٢) من حديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ، أنه قال: "إنَّكم مَحْشُورُون حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وأوَّل مَنْ يُكْسَى يومَ القيامةِ إبْرَاهِيْم".
٢٨٨ - وكان رسول الله ﷺ أشبه الخلق به، كما في "الصحيحين" (^٣)، عنه قال: "رأيتُ إبراهيْمَ فإذا أقْرب النَّاس شَبَهًا به صَاحِبكم" يعني نَفْسَهُ ﷺ، وفي لفظ آخر: "فَانْظُروا إلى صاحِبِكم" (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم في (٤٣) في الفضائل (٢٣٦٩) ولم يخرجه البخاري. انظر: تحفة الأشراف (١/ ٤٠٢) رقم (١٥٧٤).
(٢) أخرجه البخاري في (٦٤) الأنبياء (٣١٧١)، ومسلم في (٥١) الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٦٠) من حديث.
(٣) أخرجه مسلم في (١) الإيمان (١٦٧) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
(٤) أخرجه البخارى في (٦٤) الأنبياء (٣١٧٧)، ومسلم في (١) الإيمان (١٦٦) (٢٧٠).
[ ٣٠٧ ]
وكان ﷺ يعوذ أولاد ابنته حسنًا وحسينًا ﵄ بتعويذ إبراهيم لإسماعيل وإسحاق صلى الله عليهم وسلم.
٢٨٩ - ففي "صحيح البخاري" (^١): عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁، قال: كان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين ويقول: "إنَّ أبَاكُمَا كانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيْل وإسْحَاق: أعُوْذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّة، مِنْ كُلِّ شَيْطَان وَهَامَّة، ومِنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّة".
وكان ﷺ أول من قرى الضيف، وأول من اختتن، وأول من رأى الشيب. فقال: ما هذا يا رب؟ قال: وقار. قال: رب زدني وقارًا (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في (٦٤) الأنبياء (٣١٩١).
(٢) أخرجه مالك في الموطأ رقم (٢٦٦٨ - رواية يحيى الليثي، ٩٨٠ - ورواية الشيباني- وغيرهما) وابن أبي شيبة في مصنفه (٧/ ٢٤٧) رقم (٣٥٧٢٧ و٣٥٧٢٨) وغيرهما تامًا - وزاد في الموطأ - (وأول الناس قصَّ شاربه). وسنده صحيح إلى سعيد بن المسيب. وقد رويت الجملة الأولى والثانية- من حديث أبي هريرة مرفوعًا، وفي ثبوتها نظر. تفرد بها محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا فذكره. أخرجه ابن أبي عاصم في الأوائل رقم (١٨) والطبراني في الأوائل (١١٢١٠) والبيهقي في شعب الإيمان- من طريق ابن أبي الدنيا- قِرى الضيف- (١٧/ ١٠٦) رقم (٩١٧٠) وغيرهم. وقد اضطرب محمد بن عمرو في لفظة (- أول من اختتن إبراهيم ..). انظر مسند أبي يعلى (١٠/ ٣٨٤) رقم (٥٩٨١) وتاريخ دمشق لابن عساكر=
[ ٣٠٨ ]
وتأمَّل ثناء الله سبحانه عليه في إكرام ضيفه من (^١) الملائكة حيث يقول سبحانه: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧)﴾ [الذاريات: ٢٤ - ٢٧]، ففي هذا ثناء على إبراهيم من وجوه متعددة:
أحدها: أنه وصف ضيفه بأنهم مكرمون. وهذا على أحد القولين أنه إكرام إبراهيم لهم (^٢)، والثاني: أنهم المكرمون عند الله سبحانه، ولا تنافي بين القولين، فالآية تدل على المعنيين.
الثاني: قوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ فلم يذكر استئذانهم، ففي هذا دليل على أنه ﷺ كان قد عُرِف بإكرام الضّيْفان، واعتياد قِراهُم، فبقي منزل فضيفه مطروقًا لمن ووده، لا يحتاج إلى الاستئذان، بل استئذان الداخل دخوله، وهذا غاية ما يكون من الكرم.
الثالث: قوله لهم (^٣): ﴿سَلَامٌ﴾ الرفع، وهم سَلَّمُوا عليه بالنَّصب. والسلام بالرفع أكمل فإنه يَدُلُّ على الجُمْلة الإسْمِية الدَّالة
_________________
(١) = (٦/ ١٩٧). والمحفوظ عن غير واحد عن أبي هريرة (اختتن إبراهيم …) بدون ذكر الأوَّليَّة.
(٢) سقط من (ح) (من).
(٣) سقط من (ب، ح، ش).
(٤) سقط من (ح).
