وفيه قولان: أحدهما: أن أصله أهْل، ثم قلبت الهاء همزة فقيل: (أأل) (^١) ثم سُهِّلتْ على قياس أمثالها فقيل: آل. قالوا: ولهذا إذا صُغِّر رَجَعَ إلى أصله فقيل: أهيل، قالوا: ولما كان فرعًا عن فرع خَصُّوه ببعض الأسماء المضاف إليها، فلم يضيفوه إلى أسْماءِ الزمان ولا المكان ولا غير الأعلام، فلا يقولون: آل رجل وآل امرأة، ولا يضيفونه إلى مُضْمَر فلا يقال آله وآلي، بل لا يضاف إلا إلى معظم (كما أن التاء لما كانت في القسم بدلًا عن الواو، وفرعًا عليها، والواو فرعًا عن (^٢) فعل القسم، خصوا التاء بأشرف الأسماء وأعظمها، وهو اسم الله تعالى) (^٣).
وهذا القول ضعيف من وجوه:
أحدها: أنه لا دليل عليه (^٤).
_________________
(١) في (ظ، ت، ج) (آل).
(٢) في (ح) (من).
(٣) من (ظ، ت، ب، ج) ووقع في (ش) (وهذا كما أن التاء لما كانت في القسم خصّوا التاء بأشرف الأسماء، بدلًا عن الواو، وفرعًا عليها، والواو فرعًا عن فعل القسم، خصوا التاء بأشرف الأسماء وأعظمها وهو اسم الله تعالى).
(٤) سقط من (ب)، قوله (عليه).
[ ٢٢٧ ]
الثاني: أنه يَلزمُ منه القَلْب الشَّاذ من غير مُوْجب، مع مخالفة الأصل.
الثالث: أن الأهل يُضافُ (^١) إلى العاقل وغيره، والآل لا تضاف إلا إلى عاقل.
والرابع: أن الأهل يضاف (^٢) إلى العلم والنكرة، والآل لا يضاف إلا إلى معظم من شأنه أن غيره يؤول إليه.
الخامس: أن أهل يُضاف إلى الظاهر والمضمر. والآل من النحاة من منع إضافته إلى المضمر، ومن جوزها فهي شاذة قليلة.
السادس: أن الرجل حيث أضيف إلى (^٣) آله (^٤) دخل فيه هو، كقوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٦]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)﴾ [آل عمران: ٣٣]، وقوله: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤)﴾ [القمر: ٣٤]، وقول النبي ﷺ:
٢٢٤ - "اللهم صل على آل أبي أوفى" (^٥)، هذا إذا لم يُذكر معه مَنْ أُضيف إليه الآل، وأما إذا ذُكِرَ معه فقد يقال: ذكر مفردًا
_________________
(١) من (ب، ج).
(٢) سقط من (ب) فقط (تضاف).
(٣) في (ب، ش) (إليه).
(٤) في (ظ، ج) (أهله).
(٥) تقدم، وهو متفق عليه برقم (١٨٧).
[ ٢٢٨ ]
وداخلًا في الآل، وقد يقال: ذكره (^١) مفردًا أغنى عن ذكره مضافًا، والأهل بخلاف ذلك، فإذا قلت: جاء أهل زيد، لم يدخل فيهم.
وقيل: بل أصله أَوَلَ، وذكره صاحب "الصحاح" (^٢) في باب الهمزة والواو واللام، وقال: وآلُ الرجلِ أهلُهُ وعِيَاله، وآله أيضًا: أتْبَاعُه.
وهو عند هؤلاء مُشْتقّ من آل يؤول: إذا رجع، فآل الرجل (^٣) هم الذين يرجعون إليه ويضافون إليه، ويؤولهم، أي: يَسُوسهم، فيكون مآلهم إليه، ومنه الإيالة وهي السِّياسَة، فآل الرجل هم الذين يسوسهم ويؤولهم، ونفسه أحق بذلك من غيره، فهو أحق بالدخول في آله، ولكن لا يقال: إنه مختص بآله، بل هو داخل فيهم، وهذه المادة موضوعة لأصل الشيء وحقيقته، ولهذا سُمي (^٤) حقيقة الشيء تأويله؛ لأنها حقيقته التي يرجع إليها، ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣]، فتأويل ما أخبرت به الرسل هو مَجيءُ حقيقته ورُؤيتُها عيانًا، ومنه تأويل الرؤيا، وهو حقيقتها (^٥)
_________________
(١) وقع في (ب) (ذكر) وهو خطأ.
(٢) هو الجوهري كما تقدم. وانظر. الصحاح (٢/ ١٢٢٦).
(٣) سقط من (ب) قوله (الرجل).
(٤) وقع في (ب، ش) (تُسمَّى).
(٥) وقع في (ظ، ت، ج) بعد (حقيقتها) إضافة (عيانًا، ومنه تأويل الرؤيا).
[ ٢٢٩ ]
الخارجية التي ضربت للرائي في عالم المثال، ومنه التأويل بمعنى العاقبة، كما قيل في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]، قيل: أحسن عاقبة، فإن عواقب الأمور هي حقائقها التي تؤول إليها، ومنه التأويل بمعنى التفسير؛ لأن تفسير الكلام هو بيانُ معناه وحقيقته التي يُراد منه.
قالوا: ومنه الأوَّل؛ لأنه أصل العدد ومبناه الذي يتفرع منه، ومنه الآل بمعنى الشخص نفسه، قال أصحاب هذا القول: والتزمت العرب إضافته، فلا يستعمل مفردًا إلا في نادر الكلام، كقول الشاعر (^١):
نَحْنُ آلُ اللهِ فِيْ بَلْدَتِنَا … لم نَزَلْ آلًا على عَهْد إِرَم
والتزموا أيضًا إضافته إلى الظاهر، فلا يضاف إلى مضمر إلا قليلًا، وعَدَّ بعضُ النُّحاة إضافته إلى المُضْمَرِ لَحْنًا، قال أبو عبد الله بن مالك (^٢)، والصحيح أنه ليس بلحن، بل هو من كلام العرب، لكنه قليل، ومنه قول الشاعر (^٣):
_________________
(١) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (١/ ٣٤٥).
(٢) هو محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك الطائي الجيَّاني كان إمامًا في القراءات واللغة والنحو والتصريف، له الكافية الشافية، والخلاصة (الألفية) وغيرها، توفى سنة ٦٧٢ هـ. انظر: شذرات الذهب (٥/ ٣٣٩).
(٣) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (١/ ٣٤٥) ونسب البيت لهدبة.
[ ٢٣٠ ]
أنَا الفَارِسُ الحَامِي حَقِيقَة والدِي … آلِي، فَمَا يَحْمِي حَقِيْقَة آلِكَا؟
وقال عبد المطلب في الفيل وأصحابه (^١):
وانْصُرْ عَلَى آلِ الصَّلِيْـ … ـبِ وَعَابِدِيْهِ اليَوْمَ آلَكَ
فأضافه إلى الياء والكاف، وزعم بعض النُّحَاة أنه لا يُضاف إلَّا إلى عَلَم مَنْ يَعْقِل. وهذا الذي قاله هو الأكثر، وقد جاءت إضافته إلى غيرِ مَنْ يَعْقِل، قال الشاعر (^٢):
نَجوتُ ولَمْ يَمْنُنْ عليَّ طَلَاقَةً … سِوَى رَبَذِ (^٣) التَّقْرِيْبِ من آلِ أعْوَجَا
وأعوج: عَلَم فرس.
قالوا: ومن أحكامه أيضًا أنه لا يُضافُ إلَّا إلى متبوع معظَّم، فلا يُقال: آل الحائك، وآل الحجَّام، ولا آل رجل (^٤).
فصل
وأما معناه فقالت طائفة: يقال: آل (^٥) الرجل له نفسه، وآل الرجل (^٦) لمن يتبعه (^٧)، وآله لأهله وأقاربه.
_________________
(١) انظر: الروض الأنف للسهيلي (١/ ١٢٢)، والبحر المحيط لأبي حيان (١/ ٣٤٥).
(٢) انظر: ديوان الفرزدق ص ١١٠.
(٣) من (ب) وفي بقية النسخ (زبد) وهو خطأ.
(٤) انظر: الكشاف للزمخشري (١/ ١٣٧).
(٥) سقط من (ظ).
(٦) من (ظ، ت) ووقع في (ب، ش) (وآله من).
(٧) في (ح) زيادة (نفسه).
[ ٢٣١ ]
فمن الأول قول النبي ﷺ لما جاءه أبو أوفى بصدقته:
٢٢٥ - "اللَّهُمّ صَلِّ عَلَى آلِ أبِي أوْفَى" (^١)، وقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)﴾ [الصافات: ١٣٠] وقول النبي ﷺ:
٢٢٦ - "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحمَّدٍ وعَلَى آلِ مُحمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْراهِيم" (^٢)، فآلُ إبراهيم هو إبراهيم؛ لأنَّ الصَّلاة المطلوبة للنَّبي ﷺ هي الصَّلاة على إبراهيم نفسه ﵊، وآله تبع له فيها.
ونازعهم (^٣) في ذلك آخرون وقالوا: لا يكون الآل إلا الأتباع والأقارب، وما ذكرتموه من الأدلة فالمراد بها الأقارب، وقوله: "كما صليت على آل إبراهيم" آلُ إبراهيم هنا هم الأنبياءُ، والمطلوب من الله سبحانه أن يصلِّي على رسوله ﷺ كما صَلّى على جميع الأنبياء من ذُرّيّة إبراهيم، لا إبراهيم وحده، كما هو مُصرّح به في بعض الألفاظ من قوله (على إبراهيم وعلى آل إبراهيم)، وأما قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)﴾ [الصافات: ١٣٠] فهذه فيها قراءتان (^٤):
_________________
(١) تقدم تخريجه برقم (١٨٧).
(٢) تقدم تخريجه برقم (٢).
(٣) في (ت) (ونازعه) وهو خطأ.
(٤) انظر: تفسير الطبري (٢٣/ ٩٤ - ٩٦)، ومعاني القرآن للفرَّاء (٢/ ٣٩١ - ٣٩٢)، والقراءات العشر المتواترة ص ٤٥١، ومن (ظ، ت) قوله (فيها).
[ ٢٣٢ ]
إحداهما: إلْيَاسيْن بوزن إسماعيل، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه اسم ثانٍ للنَّبيّ إِلْيَاس (^١)، وإلْيَاسيْن كَمِيْكَال ومِيْكَائِيْل.
والوجه الثاني: أنه جَمْع، وفيه وجهان.
أحدهما: (^٢) أنه جَمْعُ إلْياس، وأصْلُه إِلْيَاسِيْينِ، بيائين كعبرانيين، ثم خففت (^٣) إحدى اليائين فقيل: إلياسين، والمراد أتباعه، كما حكى سيبويه: الأشعرون ومثله الأعجمون.
والثاني: أنه جمع إلياس محذوف الياء.
والقراءة الثانية: ﴿سلام على آل ياسين﴾ وفيه أوجه:
أحدها: أنّ ياسين اسم لأبيه، فأُضِيْف إليه الآل كما يُقالُ آل إبراهيم.
والثانى: أنّ آلَ ياسين هو إلياس نفسه، فيكون آل (^٤) مضافة إلى يس، والمراد بالآل يس نفسه، كما ذكر الأوَّلُون (^٥).
_________________
(١) سقط من (ب) فقط قوله (إلياس و) وسقط من (ج) (إلياسين).
(٢) سقط من (ب) (أنه جمع، وفيه وجهان، أحدهما).
(٣) وقع في (ب) فقط (حذفت).
(٤) من (ظ، ش، ج) ووقع في (ب) (إلى) وهو خطأ.
(٥) وقع في (ت) (الاول) وهو * محتمل إن كانت (الأُوَل) *.
[ ٢٣٣ ]
والثالث: أنه على حذف ياء النَّسَب، فيقال (^١): يس، وأصله ياسيين كما تقدم، وآلُهم أتباعُهم على ديِنهم.
والرابع: أن يس هو القرآن، وآله هم أهل القرآن.
والخامس: أنه النبي ﷺ، وآله أقاربه وأتباعه كما سيأتي.
وهذه الأقوال كلها ضعيفة، والذي حمل قائلها عليها استشكالهم إضافة "آل" إلى "يس"، واسمه إلياس وإلياسين ورأوها في المصْحَفِ مفصولة، وقد قرأها بعض القُرَّاء: "آل ياسين" فقال طائفة منهم: له أسماء: يس، وإلياسين، وإلياس، وقالت طائفة: "يس" اسم لغيره، ثم اختلفوا، فقال الكَلْبي: يس محمد ﷺ، وقالت طائفة: هو القرآن.
وهذا كله تعسف ظاهر لا حاجة إليه، والصَّواب -والله أعلم- في ذلك: أن أصل الكلمة آلُ إلْياسين (^٢)، كآل إبراهيم، فحذفت الألف واللام من أوَّلِه لاجتماع الأمْثَال، ودِلَالة الاسم على موضِع المحذوف، وهذا كثير في كلامهم، إذا اجتمعت الأمثال كَرِهُوا النُّطق بها كلها، فحذفوا منها ما لا إلْبَاسَ في حَذْفه، وإن كانوا لا يحذفونه في موضع لا تجتمع فيه الأمثال. ولهذا يحذفون (^٣) النُّون
_________________
(١) من (ظ) ووقع في (ب، ت، ش، ج) (فقال).
(٢) من (ش، ح) وفي باقي النسخ (ياسين) وهو خطأ.
(٣) وقع في (ح) (ولهذا لا يحذفون النون) والصواب بحذف (لا). وسقط من (ب، ش) كلمة (النون).
[ ٢٣٤ ]
من "إنِّي، وأنِّي، وكأنِّي (^١)، ولكنِّي" ولا يحذفونها من "لَيْتَنِي". ولما كانت اللام في "لعل" شبيهة بالنون حذفوا النون معها. ولاسيما عادة العرب في استعمالها للاسم الأعْجَمي وتغييرها له، فيقولون مرة: "إلياسين"، ومرة "إلياس" ومرة "ياسين" وربما قالوا: "ياس" ويكون على إحدى القراءتين قد (^٢) وقع على المسلَّم عليه (^٣) وعلى القراءة الأخرى: على آله.
وعلى هذا ففصل النزاع بين أصحاب القولين في الآل: أن الآل إنْ أُفْرد دخل فيه المضاف إليه، كقوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٦]، ولا ريب في دخوله في آله هنا. وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠] ونظائره، وقول النبي ﷺ:
٢٢٧ - "اللهم صل على آل أبي أوفى" (^٤).
ولا ريب في دخول أبي أوفى نفسه في ذلك، وقوله:
٢٢٨ - "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم" (^٥)، هذه أكثرُ رِوَاياتِ البُخَاريّ، وإبراهيم هنا داخل في آله، ولعل هذا مراد من قال: آل الرجل نفسه.
_________________
(١) ليست في (ب).
(٢) وقع في (ب) (وقد).
(٣) وقع في (ب، ح) (وقع السلام عليه).
(٤) تقدم برقم (١٨٧).
(٥) تقدم برقم (٢).
[ ٢٣٥ ]
وأمّا إنْ ذُكِرَ الرجل، ثم ذُكِرَ آله، لم (^١) يدخلْ فيهم. فَفَرْقٌ بين اللَّفظ المجرَّد والمقرون، فإذا قلت: أعط هذا لزيد وآل زيد، لم يكن زيد (^٢) هنا داخلًا في آله، وإذا قلت: أعطه لآل زيد تناول زيدًا وآله، وهذا له نظائر كثيرة، قد (^٣) ذكرناها في غير هذا الموضع، وهي أن اللّفْظَ تخْتلفُ دِلالَتُه بالتَّجْرِيْد والاقْتِران، كالفَقِير والمِسْكين، هما (^٤) صنفان إذا قرن بينهما، وصنف واحد إذا أفرد كل منهما، ولهذا كانا في الزكاة صنفين، وفي الكفارات صنف واحد، وكالإيمان والإسلام، والبِرّ والتَّقوى، والفَحْشَاء والمُنْكر، والفُسُوق والعِصْيان، ونظائر ذلك كثيرة ولاسيما في القرآن.
فصل
واخْتُلِفَ في آلِ النَّبيِّ ﷺ على أربعةِ (^٥) أقوال:
فقيل: هم الذين حُرُمَتْ عليهم الصدقة، وفيهم ثلاثة أقوال للعلماء:
أحدها: أنهم بنو هاشم، وبنو المطلب، وهذا مذهب الشافعي وأحمد في رواية عنه (^٦).
_________________
(١) سقط من (ب)، (لم).
(٢) سقط من (ب)، (زيد).
(٣) وقع في (ش، ب) (وقد).
(٤) وقع في (ب) (هنا).
(٥) انظر المجموع للنووي (٣/ ٤٦٦) وفتح الباري (١١/ ١٦٠).
(٦) انظر الأم (٣/ ٢٠١) ط: دار الوفاء، والمغني (٤/ ١١١) قلت: وهو قول =
[ ٢٣٦ ]
والثاني: أنهم بنو هاشم خاصة، وهذا مذهب أبي حنيفة، والرواية الثانية (^١) عن أحمد، واختيار ابن القاسم صاحب مالك.
والثالث: أنهم بنو هاشم ومن فوقهم إلى بني (^٢) غالب، فيدخل فيهم بنو المطلب، وبنو أمية، وبنو نوفل، ومن فوقهم إلى بني غالب (^٣) وهذا اختيار أشهب (^٤) من أصحاب مالك، حكاه صاحب "الجواهر" عنه (^٥)، وحكاه اللخمي (^٦) في "التبصرة" عن أصبغ (^٧)، ولم يحكه عن أشهب.
وهذا القول في الآل (^٨) أعني أنهم الذين تَحْرُم عليهم الصدقة
_________________
(١) = الإمام مالك وأكثر أصحابه. انظر مواهب الجليل للحطاب (٣/ ٢٢٤).
(٢) سقط من (ح) (الثانية). انظر المغني (٤/ ١١١)، والبناية في شرح الهداية للعيني الحنفي (٣/ ٥٥٤)، ومواهب الجليل للحطَّاب (٣/ ٢٢٤ - ط: دار الكتب العلمية).
(٣) إضافة من (ب) قوله (بني).
(٤) سقط من (ب) من قوله (فيدخل) إلى (غالب).
(٥) هو أشهب بن عبد العزيز بن داوود القيسي ولد سنة ١٤٠ وتفقه على مالك توفى سنة ٢٠٤ هـ. انظر: شجرة النور الزكية رقم (٢٦).
(٦) هو عبد الله بن محمد بن شاس الجذامي، (ت: ٦١٠ هـ). انظر: شجرة النور (٥١٧)، والجواهر هو: عقد الجواهر الثمينة (١/ ٢٤٦).
(٧) هو علي بن محمد القيرواني، رئيس الفقهاء في وقته، له تعليق على المدونة سماه "التبصرة" (ت: ٤٧٨ هـ). شجرة النور (٣٢٦).
(٨) هو ابن الفرج المصري، (ت: ٢٢٥ هـ). انظر شجرة النور (٥٨).
(٩) وقع في (ب) (الأول) وهو خطأ.
[ ٢٣٧ ]
هو منصوص الشافعي وأحمد والأكثرين، وهو اختيار جمهور أصحاب أحمد والشافعي.
والقول الثاني أن آل النبي ﷺ هم ذريته وأزواجه خاصة، حكاه ابن عبد البر في "التمهيد" (^١) قال في باب عبد الله بن أبي بكر، في شرح حديث أبي حُمَيْد السّاعِدي (^٢): "استدل قوم بهذا الحديث على أن آل محمد هم أزواجه وذُريته خَاصَّة، لقوله في حديث مالك عن نُعيْم المُجْمِر، وفي غير ما حديث:
٢٢٩ - "اللهم صل على محمدٍ وعلى آل محمد" (^٣).
وفي هذا الحديث يعني حديث أبي حميد:
٢٣٠ - "اللهم صل على محمدٍ وأزواجه وذريته".
قالوا: فهذا تفسير ذلك الحديث، ويُبيِّن أن آل محمد هم أزواجه وذُريته، قالوا: فجائز أن يقول الرجل لكل من كان من أزواج محمد ﷺ ومن ذريته صلى الله عليك إذا واجهه، وصلى الله عليه إذا غاب عنه، ولا يجوز ذلك في غيرهم، قالوا: والآل والأهل سواء، وآل الرجل وأهله سواء، وهم الأزواج والذُّرية بدليل هذا الحديث".
_________________
(١) انظر: التمهيد (١٧/ ٣٠٢ - ٣٠٣).
(٢) تقدم برقم (٤).
(٣) تقدم برقم (١ و٢).
[ ٢٣٨ ]
والقول الثالث: أن آله ﷺ أتباعه إلى يوم القيامة، حكاه ابن عبد البر عن بعض أهل العلم (^١)، وأقدم من روي عنه هذا القول جابر بن عبد الله ﵁، ذكره البيهقي عنه (^٢)، ورواه عن سفيان الثوري وغيره، واختاره (^٣) بعض أصحاب الشافعي، حكاه عنه أبو الطيب الطبري في تعليقه، ورجحه الشيخ محيي الدين النواوي في "شرح مسلم" (^٤)، واختاره الأزهري (^٥).
والقول الرابع: أن آله ﷺ هم الأتقياء من أمته، حكاه القاضي حسين، والراغب (^٦) وجماعة.
فصل في ذِكْر حُجَجِ هذهِ الأقْوال وتَبْيِيْن مَا فِيْها من الصَّحِيْح والضَّعِيْف
فأما القول الأول: وهو أن الآل من تَحْرُم عليهم الصدقة على
_________________
(١) انظر: التمهيد (١٧/ ٣٠٤ - ٤٠٦).
(٢) انظر: السنن الكبرى له (٢/ ١٥٢). وفي سنده عبد الله ببن محمد بن عقيل فيه كلام. انظر: تهذيب الكمال (١٦/ ٧٨ - ٨٥).
(٣) من (ظ، ت، ش) ووقع في (ب) (واختيار). وانظر هذا الاختيار في المجموع (٣/ ٤٦٦).
(٤) انظر: شرح مسلم (٤/ ١٦٣).
(٥) انظر: معاني القراءات للأزهري ص ٤١٢.
(٦) انظر: * أحكام القرآن للطحاوي (١/ ١٨٠) *، والمفردات للراغب الأصفهاني ص ٣٠ - ٣١ حيث قال: "وقيل: المختصون به من حيث العلم ..).
[ ٢٣٩ ]
ما فيهم من الاختلاف، فحجته من وجوه:
٢٣١ - أحدها: ما رواه البخاري في "صحيحه" (^١): من حديت أبي هريرة، ﵁، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُؤْتَى بالنخل عند صرامه، فيجيءُ هذا بتَمْرِهِ وهذا بتَمْرِه حتى يصير عنده كَوْمًا مِنْ تَمْر، فَجَعَل الحَسَن والحُسَيْن يَلْعَباَنِ بذَلِك التَّمْر، فَأَخَذَ أَحدُهما تَمْرةً فجعلها في فِيْهِ، فَنَظَر إليْه رسولُ اللهْ ﷺ فأخْرَجَهَا مِنْ فِيْهِ، فقال: "أمَا عَلِمْتَ أنَّ آلَ مُحمدٍ لا يأْكلُون الصَّدَقَة"، ورواه مسلم (^٢) وقال: "إنَّا لا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَة".
٢٣٢ - الثاني: ما رواه مسلم في "صحيحه" (^٣): عن زيد بن أرقم، قال: قام رسول الله ﷺ يومًا خطيبًا فينا بماء يدعى خُمًّا بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ، ثم قال: "أمَّا بعْدُ ألا أيُّها النَّاس إنَّما أنا بَشَر يُوشك أنْ يأتِيني رسولُ ربِّي ﷿، وإنِّي تارك فيكم ثَقَلَيْن: أوَّلُهُما كتابُ اللهِ ﷿ فيه الهُدى والنُّور فخُذُوا بكتاب اللهِ واسْتمْسِكُوا به"، فحث على كتاب اللهِ ورغَّب فيه، وقال: "وأهْل بَيْتِي، أُذكِّركُم اللهَ في أهْلِ بيْتِي، أُذكِّركُم اللهَ في أهْل بَيْتِي".