[ ٣٠٩ ]
على الثُّبوت والتَّجَدُّد (^١)، والمنصوب يدُلّ على الفِعْليّة الدَّالة على الحُدُوث والتَّجدُّد (^٢)، فإبراهيم ﵊ حَيَّاهم بتحيَّة أحْسَن من تحيَّتهم، فإنَّ قولهم: ﴿سَلَامًا﴾ يدل على سَلَّمْنَا سَلَامًا، وقوله: ﴿سَلَامٌ﴾ أي: سَلامٌ عليكم.
الرابع: أنه حذف المبتدأ من قوله: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥)﴾ فإنه لمَّا أنكرهم ولم يعرفهم احْتَشَم من مواجهتهم بلفظ ينفِّر الضيف لو قال: أنتم قوم منكرون، فَحَذْفُ المبتدأ هنا مِن ألْطف الكلام.
الخامس: أنه بنى الفعل للمفعول، وحذف فاعله، فقال: ﴿مُنْكَرُونَ (٢٥)﴾ ولم يقل إني أنكركم، وهو أحسن في هذا المقام وأبعد من التَّنفِيْر والمواجهة بالخشونة.
السادس: أنه راغ إلى أهله ليجيئهم بِنُزُلهِم، والرَّوَغَان هو الذهاب في اختفاء بحيث لا يكاد يشعر به الضيف، وهذا من كرم ربِّ المنزل المضيف؛ أن يذهب في اختفاء بحيث لا يشعر به الضيف (^٣)، فيشقّ عليه ويستحي، فلا يشعر به إلا وقد جاءه بالطعام، بخلاف من يُسْمِعُ ضيفه ويقول له، أو لمن حضر: مكانكم حتى آتيكم بالطعام ونحو ذلك مما يوجب حياء الضيف واحتشامه.
_________________
(١) سقط من (ب).
(٢) سقط من (ظ، ت، ج) من (والمنصوب) إلى (والتجدد).
(٣) سقط من (ب، ش) (الضيف)، وسقط من (ت، ظ، ج) من قوله (وهذا من كرم) إلى (لا يشعر به الضيف).
[ ٣١٠ ]
السابع: أنه ذهب إلى أهله فجاء بالضِّيافة، فدلَّ على أنَّ ذلك كان مُعدًّا عندهم مهيَّأ للضيفان، ولم يحتج أن يذهب إلى غيرهم من جيرانه، أو غيرهم فيشتريه أو يستقرضه.
الثامن: قوله: ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦)﴾ دلَّ على خدمته للضيف بنفسه، ولم يقل فأمر لهم، بل هو الذي ذهب وجاء به بنفسه، ولم (^١) يبعثه مع خادمه، وهذا أبلغ في إكرام الضيف.
التاسع: أنه جاء بعجل كامل، ولم يأت ببضعة (^٢) منه، وهذا من تمام كرمه ﷺ.
العاشر: أنه سَمِيْن لا هزيل، ومعلوم أن ذلك من أفخر أموالهم، ومثله يُتَّخَذ للاقتناء والتَّربية، فآثر به ضيفانه.
الحادي عشر: أنه قربه إليهم (^٣) بنفسه، ولم (^٤) يأمر خادمه بذلك.
الثاني عشر: أنه قربه إليهم ولم يقربهم إليه، وهذا أبلغ في الكرامة، أن يجلس (^٥) الضيف، ثم يقرب الطعام إليه، ويحمله (^٦) إلى
_________________
(١) في (ش) (ولم يقل: بعثه).
(٢) في (ب) (بنصفه).
(٣) سقط من (ب)، (إليهم)، وسقط من (ج) (بنفسه).
(٤) في (ب، ش) (لم) بدون واو قبلها.
(٥) في (ب) (تجلس) في (ظ، ت) غير منقوطة.
(٦) في (ب) (وتحمله) في (ظ، ت) غير منقوطة.
[ ٣١١ ]
حضرته، ولا تضع الطعام في ناحية، ثم تأمر ضيفك بأن يتقرب إليه.
الثالث عشر: أنه قال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧)﴾ وهذا عرض وتلطُّف في القول، وهو أحسن من قوله: كلوا، أو مُدُّوا أيديكم، ونحوها، وهذا مِمَّا يعلم الناس بعقولهم حُسْنه ولطفه، ولهذا يقولون: بسم الله، أو ألا تتصدَّق، أو ألا تجبر، ونحو ذلك.
الرابع عشر: أنه إنما عرض عليهم الأكل؛ لأنه رآهم لا يأكلون، ولم يكن ضيوفه يحتاجون معه إلى الإذن في الأكل، بل كان إذا قدم إليهم الطعام أكلوا، وهؤلاء الضيوف لما امتنعوا من الأكل قال لهم: ألا تأكلون، ولهذا أوْجَسَ منهم خِيْفَة، أي: أحسَّها وأضْمَرها في نفسه، ولم يُبْدِها لهم، وهو الوجه.