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه في (٣٠) الزكاة (٢/ ٥٤١)، برقم (١٤١٤) بلفظ: (يؤتى بالتَّمر عند صِرَامِ النَّخْل).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه في (١٢) الزكاة رقم (١٠٦٩).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه في (٤٤) فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم رقم (٢٤٠٨).
[ ٢٤٠ ]
فقال له حصين بن سبرة: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من (^١) أهل بيته؟ قال: إن نساءه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حُرِمَ الصدقة بعده. قال: ومن هم؟ قال: هم آل عليّ، وآل عَقِيْل، وآل جعفر، وآل عباس. قال: أكُلَّ هؤلاء حرِمَ الصدقة؟ قال: نعم.
٢٣٣ - وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: "إنَّ الصَّدَقةَ لا تَحِلُّ لآلِ مُحمَّد" (^٢).
٢٣٤ - الدليل الثالث: ما في الصحيحين (^٣): من حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂؛ أن فاطمة ﵂ أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبي ﷺ مما أفاء الله على رسوله ﷺ (^٤)، فقال أبو بكر ﵁: إن رسول الله ﷺ قال: "لا نُوْرَث، مَا تَركْنَا صَدَقَة"، إنما يأكل آل محمدٍ من هذا المال -يعني مال الله- ليس لهم أن يزيدوا على المأكل.
_________________
(١) سقط من (ب).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه فى (١٢) الزكاة رقم (١٠٧٢) في قصة وفيه (إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس). وفي لفظ عنده "إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد".
(٣) أخرجه البخارى في صحيحه في (٦١) الخمس (٢٩٢٦ و٢٩٢٧)، ومسلم في (٣٢) الجهاد والسير رقم (١٧٥٩).
(٤) ليس في (ب، ت) مما أفاء الله على رسوله ﷺ).
[ ٢٤١ ]
فآله ﷺ لهم خواص: منها حِرْمان الصدقة، ومنها أنهم لا يَرِثُونه، ومنها استحقاقُهم خُمُس الخُمُس، ومنها اختِصَاصهم بالصّلاة عليهم.
وقد ثَبَت أن تحريم الصدقة، واستحقاق خمس الخمس وعدم توريثهم مختص ببعض أقاربه ﷺ، فكذلك الصلاة على آله.
٢٣٥ - الدليل الرابع: ما رواه مسلم (^١): من حديث ابن شهاب، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي، أن عبد المطلب بن ربيعة أخبره، أن أباه ربيعة بن الحارث، قال لعبد المطلب بن ربيعة، وللفضل بن العباس ﵄: ائتيا رسول الله ﷺ فقولا له استعملنا يا رسول الله على الصدقات -فذكر الحديث- وفيه: فقال لنا: "إنَّ هذِهِ الصَّدقة إنَّمَا هِيَ أوْسَاخُ النَّاسِ، وإنَّها لا تَحِلُّ لِمُحمّدٍ ولا لآلِ مُحمّد".
٢٣٦ - الدليل الخامس: ما رواه مسلم في "صحيحه" (^٢): من حديث عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ أمر بكبشٍ أقرن، يطأ في سوادٍ، ويبرك في سواد (^٣) -فذكر الحديث- وقال فيه: فأخذ النبي ﷺ الكبش، فأضجعه، ثم ذبحه ثم قال:
_________________
(١) تقدم قريبًا.
(٢) أخرجه مسلم في (٣٥) الأضاحي (١٩٦٧).
(٣) ليس في (ت، ح) قوله (ويبرك في سواد).
[ ٢٤٢ ]
"بِسْمِ الله، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحمّد، ومن آلِ مُحمّد، ومن أُمَّة محمد". ثم ضحى به (^١).
هكذا رواه مسلم بتمامه، وحقيقة العطف المغايرة، وأمَّته ﷺ أعمُّ من آله.
قال أصحاب هذا القول: وتفسير الآل بكلام النبي ﷺ أولى من تفسيره بكلام غيره.
فصل
وأما القول الثاني: أنهم ذُريته وأزواجه خاصَّة، فقد تقدم احتجاج ابن عبد البر له (^٢)، بأنّ في حديث أبي حميد:
٢٣٧ - "اللَّهُمّ صَلِّ على مُحمَّد وأزْواجِهِ وذُرِّيَّتِه" (^٣)،
٢٣٨ - وفي غيره من الأحاديث: "اللَّهُمَّ صَلِّ على محمَّد وعلى آلِ مُحمَّد" (^٤)، وهذا غايته أن يكون الأول مُبْهمًا (^٥) قدْ فسَّرهُ اللفظ الآخر.
٢٣٩ - واحتجوا أيضًا بما في "الصحيحين" (^٦): من حديث
_________________
(١) ليس في (ب) (ثم ضحى به).
(٢) ليس في (ب) (له).
(٣) تقدم برقم (٤).
(٤) تقدم برقم (١ و٢).
(٥) من (ب) ووقع في (ظ، ش) (منهما).
(٦) أخرجه البخاري في (٨٤) الرقاق (٦٠٩٥)، ومسلم في (١٢) الزكاة (١٠٥٥) =
[ ٢٤٣ ]
أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "اللهُمَّ اجْعَل رزقَ آلِ محمَّدٍ قُوْتًا" ومعلوم أن هذه الدعوة المستجابة لم تنَلْ كُلّ بني هاشم، ولا بني المُطَّلب، لأنه كان فيهم الأغنياء وأصحاب الجِدَة وإلى الآن. وأما أزواجه (^١) وذُرِّيته ﷺ فكان رزقهم قوتًا، ومَا كان يحصل لأزواجه بعده (^٢) من الأموال كُنَّ يتصدقن به ويجعلن رزقهن قوتًا.
٢٤٠ - وقد جاءَ عائشةَ ﵂ مالٌ عظيمٌ فقسمته كُله في قَعْدَةٍ واحدةٍ، فقالت لها الجارية: "لو خَبَّيْتِ لنا منه دِرْهمًا نشْتري به لَحْمًا؟ فقالت لها: لو ذَكَّرتِني فَعَلْتُ (^٣) ".
٢٤١ - واحتجوا أيضًا بما في "الصحيحين" (^٤): عن عائشة ﵂، قالت: "ما شَبِعَ آلُ محمَّدٍ ﷺ من خُبْز بُرٍّ مأْدُوم ثلاثة أيام حتّى لَحِقَ باللهِ ﷿". قالوا: ومعلوم أن العباس وأولاده وبني المطلب لم يدخلوا في لفظ عائشة ولا مرادها.
قال هؤلاء: وإنما دخل الأزواج في الآل، وخصوصًا أزواج
_________________
(١) = واللفظ له.
(٢) من (ظ، ح) ووقع في (ش، ت، ب) تقديم الذرية على أزواجه.
(٣) وقع في (ت) (… لازواجه من بعده كُنَّ ..).
(٤) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٨/ ٦٧)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٣) رقم (٦٧٤٥)، وغيرهما. وسنده صحيح.
(٥) أخرجه البخاري في (٧٣) الأطعمة وغيره (٥١٠٠)، ومسلم في (٥٣) في الزهد والرقائق (٢٩٧٠).
[ ٢٤٤ ]
النبي ﷺ تشبيهًا لذلك بالنَّسَب، لأنَّ اتِّصالهُنَّ بالنَّبي ﷺ غير مرتفع، وهُنَّ مُحَرَّمات على غيره في حياته وبعد مماته، وهُنَّ زوجاته في الدنيا والآخرة، فالسّبب الذي لهُنَّ (^١) بالنبي ﷺ قائمٌ مَقَام النَّسَبِ.
وقد نَصَّ النَّبي ﷺ على الصلاة عَليْهِنَّ، ولهذا كان القول الصحيح، وهو منصوص الإمام أحمد ﵀: أن الصَّدَقة تَحْرُم عليهِنَّ؛ لأنها أوْساخ الناس، وقد صَانَ اللهُ سبحانه ذلك الجَنَاب الرَّفيع وآله من كل أوساخ بني آدم، ويالله العجب كيف يدخل أزواجه في قوله ﷺ:
٢٤٢ - "اللَّهُمَّ اجْعَلْ رزقَ آلِ مُحمَّد قُوْتًا" (^٢)،
٢٤٣ - وقوله في "الأضحية": "اللَّهُمَّ هذا عن مُحمَّد وآل محمد" (^٣)، وفي قول عائشة ﵂:
٢٤٤ - "مَا شَبِعَ آلُ رسولِ الله ﷺ مِن خُبْز بُرٍّ" (^٤).
وفي قول المصلي: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد" (^٥)، ولا يدخُلْنَ فى قوله:
٢٤٥ - "إنَّ الصدَقة لا تَحِلُّ لمُحمَّد ولَا لآلِ مُحمَّد" (^٦)، مع
_________________
(١) من (ظ، ت، ش، ج) ووقع في (ب) (هنَّ).
(٢) تقدم برقم (٢٣٩).
(٣) تقدم برقم (٢٣٦).
(٤) تقدم برقم (٢٤١).
(٥) تقدم برقم (١ و٢).
(٦) تقدم برقم (٢٣٥).
[ ٢٤٥ ]
كونها من أوساخ الناس، فأزواج رسول الله ﷺ أوْلى بالصِّيانة عنها، والبُعْد منها.
فإنْ قيل: لو كانتِ الصَّدقة حَرَامًا عليهِنَّ لحَرُمتْ على مواليْهِنَّ، كما أنَّها لمَّا حَرُمتْ على بني هاشم حَرُمت على مواليْهِم.
٢٤٦ - وقد ثبت في الصحيح (^١) أنَّ بَرِيْرَة تُصُدِّقَ عليها بلَحْم فأكلته، ولم يُحرِّمه النَّبي ﷺ، وهي مولاة لعائشة ﵂.
قيل: هذا هو شُبْهَة مَنْ أباحها لأزواج النبي ﷺ.
وجواب هذه الشبهة: أن تحريم الصدقة على أزواج النبي ﷺ ليس بطريق الأصالة، وإنما هو تبع (^٢) لتحريمها عليه ﷺ، وإلَّا فالصَّدقة حلال لهُن قبل اتِّصَالِهِن به، فَهُنَّ فرع في هذا التَّحريم، والتَّحْريم على المَوْلى فرع التَّحريم على سيده، فلمَّا كان التَّحريم على بني هاشم أصْلًا اسْتَتْبع ذلك مواليهم، ولمَّا كان التحريم على أزواجِ النبي ﷺ تَبَعًا، لم يَقْوَ ذلك على اسْتِتْباع مواليهِنَّ، لأنه فَرْعٌ عن فرْع (^٣).
قالوا: وقد قال الله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ
_________________
(١) أخرجه البخاري في (٥٥) الهبة (٢٤٣٨)، ومسلم في (١٢) الزكاة رقم (١٠٧٤) في حديث أنس بن مالك.
(٢) سقط من (ب) (تبع)، وسقط من (ج) (هو).
(٣) سقط من (ب، ش) (عن فرع).
[ ٢٤٦ ]
يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١) يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣١ - ٣٤].
فدخلْنَ في أهل البيت، لأن هذا الخِطاب كُلّه في سياق ذِكرهِنَّ، فلا يجوز إخراجهن من شيء منه (^١). والله أعلم.
فصل
وأما القول الثالث: وهو أنَّ آلَ النَّبيِّ ﷺ أُمَّته وأتْباعه إلى يومِ القيامة. فقد احْتُجَّ له بأن آلَ المعظّم المتبوع هم (^٢) أتباعه على دينه وأمره، قريبهم وبعيدهم.
قالوا: واشتقاق هذه اللفظة يدل عليه، فإنه من آل يؤول إذا رجع، ومرجع الأتباع إلى متبوعهم لأنه إمامهم وموْئِلهم.
قالوا: ولهذا كان قوله تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤)﴾ [القمر: ٣٤]، المراد به أتباعه (^٣) وشيعته (^٤) (المؤمنون به من
_________________
(١) سقط من (ح) (منه).
(٢) من (ظ، ت، ب، ج) ووقع في (ش) (ثم).
(٣) وقع في (ب) (اتباعهم المؤمنون به من أقاربهم وغيرهم).
(٤) سقط من (ش، ب).
[ ٢٤٧ ]
أقاربه (^١) وغيرهم.
وقوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٦]، المراد به أتباعه وشيعته (^٢» (^٣).
٢٤٧ - واحتجوا أيضًا بأن واثلة بن الأسقع (^٤) روى: أن النبي ﷺ دعا حسنًا وحسينًا، فأجلس كل واحد منهما على فَخِذِه، وأدْنى فاطمة ﵂ من حِجْره وزوجها، ثم لفَّ عليهم ثوبه، ثم قال (^٥): "اللهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلِي"، قال واثلة: فقلت: يا رسول الله، وأنا مِنْ أهلك؟ فقال: "وأنْتَ من أهْلي". ورواه البيهقي بإسناد جيد.
قالوا (^٦): ومعلوم أن واثلة بن الأسقع من بني لَيْث بن بكر بن عبد مَنَاة، وإنَّما هو مِن أتْبَاعِ النَّبي ﷺ.
فصل
وأما أصحاب القول الرابع: أنَّ آله الأتْقِياء مِنْ أُمَّته.
_________________
(١) وقع في (ب) (أقاربهم).
(٢) زيادة من (ب، ش).
(٣) سقط من (ظ، ت، ج) ما بين القوسين.
(٤) أخرجه البيهقي في الكبرى (٢/ ١٥٢)، وابن حبان (١٥/ ٦٩٧٦)، والحاكم (٣/ ١٤٧) رقم (٤٧٠٦) وغيرهم. وسنده صحيح. والحديث صححه ابن حبان والحاكم والبيهقي.
(٥) سقط من (ب).
(٦) سقط من (ب).
[ ٢٤٨ ]
٢٤٨ - فاحتجوا بما رواه الطبراني في "معجمه" (^١): عن جعفر بن إلياس بن صدقة، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا نوح بن أبي مريم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أنس بن مالك، قال: "سئل رسول الله ﷺ: من آل محمد؟ فقال: "كل تقي"، وتلا النبي ﷺ: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] ". قال الطبراني: لم يروه عن يحيى إلا نوح، تفرد به نعيم.
٢٤٩ - وقد رواه البيهقي (^٢): من حديث أحمد (^٣) بن عبد الله ابن يونس، حدثنا نافع أبو هرمز، عن أنس، فذكره.
ونوح هذا، ونافع أبو هرمز لا يحتج بهما أحد من أهل العلم، وقد رُمِيَا بالكذب.
واحْتُجَّ لهذا القول أيضًا بأن الله ﷿ قال لنوح عن ابنه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦]، فأخرجه بِشِرْكه أنْ يكون من أهله، فعُلِمَ أن آل الرسول ﷺ هم أتباعه.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الصغير (١/ ١٩٩ - ٢٠٠) رقم (٣١٨). وهو حديث باطل. فيه نوح بن أبي مريم: اتهم بالكذب، وقال ابن المبارك: كان يضع الحديث. انظر: التقريب (٧٢١٠)، ومجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٦٢.
(٢) أخرجه البيهقي في الكبرى (٢/ ١٥٢) والطحاوي في أحكام القرآن (١/ ١٨٠). وهو حديث باطل. قال البيهقي: وهذا لا يحل الاحتجاج بمثله، نافع السلمي أبو هرمز بصري كذبه يحيى بن معين، وضعفه أحمد بن حنبل وغيرهما من الحفاظ. ا. هـ.
(٣) وقع في (ح) (عبد الله بن أحمد بن يونس) وهو خطأ.
[ ٢٤٩ ]
وأجاب عنه الشافعي (^١) ﵀ بجواب جيد، وهو أن المراد أنه ليس من أهلك الذين أمرناك بحملهم، وعدناك نجاتهم، لأن الله سبحانه قال له قبل ذلك: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: ٤٠]، فليس ابنه من أهله الذين ضمن نجاتهم.
قلت: ويدل على صحة هذا أن سياق الآية يدل على أن المؤمنين به (^٢) قِسْم غير أهله الذين هم أهله، لأنه قال سبحانه: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ﴾ [هود: ٤٠]، فمن آمن معطوف على المفعول بالحمل، وهم الأهل والاثنان من كل زوجين.
واحتجوا أيضًا بحديث واثلة بن الأسقع المتقدم، قالوا: وتخصيص واثلة بذلك أقرب من تعميم الأمة به، وكأنه (^٣) جعل واثلة في حكم الأهل تشبيهًا بمن يستحق هذا الاسم.
فهذا ما احتج به أصحاب كل قول من هذه الأقوال.
والصحيح هو القول الأول، ويليه القول الثاني. وأما الثالث والرابع فضعيفان، لأن النبي ﷺ قد رفع الشبهة بقوله (^٤):
_________________
(١) انظره في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٥٢)، وسقط من (ج) (عنه).
(٢) سقط من (ح).
(٣) في (ب) (كأنه).
(٤) تقدم برقم (٢٣٣).
[ ٢٥٠ ]
٢٥٠ - "إن الصدقة لا تحل لآل محمد"، وقوله (^١):
٢٥١ - "إنما يأكل آل محمد من هذا المال"، وقوله (^٢):
٢٥٢ - "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا".
وهذا لا يجوز أن يراد به عموم الأمة قطعًا.
فأولى ما حمل عليه الآل في الصلاة: الآل المذكورون في سائر ألفاظه، ولا يجوز العدول عن ذلك. وأما تَنْصِيْصُه على الأزواج والذُّرية (^٣)، فلا يدل على اخْتِصاص الآل بهم، بل هو حُجَّة على عدم الاختصاص بهم، لما روى أبو داود (^٤) من حديث نعيم المجمر، عن أبي هريرة ﵁ في الصلاة على النبي ﷺ:
٢٥٣ - "اللهم صل على محمدٍ النبي وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته، وأهل بيته، كما صليت على آل (^٥) إبراهيم"، فجمع بين الأزواج والذرية والأهل، وإنما نصَّ عليهم بتعيينهم ليُبيِّن أنهم حَقِيْقُون بالدخول في الآل، وأنهم ليسوا بخارجين منه،
_________________
(١) تقدم برقم (٢٣٤).
(٢) تقدم برقم (٢٣٩).
(٣) ليس في (ب) (والذرية).
(٤) برقم (٩٨٢)، وهو حديث معلول تقدم برقم (١٥) وانظر رقم (١٧) وصوابه رقم (١) بغير هذا اللفظ.
(٥) إضافة من (ت، ج)، وسنن أبي داوود، وفي آخره عند أبي داوود (إنك حميد مجيد).
[ ٢٥١ ]
بل هم أحق من دخل فيه، وهذا كنظائره من عطف الخاصِّ على العامّ، وعكسه، تنبيهًا على شرفه، وتخصيصًا له بالذِّكْر من بَيْن النّوع، لأنه من أحق أفراد النوع بالدخول فيه.
وهُنَا للناس طريقان:
أحدهما: أنَّ ذكر الخاص قبل العام، أو بعده قرينة تدلُّ على أنَّ المراد بالعام ما عداه.
والطريق الثاني: أن الخاص ذكر مرتين، مرة بخصوصه، ومرة بشمول الاسم العام له، تنبيهًا على مزيد شرفه، وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ [البقرة: ٩٨].
وأيضًا فإن الصّلاةَ على النبي ﷺ حقٌ له ولآله دون سائر الأُمَّة، ولهذا تَجِبُ عليه وعلى آله عند الشافعي ﵀ وغيره كما سيأتي، وإن كان عندهم في الآل اختلاف. ومَنْ لم يُوجبْها فلا رَيْبَ أنه يستحبُّها عليه وعلى آله، ويكرهها أو لا يستحبها لسائر المؤمنين، أو لا يجوزها على غير النبي ﷺ وآله. فمن قال: إن آله في الصَّلاة هم كلُّ الأُمَّة، فقد أبْعَد غايةَ الإِبْعاد.
وأيضًا فإن النبي ﷺ شَرَعَ في التَّشَهُّد السَّلام والصَّلاة، فشرع
[ ٢٥٢ ]
في (^١) السَّلام تَسْليم المصلِّي على الرسول ﷺ أوَّلًا، وعلى نفسه ثانيًا، وعلى سائر عباد الله الصالحين ثلاثًا، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال:
٢٥٤ - "فإذا قلتم ذلك فقد سَلَّمْتُم علَى كُلِّ عَبْدٍ للهِ صَالِح في السَّماءِ والأرْض" (^٢).
وأما الصلاة فلم يشرعها إلا عليه، وعلى آله فقط، فدل على أن آله هم أهله وأقاربه.
وأيضًا فإن الله سبحانه أمرنا (^٣) بالصلاة عليه بعد ذكر حقوقه وما خَصَّه به دون أُمَّته مِن حلِّ نكاحه لمن تَهبُ نفسها له، ومن تحريم نكاح أزواجه على الأَمة بَعْده، ومن سائر ما ذكر مع ذلك من حقوقه وتَعْظيمه وتَوْقيره وتبْجيله.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ [الأحزاب: ٥٣]، ثم ذكر رفع الجُنَاح عن أزواجه في تَكْلِيمهِنَّ (^٤) آباءهنَّ وأبناءهنَّ ودخولهم عليهنَّ، وخلوتهم بِهِنَّ، ثم عَقَّبَ ذلك
_________________
(١) سقط من (ش).
(٢) أخرجه البخاري في (٢٧) العمل في الصلاة (١١٤٤)، ومسلم في (٤) الصلاة (٤٠٢) من حديث ابن مسعود ﵁.
(٣) في (ظ، ت، ب) (أمر).
(٤) وقع في (ب، ش) (تكليهم).
[ ٢٥٣ ]
بما هو (^١) حق من حقوقه الأكيدة (^٢) على أمته، وهو أمرهم بصلاتهم عليه وسلامهم (^٣) مُسْتَفْتِحًا (^٤) ذلك الأمر بإخباره بأنه سبحانه هو وملائكته يُصَلُّون عليه، فسأل الصحابة رسول الله ﷺ: على أي صفة يؤدون هذا الحق؟ فقال (^٥):
٢٥٥ - "قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد"، فالصلاة على آله هي من تمام الصلاة عليه وتوابعها، لأن ذلك مما تقرُّ به عَيْنُه، ويزيده الله له شرفًا وعُلوًّا. صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا.
وأما من قال: إنهم الأتقياء من أمته، فهؤلاء هم أولياؤه، فمن كان منهم من أقربائه (^٦) فهو من أوليائه وآله (^٧)، ومن لم يكن منهم من أقربائه (^٨)، فهم من أوليائه، لا من آله. فقد يكون الرجل من آله وأوليائه، كأهل بيته والمؤمنين به من أقاربه، وقد (^٩) لا يكون من آله ولا من أوليائه، وقد يكون من أوليائه (وإن لم يكن
_________________
(١) من ح).
(٢) وقع في (ب) (والأكيدة).
(٣) في (ح) (وسلامه).
(٤) وقع في (ب) (مستحقا).
(٥) تقدم برقم (١).
(٦) وقع في (ب، ش) (من أقاربه).
(٧) إضافة من (ب، ش) وسقط من (ظ، ت، ح).
(٨) وقع في (ب، ت، ش) (أقاربه).
(٩) من (ب).
[ ٢٥٤ ]
من آله) (^١) كخلفائه في أُمَّته الدَّاعين إلى سُنَّته، الذَّابين عنه، الناصرين لدينه، وإن لم يكن من أقاربه.
٢٥٦ - وثبت في الصحيح (^٢) عن النبي ﷺ أنه قال: "ألا إنّ آلَ أبي فلان لَيْسُوا لِيْ بأوْلياء، إنَّ أوْليائي المُتَّقُون أيْنَ كانوا، ومَنْ كانوا"، وغلط بعض الرواة في هذا الحديث وقال: "إن آل بني (^٣) … بياض".