الخامس عشر: فإنهم لما امتنعوا من الأكل لطعامه خاف من أن يظهر لهم ذلك، فلمَّا علمت الملائكة منه ذلك، قالوا: لا تخف، وبَشَّرُوه بالغلام.
فقد جمعت هذه الآية آداب الضِّيافة التي هي أشرف الآداب، وما عداها من التكلُّفات التي هي تخلُّف (^١) وتكلف إنما هي من أوضاع الناس وعوائدهم، وكفى بهذه الآداب شرفًا وفخرًا، فصلى الله على نبينا، وعلى إبراهيم وعلى آلهما وعلى سائر النبيين.
وقد شهد الله سبحانه بأنه وفَّى ما أُمِرَ به فقال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ
_________________
(١) وقع في نسخة (ظ) من حاشية (ب) (تصلف).
[ ٣١٢ ]
يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٦ - ٣٧].
٢٩٠ - قال ابن عباس ﵁: "وفَّى جميع شرائع الإسلام، ووفَّى ما أمر به من تبليغ الرسالة" (^١).
وقال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]، فلمَّا أتمَّ ما أُمِر به من الكلمات جعله الله إمامًا للخلائق يأتمُّون به.
وكان ﷺ كما قيل: قَلْبُهُ للرحمن، وولده للقُرْبان، وبَدَنه للنِّيْران، وماله للضِّيفان.
ولمَّا اتخذه ربه خليلًا -والخُلَّة هي كمال المحبة، وهي مرتبة لا تقبل المشاركة والمزاحمة، وكان قد سأل ربه أن يهب له ولدًا صالحًا، فوهب له إسماعيل، فأخذ هذا الولد شعبة من قلبه، فغار الخليل (^٢) على قلب خليله أن يكون فيه مكان لغيره، فامتحنه بذبحه؛ ليظهر سرُّ الخُلَّة في تقديمه محبَّة خليله على محبَّة ولده، فلمَّا اسْتَسْلم لأَمر ربه وعزم على فعله وظهر سلطان الخلة في الإقدام على ذبح الولد إيثارًا لمحبة خليله على محبته، نسخ (^٣) الله تعالى ذلك عنه وفداه بالذِّبْحِ العظيم، لأنَّ المَصْلحة في الذَّبْح كانت
_________________
(١) أخرجه الطبري فى تفسيره (٢٧/ ٧٣) عن ابن عباس بمعناه وسنده ضعيف جدًا. وثبت نحوه عن مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة.
(٢) في (ب) (الجليل)، وفي (ظ، ت) غير منقوطة.
(٣) في (ح) (فسخ).
[ ٣١٣ ]
ناشئة من العزم وتوطين النفس على ما أُمِرَ به، فلما حصلت هذه المصلحة عاد الذبح في نفسه (^١) مفسدة، فنسخ في حقه، وصارت الذبائح والقرابين من الهدايا والضَّحايا سُنَّة في أتْبَاعه إلى يوم القيامة.
وهو الذي فتح للأُمَّة باب مناظرة المشركين وأهل الباطل، وكَسْر حُجَجِهم، وقد ذكر الله سبحانه مناظرته في القرآن مع إمام المعطلِيْن، ومناظرته مع قومه المشركين، وكَسْرَ حُجَج الطائفتين بأحسن مناظرة، وأقربها إلى الفهم وحصول العلم.
قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣]، قال زيد بن أسلم وغيره:
٢٩١ - "بالحجة والعلم" (^٢). ولما غُلِبَ أعداءُ الله معه بالحُجَّة، وظهرت حُجَّته عليهم، وكَسَرَ أصنامهم، فكَسَرَ حُجَجَهم ومعبودهم، همُّوا بعقوبته وإلقائه في النار، وهذا شأن المبطلين إذا غُلِبُوا وقامت عليهم الحجة هموا بالعقوبة، كما قال فرعون لموسى ﵊ وقد أقام عليه الحجة: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]، فأضرموا له النار وألقوه
_________________
(١) من (ب) قوله (في نفسه) وفي (ش، ت، ظ) (نفسه).
(٢) أخرجه ابن وهب في التفسير من "جامعه" (٢/ رقم ٢٧٤) عن زيد بن أسلم قال: "بالعلم"، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ رقم ٧٥٥٠) وسنده صحيح، ولفظه (إنه العلم، يرفع الله به من يشاء في الدنيا). وانظر: تفسير الطبري (٧/ ٢٥٩).
[ ٣١٤ ]
في المنجنيق، فكانت تلك السَّفْرة من أعظم سفرة سافرها وأبركها عليه، فإنه ما سافر سفرةً أبرك ولا أعظم ولا أرفع لشأنه وأقرّ لعينه منها، وفي تلك السفرة عرض له جبريل بين السماء والأرض فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا (^١).
٢٩٢ - قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ [آل عمران: ١٧٣]، "قالها نبيكم، وقالها إبراهيم حين ألقي في النار" (^٢)، فجعل الله سبحانه عليه النار بردًا وسلامًا.
٢٩٣ - وقد ثبت في "صحيح البخاري" (^٣): من حديث أم شَرِيْك أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ بِقَتْل الوَزغَ وقال: "كانت تنفُخُ عَلَى (^٤) إبْراهِيْم".
وهو الذي بنى بيت الله وأذَّنَ في الناس بحجِّه؛ فكل مَنْ حَجَّه واعْتَمره حصل لإبراهيم من مزيد ثواب الله تعالى وإكرامه بعدد الحُجَّاج والمعتمرين، قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥].
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٧/ ٤٥) مقطوعًا.
(٢) أخرجه البخاري في (٦٨) التفسير/ آل عمران (٤٢٨٧).
(٣) في (٦٤) الأنبياء (٣١٨٠)، ومسلم في (٣٩) السلام (٢٢٣٧).
(٤) وقع في نسخة (ظ) على حاشية (ب) (نار) بدلًا عن (على)، وفي (ت، ج) (تنفخ النار على …) وهي غير موجودة في البخاري.
[ ٣١٥ ]
٢٩٤ - قال ابن عباس (^١) ﵁: يثوبون إليه، ولا يقضون منه وطرا" (^٢)، ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، فأمر نبيه ﷺ وأُمَّته أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى تحقيقًا للاقتداء به وإحْياءِ آثارِه صلى الله على نبينا وعليه وسلم.
ومناقب هذا الإمام الأعظم (^٣) والنَّبيّ الأكرم ﷺ أجلُّ من أن يُحيط بها كتاب، وإنْ مَدَّ الله في العمر أَفردنا كتابًا في ذلك يكون قطرة في بحر فضائله أو أقلّ، جعلنا الله تعالى مِمَّن ائتمَّ به، ولا جعلنا مِمَّن عَدَلَ عن مِلَّته بمنِّه وكرمه.
وقد روى لنا عنه النبي ﷺ حديثًا وقع لنا متصل الرواية إليه.
٢٩٥ - رُوِّيْنَاهُ في كتاب الترمذي وغيره (^٤) وغيره: من حديث
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (البقرة/ رقم (١٢٠٠). وظاهر سنده حسن، وهو من قول مجاهد أصح. انظر: تفسير الطبري (١/ ٥٣٣)، وأخرجه الطبري (١/ ٥٣٤) وسنده حسن. وليس فيه (ولا يقضون منه وطرًا).
(٢) سقط من (ح) من قوله (قال ابن عباس) إلى (وطره).
(٣) في (ب) (أعظم).
(٤) أخرجه الترمذي (٣٤٦٢)، والطبراني في الصغير (١/ ٣٢٦) رقم (٥٣٩) من طريق سيَّار عن عبد الواحد عن عبد الرحمن بن إسحاق عن القاسم به، وقال حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن مسعود. قلت: وهذا منكر رفعه، تفرد به عبد الرحمن بن إسحاق، وهو متفق على ضعفه. قال أبو حاتم: "هكذا رواه سيار. وغيره يقول عن القاسم عن أبيه: هذا الصحيح مرسل". راجع تتمة الكلام في علل ابن أبي حاتم (٢/ ١٧٠ - ١٧١). وورد من حديث أبي أيوب الأنصاري، ولكن فيه "غراسها لا حول ولا =
[ ٣١٦ ]
القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال: يا محمد أقرئ أمتك السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، قال الترمذي: هذا حديث حسن.
_________________
(١) = قوة إلا بالله". أخرجه ابن حبان (٣/ ١٠٣) رقم (١، ٨) وغيره، وحسنه ابن حجر في النتائج (١/ ١٠١) وغيره، وفيه عبد الله بن عبد الرحمن، لم يوثقه إلا ابن حبان (٧/ ١) ففيه جهالة. * وورد من حديث ابن عمر: عند الطبراني في الكبير (١٢/ ٣٦٤) وغيره* ويخشى أنه من منكرات: عقبه بن علي. انظر الضعفاء الكبير للعقيلي (٣/ ٣٥٢) وأيضًا: ليس في متنه: (سبحان الله والله أكبر).
[ ٣١٧ ]