والذي غَرَّ هذا أن في الصحيح: "إن آل بني … ليسوا لي بأولياء"، وأخلى بياضًا بين "بني" وبين "ليسوا" فجاء بعض النساخ فكتب على ذلك الموضع "بياض" يعني أنه كذا وقع، فجاء آخر فَظَنَّ (^٤) أن "بياض" هو المضاف إليه، فقال: بني (^٥) بياض، (ولا يعرف في العرب بنو بياض، والنبي ﷺ لم يذكر ذلك، وإنَّما سَمّى قبيلة كبيرة من قبائل قريش، والصواب لمن قرأها في تلك النسخ أن يقرأها إن آل بني "بياضٌ") (^٦) بضَمِّ الضَّاد من بَيَاض لا بِجَرِّها. والمعنى: وثَمَّ بياضٌ، أو هُنَا بَيَاضٌ.
_________________
(١) وقع في (ب) (ولا من آله) بدلًا مما بين القوسين.
(٢) أخرجه البخاري في (٨١) الأدب (٥٦٤٤)، ومسلم في (١) الإيمان رقم (٢١٥) من حديث عمرو بن العاص ﵁.
(٣) في (ح) (أبي).
(٤) سقط من (ب).
(٥) في (ح) (أبي).
(٦) سقط من (ب) ما بين القوسين.
[ ٢٥٥ ]
٢٥٧ - ونظير هذا ما وقع في كتاب مسلم (^١) في حديث البجلي (^٢) الطويل: "ونحن يوم القيامة -أي: فوق كذا انظر -"، وهذه الألفاظ لا معنى لها هنا أصْلًا، وإنَّما هي من تَخْبيط النُّسَّاخ، والحديث بهذا السند والسياق في "مسند الإمام أحمد" (^٣): "ونحن يوم القيامة على كَوْم، أو (^٤) تَلٍّ فوق الناس"، فاشتبه على الناسخ التل، أو الكوم، ولم يفهم ما المراد فكتب في أول (^٥) الهامش "انظر"، وكتب هو أو غيره "كذا"، فجاء آخر فجمع بين ذلك كله وأدخله في متن الحديث.، سمعته من شيخنا أبي العباس أحمد (^٦) بن تيمية رحمه (^٧) الله (^٨).
والمقصود أن المتقين (^٩) هم أولياء رسول الله ﷺ، وأولياؤه هم أحب إليه من آله. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤)﴾
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه في (١) الإيمان (١٩١).
(٢) كذا في جميع النسخ، والصواب (جابر وهو ابن عبد الله الأنصاري).
(٣) (٣/ ٣٤٥).
(٤) سقط من المسند (ط) المكتب الإسلامي.
(٥) إضافة من (ظ).
(٦) سقط من (ش، ظ) (أحمد).
(٧) سقط من (ب) ووقع في (ش، ظ) ﵁.
(٨) وقع في (ش، ب) (المتقون) وهو خطأ.
(٩) أخرجه البخاري في (٦٦) فضائل الصحابة (٣٤٦٢)، ومسلم في (٤٤) فضائل الصحابة (٢٣٨٤) من حديث عمرو بن العاص ﵁.
[ ٢٥٦ ]
[التحريم: ٤].
٢٥٨ - وسئل النبي ﷺ: "أَيُّ النَّاسِ أحبُّ إلَيْك؟ قال: "عَائِشَة" ﵂، قيل: مِن الرِّجال؟ قال: "أبُوْهَا". متفق عليه".
وذلك أن المتقين هم أولياء الله، كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣]، وأولياء الله ﷾ أولياء لرسوله ﷺ.
وأما من زعم أن الآل هم الأتباع، فيقال: لا ريب أن الأتباع يطلق عليهم لفظ "الآل" في بعض المواضع بقرينة، ولا يلزم من ذلك أنه حيث وقع لفظ "الآل" يُراد به الأتباع، لما ذكرنا من (^١) النُّصُوص. والله أعلم.
فصل
وأما الأزواج فَجَمْعُ زَوْج، وقد يُقال: زوجة، والأول أفْصَحُ، وبها جاء القرآن، قال تعالى لآدم: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ١٩]، وقال تعالى في حق زكريا: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠] ومن الثاني: قول ابن عباس (^٢) ﵁ في عائشة ﵂:
_________________
(١) من (ظ، ت، ب) ووقع في (ش) (في).
(٢) كذا في جميع النسخ (ابن عباس) والصواب (عمار بن ياسر).
[ ٢٥٧ ]
٢٥٩ - "إنَّها زَوْجَةُ نَبيِّكم في الدُّنْيا والآخرة" (^١).
وقال الفرزدق: (^٢)
وإنَّ الَّذي يَسْعَى لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي … كَسَاع إلى أُسْدِ الشَّرَى يَسْتَبِيْلُهَا (^٣)
وقد يُجْمع على "زوجات"، وهذا إنما هو جمع زوجة، وإلا فجمع زوج "أزواج" قال تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦)﴾ [يس: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠)﴾ [الزخرف: ٧٠]، وقد وقع في القرآن الإخبار عن أهل الإيمان بلفظ الزوج مفردًا وجمعًا كما تقدم.
وقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب: ٢٨]، والإخبار عن أهل الشرك بلفظ "المرأة" قال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤)﴾ [المسد: ١ - ٤]، وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ [التحريم: ١٠]، فلمَّا كانتا مشركتين أوقع عليهما اسم "المرأة" وقال في فرعون: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١]، لما كان هو المشرك وهي المؤمنة (^٤) لم يسمها زوجًا
_________________
(١) أخرجه البخاري في (٦٦) فضائل الصحابة رقم (٣٥٦١).
(٢) لم أجده في ديوانه، وانظره في الصِّحاح (١/ ٢٩٥)، واللسان (٢/ ٢٩٢).
(٣) من (ت) والصحاح واللسان، ووقع في باقي النسخ (يستبينها) وهو خطأ، وقد تحرّف هذا البيت في (ح).
(٤) في (ظ)، وفي باقي النسخ (مؤمنة).
[ ٢٥٨ ]
له، وقال في حق آدم: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، وقال للنَّبيِّ ﷺ: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، وقال في حق المؤمنين: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥].
فقالت طائفة -منهم السهيلي وغيره-: إنما لم يقل في حق هؤلاء الأزواج؛ لأنهن لسْنَ بأزواج لرجالهم في الآخرة، ولأن التزويج حِلْية (^١) شَرْعيِّة، وهو من أمر الدِّيْن، فَجَرَّد الكافرة منه كما جَرَّد منها امرأة نوح وامرأة لوط.
ثم أورد السهيلي على نفسه قول زكريا: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ [مريم: ٥]، وقوله تعالى عن إبراهيم: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩].
وأجاب بأن ذكر المرأة أليق في هذه المواضع، لأنه في سياق ذكر الحمل والولادة، فذكر المرأة أولى به؛ لأن الصّفة التي هي الأنُوثة هي المقْتَضِية للحَمْل والوَضْع، لا من حيث كانت زوجًا.
قلت: ولو قيل: إن السِّرَّ في ذكر المؤمنين ونسائهم بلفظ الأزواج أنَّ هذا اللفظ مُشْعِرٌ بالمُشَاكلة والمجانسة والاقتران، كما هو المفهوم من لفظه، فإن الزوجين هما الشيئان المتشابهان (^٢) المتشاكلان أو المتساويان، ومنه قوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢].
_________________
(١) سقط من (ب).
(٢) سقط من (ب) من قوله (المجانسة) إلى (المتشابهان).
[ ٢٥٩ ]
قال عمر بن الخطاب ﵁ (^١):
٢٦٠ - "أزواجهم: أشْباهُهُم ونُظَراؤُهُم". وقاله الإمام أحمد أيضًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ [التكوير: ٧].
أي: قُرِن بَيْن كُلِّ شَكْلٍ وشَكْلِه في النَّعيم والعذاب.
٢٦١ - قال عمر بن الخطاب ﵁ في هذه الآية: "الصَّالح مع الصَّالح في الجَنَّة، والفاجر مع الفاجر في النَّار" (^٢). وقاله الحسن (^٣)، وقتادة (^٤)، والأكثرون.
وقيل: زُوِّجتْ أنفس المؤمنين بالحُوْر العِيْن، وأنفس الكافرين بالشَّياطين، وهو راجع إلى القول الأول.
وقال تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، ثم فسرها: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣، ١٤٤]، فجعلَ الزَّوْجَين هما الفَرْدان من نوعٍ واحدٍ، ومنه قولهم: "زوجا خُفٍّ (^٥)، وزوجا
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (٢٣/ ٤٦) وغيره. وسنده صحيح. انظر: الدر المنثور (٥/ ٥١٣).
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٣٠/ ٦٩) وغيره. وسنده صحيح. انظر: الدر (٦/ ٥٢٧).
(٣) أخرجه الطبري (٢٣/ ٤٧) و(٣٠/ ٧٠)، وسنده صحيح عنه.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ١٢٠) رقم (٢٥١٢)، والطبري (٣٠/ ٧٠)، وسنده صحيح.
(٥) سقط من (ظ).
[ ٢٦٠ ]
حمام" ونحوه.
ولا ريب أن الله ﷾ قطع المشابهة والمشاكلة بين الكافر والمؤمن، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠]، وقال تعالى في حق مؤمني (^١) أهل الكتاب وكافرهم: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ١١٣] الآية. وقطع المقارنة (^٢) سبحانه بينهما في أحكام الدنيا، فلا يتوارثان، ولا يتناكحان، ولا يتولّى أحدهما صاحبه. فكما انقطعت الوصْلَة بينهما في المعنى انقطعت في الاسم، فأضاف فيها "المرأة" بلفظ الأنوثة المجرد، دون لفظ المشاكلة والمشابهة.
فتأمَّل (^٣) هذا المعنى تجِدْه أشَدَّ مطابقة لألفاظ القرآن ومعانيه، ولهذا وقع على المسلمة امرأَةِ الكافر، وعلى الكافرة امرأةِ المؤمن = لفظُ "المرأة" دون "الزوجة"، تحقيقًا لهذا المعنى. والله أعلم.
وهذا أولى من قول من قال: إنما سَمَّى صاحبة أبي لهب "امرأته"، ولم يقل لها: زوجته، لأن أنكحة الكفار لا يثبت لها حكم الصحة، بخلاف أنكحة أهل الإسلام، فإن هذا باطل، بإطلاقه اسم "المرأة" على امرأة نوح وامرأة لوط، مع صحة ذلك النكاح.
وتأمل هذا (^٤) المعنى في آية المواريث، وتعليقه سبحانه
_________________
(١) من (ظ)، وفي باقي النسخ (مؤمن).
(٢) وقع في (ب) المقاربة.
(٣) في (ظ) (وتأمل).
(٤) في (ح) (وتأمل في هذا ..).
[ ٢٦١ ]
التوارث فيها (^١) بلفظ الزَّوجة دون المرأة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢]، إيذانًا بأن هذا التوارث إنما وقع بالزوجية المقتضية للتَّشاكل والتَّناسب؛ والمؤمن والكافر لا تشاكل بينهما ولا تناسب (^٢)، فلا يقع بينهما التوارث.
وأسرار مفردات القرآن ومركباته فوق عقول العالمين.
فصل
وهذا أليق المواضع بذكر أزواجه ﷺ.
* وأولهن خديجة بنت خويلد (^٣): بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب. وتزوجها ﷺ بمكة، وهو ابن خمس وعشرين سنة، وبقيت معه إلى أن أكرمه الله تعالى برسالته، فآمنت به ونصرته، فكانت (^٤) له وزير صدق، وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين في الأصح، وقيل: بأربع، وقيل: بخمس، ولها خصائص ﵂.
منها: أنه لم يتزوج عليها غيرها.
ومنها: أن أولاده كلهم منها إلا إبراهيم ﵁، فإنه
_________________
(١) وقع في (ش، ب) (فيهما)، وقد سقط (فيها) من (ظ، ت).
(٢) سقط من (ب) (بينهما ولا تناسب).
(٣) انظر الطبقات الكبير لابن سعد (١٠/ ١٥ - ١٩) والإصابة لابن حجر (٨/ ٦٠ - ٦٢) وسير أعلام النبلاء للذهبي (٢/ ١٠٩ - ١١٧).
(٤) وقع في (ب، ت، ظ) (وكانت).
[ ٢٦٢ ]
من سُرِّيَّتِه مارية ﵂.
ومنها: أنها خير نساء الأمة.
واختلف في تفضيلها على عائشة ﵂ على ثلاثة أقوال، ثالثها الوقف. وسألت شيخنا ابن تيمية ﵀ فقال: اخْتَصَّ كل واحدة منهما بخاصة، فخديجة كان تأثيرها في أوَّل الإسلام، وكانت تُسَلِّي رسول الله ﷺ وتثبته وتسكنه، وتبذل دونه مالها، فأدركت غُرَّة الإسلام، واحْتمَلَت الأذى في الله، وفي رسوله ﷺ، وكانت نصرتها للرسول ﷺ في أعظم أوقات الحاجَّة، فلها من النُّصرة والبَذْل ما ليس لغيرها. وعائشة ﵂ تأثيرها في آخر الإسلام، فلها من التَّفقُّه في الدين، وتبليغه إلى الأُمَّة، وانتفاع بنيها (^١) بما أدت إليهم من العلم ما ليس لغيرها. هذا معنى كلامه ﵁.
قلت: ومن خصائصها أيضًا أن الله سبحانه بعث إليها السلام مع جبريل فبلغها النبي ﷺ ذلك.
٢٦٢ - قال البخاري في "صحيحه" (^٢): حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا محمد بن فضيل، عن عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة ﵁، قال: أتى جبريلُ النبيَّ ﷺ فقال: "يا رسولَ الله،
_________________
(١) من (ظ، ش)، ووقع في (ب) غير منقوطة.
(٢) أخرجه البخاري فى (٦٦) فضائل الصحابة (٣٦٠٩)، ومسلم في (٤٤) فضائل الصحابة (٢٤٣٢).
[ ٢٦٣ ]
هذه خديجةُ قد أتتْ معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها¬ السلام من ربِّها ومنِّي، وَبشِّرْها بِبَيْتٍ في الجَنَّة مِن قَصَبٍ لا صَخَب فيه ولا نَصَب".
وهذه لعَمْر الله خاصَّة لم تكن لسواها.
وأما عائشة ﵂، فإن جبرائيل سلم عليها على لسان النبي ﷺ.
٢٦٣ - قال البخاري (^١): حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، قال أبو سلمة: إن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ يومًا: "يا عائشُ (^٢) هَذا جِبْرائيل يُقْرئُكِ السَّلام"، فقالت: "وعَليْه السَّلامُ ورحمةُ اللهِ وبَرَكاتُه، تَرَى ما لا أرَى". تُريدُ رسولَ الله ﷺ.
ومن خواص خديجة ﵂: أنها لم تسُؤْه قط، ولم تغاضبه، ولم ينلها (^٣) منه إيلاء (^٤) ولا عَتَب قط، ولا هجر (^٥)، وكفى به (^٦) منقبة وفضيلة.
ومن خواصها أنَّها أوَّل امرأة آمنت بالله ورسوله ﷺ من هذه الأُمّة.
_________________
(١) أخرجه البخارى في (٦٦) فضائل الصحابة (٣٥٥٧)، ومسلم في (٤٤) فضائل الصحابة (٢٤٧٧).
(٢) وقع في (ح) (عائشة) والتصويب من البخاري وباقي النسخ.
(٣) وقع في (ب) (تبلها)، وهو خطأ.
(٤) وقع فى (ب) (بلاء)، في (ج) (ايلامًا).
(٥) من (ظ، ت، ج) ووقع في (ب) (هجرة) وفي (ش) (وَلا هَمٍّ).
(٦) وقع في (ب، ش) (بهذه).
[ ٢٦٤ ]
فصل
* فلما توفاها اللهُ تزوج بعدها سَوْدَة بنت زَمْعَة (^١) ﵂، وهي سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبدِ وُدّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤي. وكبرت عنده، وأراد طلاقها، فوهبت يومها لعائشة ﵂، فأمسكها. وهذا من خواصها: أنها آثرت بيومها (^٢) حِبّ النبي ﷺ، تقربًا إلى رسول الله ﷺ وحُبًّا له، وإيثارًا لمقامها معه، فكان يَقْسِم لنسائه، ولا يَقْسِم لها، وهي راضية بذلك مؤثرة لرضى رسول الله ﷺ، ﵂.
* وتزوج الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر (^٣)، ﵂، وعن أبيها، وهي بنت ست سنين قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث، وبنى بها بالمدينة أول مقدمه في السنة الأولى، وهي بنت تسع سنين، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة، وتوفيت بالمدينة، ودفنت بالبقيع، وأوصت أن يصلي عليها أبو هريرة ﵁ سنة ثمان وخمسين.
٢٦٤ - ومن خصائصها: أنها كانت أحب أزواج رسول الله
_________________
(١) انظر الطبقات لابن سعد (١٠/ ٥٢ - ٥٧) والاستيعاب لابن عبد البر (٤/ ٤٢١ - ٤٢٢) والسير للذهبي (٢/ ٢٦٥ - ٢٦٩).
(٢) أخرجه مسلم في (١٧) الرضاع (١٤٦٣) وغيره من حديث عائشة.
(٣) انظر الطبقات لابن سعد (١٠/ ٥٧ - ٧٩) والإصابة (٨/ ١٣٩ - ١٤١) والسير للذهبي (٢/ ١٣٥ - ٢٠١).
[ ٢٦٥ ]
ﷺ إليه، كما ثبت عنه ذلك في البخاري (^١) وغيره، وقد سئل: "أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة". قيل: فمن الرجال؟ قال: "أبوها".
ومن خصائصها أيضًا: أنه لم يتزوج امرأة بكرًا غيرها.
ومن خصائصها: أنه كان ينزل عليه الوحي وهو في لِحَافِها (^٢) دون غيرها.
ومن خصائصها: أن الله ﷿ لما أنزل عليه آية التخيير بدأ بها فخيرها فقال:
٢٦٥ - "ولا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك"، فقالت: أفي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة" (^٣). فاسْتنَّ بها بقيةُ أزواجِه ﷺ، وقُلْنَ كما قالت.
ومن خصائصها: أن الله ﷾ بَرَّأَها مِمَّا رَمَاهَا به أهْلُ الإفْك، وأنزل في عُذْرِها وبراءتها وحْيًا يُتْلى (^٤) في محاريب المسلمين وصلواتهم إلى يوم القيامة، وشهد لها بأنها من الطيبات،
_________________
(١) أخرجه البخاري في (٦٦) فضائل الصحابة (٣٤٦٢)، ومسلم في (٤٤) فضائل الصحابة (٢٣٨٤)، من حديث عمرو بن العاص ﵁.
(٢) أخرجه البخاري في (٦٦) فضائل الصحابة (٣٥٦٤) واللفظ له، ومسلم في (٤٤) فضائل الصحابة (٢٤٤٢) من حديث عائشة ﵂.
(٣) أخرجه البخاري في (٦٨) التفسير/ الأحزاب (٤٥٠٧)، ومسلم في (١٨) الطلاق (١٤٧٥) من حديث عائشة ﵂.
(٤) هي آيات سورة النور من آية (١٠) فما بعدها.
[ ٢٦٦ ]
ووعدها المغفرة والرزق الكريم، وأخبر سبحانه أن ما قيل فيها من الإفك كان خيرًا لها، ولم يكن ذلك الذي قيل فيها شرًّا لها، ولا عائبًا لها (^١)، ولا خافضًا من شأنها، بل رفعها الله تعالى بذلك، وأعْلى قَدْرها، وعظَّم (^٢) شأنها، وصار (^٣) لها ذكرًا بالطيب والبراءة بين أهل الأرض والسماء، فيا لها من منقبة ما أجلها.
وتأمل هذا التَّشْريف والإكرام النَّاشئ عن فَرْط تواضعها واستصغارها لنفسها حيث قالت (^٤):
٢٦٦ - "ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم اللهُ فيَّ بوحْي يُتْلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ رؤيا يُبرِّئني الله بها". فهذه صِدِّيقة الأُمّة، وأم المؤمنين، وحبُّ رسول الله ﷺ (^٥)، تعلم أنها بريئة مظلومة، وأن قاذفيها (^٦) ظالمون لها، مفترون عليها، قد بلغ أذاهم بها إلى أبويها، وإلى رسول الله ﷺ، وهذا كان احتقارها لنفسها وتصغيرها لشأنها. فما ظنك بمن قد (^٧)
_________________
(١) سقط من (ح).
(٢) في (ح) (وأعظم).
(٣) وقع في (ب) (واختار) وفي (ظ، ت، ش) (وأصار)، وسقط من (ج) (لها).
(٤) هو جزء من حديث الإفك الطويل أخرجه البخاري في (٦٨) التفسير/ النور (٤٤٧٣)، ومسلم في (٤٩) التوبة (٢٧٧٠) من حديث عائشة ﵂.
(٥) وقع في (ب) هنا إضافة (وهي بصون الله عليها).
(٦) وقع في (ظ، ت، ب) (قاذفها) وهو خطأ.
(٧) ليس في (ح) (قد).
[ ٢٦٧ ]
صام يومًا أو يومين أو شهرًا وشهرين، وقام ليلة أو ليلتين، وظهر عليه شيء من الأحوال، فلاحظوا (^١) أنفسهم بعَيْن استحقاق الكرامات والمكاشفات والمخاطبات والمنازلات وإجَابة الدعوات، وأنهم ممن يُتَبرَّكُ بلقائهم، ويُغتَنم صالح دعائهم، وأنهم يَحبُ على الناس احترامهم، وتعظيمهم، وتعزيرهم، وتوقيرهم؛ فيتمسح بأثوابهم، ويقبل ثرى أعتابهم، وأنهم من الله ﷿ بالمكانة التي ينتقم لهم لأجلها ممن تنقَّصهم في الحال، وأن يؤخذ مِمَّن (^٢) أساء الأدب عليهم من غير إمهال، وأن إساءة (^٣) الأدب عليهم ذَنْب لا يكفِّره شيء إلَّا رضاهم (^٤)!، ولو كان هذا من وراء كفاية (^٥) لهان، ولكن من وراء تخلُّف (^٦)؛ وهذه الحَمَاقات والرُّعونات نتائج الجهل الصميم، والعقل غير المستقيم، فإن ذلك إنما يصْدرُ من جاهل مُعْجَبٍ بنفسه، غافلٍ عن جُرْمه وذنوبه، مُغْترٍّ بإمهال الله تعالى له عن أخذه بما هو فيه من الكِبْر والإزْرَاء على مَنْ لَعَلَّه عند الله تعالى خيرٌ منه.
نسأل الله تعالى العافية في الدنيا والآخرة.
وينبغي للعبد أن يستعيذ بالله أن يكون عند نفسه عظيمًا، وهو عند الله حقيرًا.
_________________
(١) في (ح) (ولاحظوا).
(٢) في (ب، ش) (مَنْ).
(٣) في (ح) (وأن الإساءه عليهم ذنب).
(٤) بياض في (ب، ش).
(٥) في (ب) (بكفاية لها).
(٦) في (ش) (تكلّف).
[ ٢٦٨ ]
ومن خصائصها ﵂: أن الأكابر من الصحابة ﵃ كان إذا أشْكَل عليهم الأمر من الدِّيْن اسْتفْتوها، فيجدون علمه عندها (^١).
ومن خصائصها ﵂: أن رسول الله ﷺ توفي في بيتها، وفي يومِها، وبين سَحْرِها ونَحْرِها، ودفن في بيتها (^٢).
٢٦٧ - ومن خصائصها ﵂: أن الملَك أرَى صورتها للنبي ﷺ قبل أن يتزوجها في سَرقةِ حَريْر، فقال: "إنْ يكن هذا مِن عند الله يُمْضِه" (^٣).
ومن خصائصها ﵂: أن الناس كانوا يتحرون (^٤) بهداياهم يومها من رسول الله ﷺ، تقربًا إلى الرسول ﷺ، فيُتْحِفونه بما يحب في منزل أحب نسائه إليه ﵃ أجمعين، وتكنى أم عبد الله، وروي أنها أسقطت من النبي ﷺ سقطًا، ولا يثبت ذلك.
* وتزوج رسول الله ﷺ حفصة بنت عمر بن الخطاب (^٥)
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٨٨٣) وقال: "حسن صحيح غريب".
(٢) أخرجه البخاري (٢٩) الجنائز (١٣٢٣)، ومسلم في (٤٤) فضائل الصحابة (٢٤٤٣) من حديث عائشة ﵂.
(٣) أخرجه البخاري في (٦٦) فضائل الصحابة (٣٦٨٢)، ومسلم في (٤٤) فضائل الصحابة (٢٤٣٨) من حديث عائشة ﵂.
(٤) أخرجه البخاري في (٦٦) فضائل الصحابة (٣٥٦٤)، ومسلم في (٤٤) فضائل الصحابة (٢٤٤١) من حديث عائشة ﵂.
(٥) انظر الطبقات لابن سعد (١٠/ ٨٠ - ٨٥) وأسد الغابة (٧/ ٦٥ - ٦٧) والسير =
[ ٢٦٩ ]
﵂ وعن أبيها، وكانت قبله عند خنيس بن حذافة ﵁، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ وممن شهد بدرًا، توفيت سنة سبع، وقيل: ثمان وعشرين.
٢٦٨ - ومن خواصها: ما ذكره الحافظ أبو محمد المقدسي في مختصره في السيرة: أن النبي ﷺ طلقها، فأتاه جبريل فقال: "إن الله يأمرك أن تراجع حفصة، فإنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة" (^١).
_________________
(١) = للذهبي (٢/ ٢٢٧).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ٥٧)، * والضياء فى المختارة (٧/ ٢٥٠٧) *. من طريق أحمد بن يحيى بن خالد عن موسى بن أبي سهل عن يحيى بن أبي بكير عن شعبة عن قتادة عن أنس فذكره. قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن شعبة إلا يحيى بن أبى بكير، تفرد به موسى بن أبي سهل". قلت: وموسى هذا فيه جهالة. انظر: * تاريخ دمشق (٦٠/ ٤١٥) *، قال الهيثمي (فيه جماعة لم أعرفهم). والحديث منكر بهذا الاسناد، والصواب أنه مرسل * كما رجحه الدارقطني في علله (٤/ ٣١ / أ) *. هكذا رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلًا. أخرجه ابن سعد (٨/ ٨٤) وغيره. وجاء هذا المتن أيضًا من حديث قيس بن زيد لكنه مرسل. أخرجه ابن سعد (٨/ ٨٤) وغيره. قال أبو حاتم: "قيس بن زيد روى عن النبي ﷺ مرسلًا، لا أعلم له صحبة". انظر: الجرح والتعديل (٧/ ٩٨) رقم (٥٥٤). وجاء عن عمار لكنه منكر، تفرد به الحسن بن أبى جعفر وهو ضعيف.=
[ ٢٧٠ ]
٢٦٩ - وقال الطبراني في "المعجم الكبير" (^١): حدثنا أحمد بن طاهر بن حرملة بن يحيى، حدثنا جَدِّي حرملة، حدثنا ابن وهب، حدثني عمرو بن صالح الحضرمي، عن موسى بن عُلَي بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر؛ أن النبي ﷺ طلق حفصة، مبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فوضع التراب على رأسه، وقال: ما يعبأ الله بابن الخطاب بعد هذا، فنزل جبرائيل على النبي ﷺ فقال: "إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمةً لعمر رضي الله تعالى عنه".
* وتزوج رسول الله ﷺ أم حَبِيْبة بنت أبي سفيان (^٢)، واسمها رَمْلَة بنت صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى أرض الحبشة، فتنصَّر
_________________
(١) = انظر الكامل لابن عدي (٢/ ٣٠٧) وغيره.
(٢) * (١٧/ ٢٩١ - ٢٩٢) و(٢٣/ ١٨٨) *. قال الهيثمي في المجمع: "فيه عمرو بن صالح الحضرمي، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات" (٤/ ٣٣٤). قلت: والحديث منكر بهذا اللفظ، وأصل حديث طلاقها ثم مراجعتها ثابت مشهور. فقد جاء من حديث عمر (أن رسول الله ﷺ طلق حفصة ثم راجعها). أخرجه أبو داوود (٢٢٨٣)، والنسائي (٣٥٦٠)، وابن ماجه (٢٠١٦) وغيرهم. قال ابن كثير: "وهذا إسناد جيد قوي ثابت". مسند الفاروق ١/ ٤٢١، وورد من حديث ابن عمر، وصحح إسناده ابن كثير أيضًا ١/ ٤٢١.
(٣) انظر الطبقات (١٠/ ٩٤ - ٩٨) والاستيعاب (٤/ ٤٠١ - ٤٠٣) والسير (٢/ ٢١٨).
[ ٢٧١ ]
بالحبشة (^١)، وأتَمَّ اللهُ لها الإسلام، وتزوجها رسول الله ﷺ وهي بأرض الحَبَشة، وأصْدقها عنه النَّجَاشِي أربعمائة دينار، وبعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضَّمْري فيها إلى أرض الحبشة، وَوَلِيَ نكاحها عثمان بن عفان، وقيل: خالد بن سعيد بن العاص.
٢٧٠ - وقد روى مسلم في "صحيحه" (^٢) من حديث عكرمة بن عمار، عن أبي زميل، عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه، قال: وكان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبي ﷺ: ثلاث خلال أَعْطِنِيْهنَّ. قال: "نعم". قال: عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها. قال: "نعم"، قال: ومعاوية تجعله كاتبًا بين يديك. قال: "نعم"، قال: وتؤمرني أن أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين. قال: "نعم". قال أبو زميل: "ولولا أنه طلب ذلك من النبي ﷺ ما أعطاه ذلك، لأنه لم يكن يسأل شيئًا إلا قال: نعم".
وقد أشْكل هذا الحديث على الناس (^٣): فإن أم حبيبة تزوجها
_________________
(١) * في ثبوت خبر تنصّره بالحبشة نظر *.
(٢) أخرجه مسلم في (٤٤) فضائل الصحابة (٢٥٠١).
(٣) ذكر هذا الإشكال جماعة: منهم الحميدي نقله عن بعض الحفاظ وقال: وفي هذا نظر. انظر: جامع الأصول لابن الأثير (٩/ ١٠٦) رقم (٦٦٥٥). والنووي في شرح مسلم (١٦/ ٩١ - ٩٢)، وابن كثير والذهبي. انظر السير (٧/ ١٣٧) والبداية والنهاية (٤/ ١٤٦)، والصالحي في سبل الهدى والرشاد (١١/ ١٩٣) وغيرهم.
[ ٢٧٢ ]
رسول الله ﷺ قبل إسلام أبي سفيان كما تقدم، زوجها إياه النجاشي، ثم قدمت على رسول الله ﷺ قبل أن يسلم أبوها، فكيف يقول بعد الفَتْح: أزوِّجك أم حبيبة؟
فقالت طائفة: هذا الحديث كَذب لا أصل له. قال ابن حزم: كَذَبَه عكرمة بن عمار، وحمل عليه (^١).
واستعظم ذلك آخرون (^٢)، وقالوا: أنَّى يكون في صحيح مسلم حديث موضوع، وإنما وجه الحديث أنه طلب من النبي ﷺ أن يُجدِّد له العقد على ابنته ليبقى له بذلك (^٣) وَجْهٌ بين المسلمين. وهذا ضعيف، فإن في الحديث أن النبي ﷺ وعَدَه، وهو الصادق الوعد ﷺ، ولم ينقل أحد قط أنه جَدَّد العقد على أم حبيبة، ومثل هذا لو كان لنقل، ولو نَقْلُ واحدٍ عن واحدٍ، فحيث لم ينقله أحد قطّ عُلِمَ أنه لم يقع. ولم يزد القاضي عياض على استشكاله، فقال: "والذي وقع في "مسلم" من هذا غريب جدًا عند أهل الخَبَر، وخَبرُها مع أبي سفيان عند ورُودِه المدينة بسبب تَجْدِيد الصلح ودخوله عليها مشهور" (^٤).
وقالت طائفة (^٥): ليس الحديث بباطل، وإنما سأل أبو سفيان
_________________
(١) انظر: نوادر ابن حزم ص ٧.
(٢) منهم ابن الصلاح، نقله عنه النووي في شرح مسلم (١٦/ ٩٢).
(٣) من (ب، ش) فقط (بذلك).
(٤) انظر إكمال المعلم للأبي (٦/ ٣٤١).
(٥) منهم ابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ١٤٧).
[ ٢٧٣ ]
النبي ﷺ أن يزوجه ابنته الأخرى عَزَّة أخت أم حبيبة. قالوا: ولا يبعد (^١) أن يخفى هذا على أبي سفيان لحداثة عهده بالإسلام، وقد خفي هذا على ابنته أم حبيبة، حتى سألت رسول الله ﷺ أن يتزوجها، فقال: "إنها لا تَحِلُّ لي" (^٢)، فأراد أن يتزوج النبي ﷺ ابنته الأخرى، فاشتبه على الراوي، وذهب وهْمُه إلى أنها أم حبيبة، وهذه التَّسْمِية من غَلَط بعض الرُّواة، لا من قول أبي سفيان. لكن يَرُدُّ هذا أن النبي ﷺ قال: "نعم"، وأجابه إلى ما سأل، فلو كان المسؤول أن يزوجه أختها لقال: إنها لا تحل لي، كما قال ذلك لأمِّ حبيبة، ولولا هذا لكان التأويل في الحديث من أحسن التأويلات.
وقالت طائفة: لم يتفق أهل النقل على أن النبي ﷺ تزوج أم حبيبة رضي الله تعالى عنها، وهي بأرض الحبشة، بل قد ذكر بعضهم أن النبي ﷺ تزوجها بالمدينة بعد قدومها من الحبشة، حكاه أبو محمد المنذري (^٣)، وهذا من أضعف الأجوبة؛ لوجوه:
أحدها: أن هذا القول لا يعرف به أثر صحيح ولا حسن، ولا
_________________
(١) سقط من (ش).
(٢) أخرجه البخاري في (٧٠) النكاح (٤٨١٣)، ومسلم في (١٧) الرضاع (١٤٤٩) من حديث أم حبيبة ﵂.
(٣) هو عبد العظيم بن عبد القوي المنذري ولد سنة ٥٨١ هـ، صاحب الترغيب والترهيب، والتكملة وغيرها، توفى سنة ٦٥٦ هـ. انظر: شذرات الذهب (٥/ ٢٧٧).
[ ٢٧٤ ]
حكاه أحد ممن يعتمد على نقله.
الثاني: أن قصة تزوج (^١) أم حبيبة وهي بأرض الحبشة قد جَرَت مَجْرى التَّواتر، كتزويجه ﷺ خديجة بمكة، وعائشة بمكة، وبنائه بعائشة ﵂ بالمدينة، وتزويجه حفصة ﵂ بالمدينة، وصَفِيَّة ﵂ عام خيبر، وميمونة ﵂ في عمرة القضية، ومثل هذه (^٢) الوقائع شهرتها عند أهل العلم مُوْجبة لقطْعِهم بها، فلو جاء سند ظاهرُ الصِّحَّة يخالفها عَدُّوه غَلَطًا، ولم يَلْتفِتُوا إليه، ولا يمكنهم مُكابرة نُفُوسِهم في ذلك.
الثالث: أنه من المعلوم عند أهل العلم بسيرة النبي ﷺ وأحواله أنه لم يتأخر نكاح أم حبيبة إلى بعد فتح مكة، ولا يقع ذلك في وَهْم أحد منهم أصلًا.
الرابع: أن أبا سفيان لما قدم المدينة دخل (^٣) على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه، فقال:
٢٧١ - يا بنية، ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به (^٤) عني؟ قالت: والله (^٥) بل هو فراش رسول الله ﷺ.
_________________
(١) وقع في (ظ) (تزويج)، وسقط من (ح).
(٢) وقع في (ب) (هذا).
(٣) ليس في (ش).
(٤) من (ظ، ت، ش) ووقع في (ب) (بي) وهو خطأ.
(٥) من (ب، ش) وسقط من (ظ، ت، ح) قوله (والله بل).
[ ٢٧٥ ]
قال: والله (^١) لقد أصابك يا بنية بعدي شر (^٢). وهذا مشهور عند أهل المغازي والسِّيَر، وذكره ابن إسحاق (^٣) وغيره في قصة قدوم أبي سفيان المدينة لتجديد الصلح (^٤).
الخامس: أن أم حبيبة ﵂ كانت من مهاجرات الحبشة مع زوجها عبيد الله (^٥) بن جحش، ثم تنَصَّر زوجها، وهلك بأرض الحبشة، ثم قدمت هي على رسول الله ﷺ من الحبشة، وكانت عنده ولم تكن عند أبيها، وهذا مما لا يشك فيه أحد من أهل النقل. ومن المعلوم أن أباها لم يُسْلِم إلَّا عام الفتح، فكيف يقول: عندي أجملُ العرب أزوجك إياها؟ وهل كانت عنده بعد هجرتها وإسلامها قط؟ فإن كان قال له هذا القول قبل إسلامه، فهو مُحَال، فإنها لم تكن عنده، ولم يكن له ولاية (^٦) عليها أصلًا، وإن كان قاله بعد إسلامه فمُحَال
_________________
(١) سقط من (ب).
(٢) انظر: السيرة لابن هشام (٢/ ٣٩٦ - ٣٩٧). وقد ذكر هذه القصة بطولها الواقدي في مغازيه (٢/ ٧٩٢)، وقد روى قصة قدوم أبي سفيان المدينة ليجدد العهد:
(٣) عبد الرزاق في مصنفه (٥/ ٣٧٤) رقم (٩٧٣٩) من طريق مقسم مولى ابن عباس، بطوله، وليس فيه قصة دخول أبي سفيان على أم حبيبة، والحديث مرسل.
(٤) وابن أبي شيبة في مصنفه (٧/ ٤٠١) رقم (٣٦٨٩١) من طريق عكرمة فذكره بطوله، وليس فيه قصة دخول أبي سفيان على أم حبيبة، والحديث مرسل.
(٥) انظر: السيرة لابن هشام (٢/ ٣٩٦).
(٦) سقط من (ظ) من قوله (وذكره) إلى (الصلح).
(٧) وقع في (ب) (عبد الله) وهو خطأ.
(٨) وقع في (ب، ش) (ولم يكن عليها ولاية)، وفي (ت) (ولم يكن له عليها =
[ ٢٧٦ ]
أيضًا، لأن نكاحها لم يتأخَّر إلى بعد الفتح.
فإن قبل: (بل يتعين أن يكون نكاحها بعد الفتح) (^١)، لأن الحديث الذي رواه مسلم صحيح، وإسناده ثقات حفاظ، وحديث نكاحها وهي بأرض الحبشة من رواية محمد بن إسحاق مرسلًا، والناس مختلفون في الاحتجاج بمسانيد ابن إسحاق، فكيف بمراسيله!؟ فكيف بها إذا خالفت المسانيد الثابتة!؟ وهذه طريقة لبعض المتأخرين في تصحيح حديث ابن عباس هذا.
فالجواب من وجوه:
أحدها: أن ما ذكره هذا القائل إنما يمكن عند تساوي النَّقْلَين؛ فيُرجَّح بما ذكره، وأما مع تحقيق بطلان أحد النقلين وتيقّنه فلا يلتفت إليه، فإنه لا يعلم نزاع بين اثنين من أهل العلم بالسِّيَر والمغازي وأحوال رسول الله ﷺ أن نكاح أم حبيبة لم يتأخر إلى بعد الفتح، ولم يقله أحد منهم قط، ولو قاله قائل لعلموا بطلان قوله، ولم يشكُّوا فيه.
الثاني: أن قوله: إن مراسيل ابن إسحاق لا تقاوم الصحيح المسند ولا تعارضه. فجوابه: أن الاعتماد في هذا ليس على رواية ابن إسحاق وحده لا متصلة ولا مرسلة، بل على النقل المتواتر عند أهل المغازي والسِّير (أن أم حبيبة هاجرت مع زوجها، وأنه هلك
_________________
(١) = ولاية).
(٢) من (ظ، ت، ش) ووقع في (ب) (يتعيّن أن يكون نكاحها قبل الفتح).
[ ٢٧٧ ]
نصرانيًّا بأرض الحبشة، وأن النجاشي زوجها النبي ﷺ، وأمهرها من عنده، وقصتها في كتب المغازي والسير) (^١)، وذكرها أئمة (^٢) العلم، واحتجوا بها على جواز الوكالة في النكاح.
قال الشافعي في رواية الربيع (^٣)، في حديت عقبة بن عامر، أن رسول الله ﷺ قال:
٢٧٢ - "إذا أنكح الوليان فالأول أحق" (^٤).
قال: "فيه دلالة على أن الوكالة في النكاح جائزة …،
٢٧٣ - مع توكيل النبي ﷺ عمرو بن أمية الضمري، فزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان" (^٥).
وقال الشافعي في كتابه الكبير أيضًا، رواية الربيع (^٦): "ولا يكون الكافر وليًّا لمُسْلمة وإن كانت ابنته (^٧)، قد زوج ابن سعيد بن
_________________
(١) سقط من (ظ، ت) ما بين القوسين.
(٢) في (ظ) (أهل).
(٣) انظر: الأم (٦/ ٤١ - ٤٢) ط- دار الوفاء.
(٤) وأخرجه أحمد في المسند (٥/ ١١)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ١٣٩) وغيرهما. وقد وقع فيه اختلاف هل هو من مسند عقبة أم من مسند سمرة؟. والصحيح أنه من مسند سمرة كما رجحه أبو حاتم وأبو زرعة والبيهقي فالسند صحيح. انظر: المرسل الخفي (٣/ ١٣١٠ - ١٣١١).
(٥) أخرجه البيهقي في الكبرى (٧/ ١٣٩) وهو مرسل.
(٦) وقع في (ح) (رواه الربيع)، انظر الأم (٦/ ٣٨ - ٣٩).
(٧) في (ش، ت، ظ) (بنته).
[ ٢٧٨ ]
العاص النبي ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان، وأبو سفيان حَيٌّ، لأنها كانت مُسْلمة وابن سَعِيد مُسْلم، ولا أعلم مسلمًا أقرب بها منه، ولم يكن (^١) لأبي سفيان فيها ولاية؛ لأن الله تعالى قطع الولاية بين المسلمين والمشركين، والمواريث والعقل وغير ذلك".
وابن سعيد هذا الذي ذكره الشافعي هو خالد بن سعيد بن العاص. ذكره ابن إسحاق، وغيره. وذكر (^٢) عروة والزهري أن عثمان بن عفان هو الذي ولي نكاحها، وكلاهما ابن عم أبيها؛ لأن عثمان هو ابن عفان بن أبي العاص بن أمية، وخالد هو ابن سعيد بن العاص بن أمية، وأبو سفيان هو ابن حرب بن أمية.
والمقصود أن أئمة الفقه والسير (^٣) ذكروا أن نكاحها كان بأرض الحبشة، وهذا يبطل وهم من توهم أنه تأخر إلى بعد الفتح، اغترارًا منه بحديث عكرمة بن عمار.
الثالث: أن عكرمة بن عمار (^٤) راوي حديث ابن عباس هذا قد ضعفه كثير من أئمة الحديث، منهم: يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: ليست أحاديثه بصحاح (^٥). وقال الإمام أحمد.
_________________
(١) في (ب) (تكن) وفي (ظ، ت) غير منقوطة.
(٢) وقع في (ب، ش) (وذكره) وهو خطأ.
(٣) وقع في (ب) (والتفسير).
(٤) انظر: تهذيب الكمال (٢٠/ ٢٥٦ - ٢٦٤).
(٥) هذا مقيد بروايته عن يحيى بن أبي كثير، راجع تهذيب الكمال.
[ ٢٧٩ ]
أحاديثه ضعاف. وقال أبو حاتم: "عكرمة هذا صدوق، وربما وهم، وربما دلس". وإذا كان هذا حال عكرمة فلعله دلَّس هذا الحديث عن غير حافظ. أو غير ثقة، فإن مسلمًا في "صحيحه" (^١): رواه عن عباس بن عبد العظيم، عن النضر بن محمد، عن عكرمة بن عمار، عن أبي زميل، عن ابن عباس، هكذا معنعنًا (^٢). ولكن قد رواه الطبراني في "معجمه" (^٣)، فقال: حدثنا محمد بن محمد الجذوعي، حدثنا العباس بن عبد العظيم، حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا أبو زميل، قال: حدثني ابن عباس، فذكره.
وقال أبو الفرج بن الجوزي في هذا الحديث (^٤): "هو وهم من بعض الرواة، لاشك فيه ولا تردد، وقد اتهموا به عكرمة بن عمار راوي الحديث، قال: وإنما قلنا: إن هذا وهم؛ لأن أهل التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت تحت عبيد الله بن جحش، وولدت له وهاجر بها، وهما مسلمان إلى أرض الحبشة، ثم تنصر، وثبتت أم حبيبة على دينها، فبعث رسول الله ﷺ إلى النجاشي يخطبها عليه، فزوجه إياها وأصدقها عن رسول الله ﷺ أربعة آلاف درهم، وذلك في سنة سبع من الهجرة؛ وجاء أبو
_________________
(١) تقدم ص (٢٧٢).
(٢) في المطبوع مصرح بالتحديث. فلتراجع النسخ الخطِّية لمسلم.
(٣) (١٢/ ١٩٩) رقم (١٢٨٨٥).
(٤) في كشف المشكل (٢/ ٤٦٣ - ٤٦٤).
[ ٢٨٠ ]
سفيان في زمن الهدنة فدخل عليها فثنت بساط رسول الله ﷺ حتى لا يجلس عليه، ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة ثمان، ولا يعرف أن رسول الله ﷺ أمَّرَ أبا سفيان. آخر كلامه".
وقال أبو محمد بن حزم: "هذا حديث موضوع، لا شك في وضعه، والآفة فيه من عكرمة بن عمار، ولم يختلف في أن رسول الله ﷺ تزوجها قبل الفتح بدهر، وأبوها كافر".
فإن قيل: لم ينفرد عكرمة بن عمار بهذا الحديث، بل قد توبع عليه، فقال الطبراني في "معجمه" (^١): حدثنا علي بن سعيد الرازي، حدثنا عمر (^٢) بن حُلَيف بن إسحاق بن مرسال الخثعمي، قال: حدثني عمي إسماعيل بن مرسال، عن أبي زميل الحنفي، قال: حدثني ابن عباس، قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان، ولا يفاتحونه فقال: يا رسول الله، ثلاث أعطنيهن. الحديث.
فهذا إسماعيل بن مرسال قد رواه عن أبي زميل، كما رواه عنه عكرمة بن عمار، فبرئ عكرمة من عُهْدة التَّفرد به.
قيل: هذه المتابعة لا تفيده قوة، فإن هؤلاء مجاهيل (^٣) لا
_________________
(١) الكبير (١٢/ ١٩٩) رقم (١٢٨٨٦).
(٢) في (ظ، ب، ت) (محمد) وهو خطأ، وفي الطبراني (خلف) مكان (حُلَيْف).
(٣) قلت: شيخ الطبراني: متكلم فيه. * وعمر بن حليف: يحتمل مجهول، ويحتمل أنه وضَّاع ويحتمل أنهما واحد *. وإسماعيل: مجهول. انظر * لسان الميزان (٤/ ٢٧١ و٤١٦) *.
[ ٢٨١ ]
يُعْرَفون بنقل العلم، ولا هم ممن يُحْتَجُّ بهم، فضلًا عن أن تقدم روايتهم على النقل المستفيض المعلوم عند خاصة أهل العلم وعامتهم، فهذه المتابعة إن لم تزده وهنًا لم تزده قوة، وبالله التوفيق.
وقالت طائفة منهم البيهقي والمنذري رحمهما الله تعالى: يحتمل أن تكون مسألة أبي سفيان النبي ﷺ أن يزوجه أم حبيبة وقعت في بعض خرجاته إلى المدينة، وهو كافر، حين سمع نعي زوج أم حبيبة بأرض الحبشة، والمسألة الثانية والثالثة وقعتا بعد إسلامه، فجمعهما الراوي.
وهذا أيضًا ضعيف جدًا، فإن أبا سفيان إنما قدم المدينة آمنًا بعد الهجرة في زمن الهدنة قبيل الفتح، وكانت أم حبيبة إذ ذاك من نساء النبي ﷺ، ولم يقدم أبو سفيان قبل ذلك إلا مع الأحزاب عام الخندق، ولولا الهُدْنَة والصُّلح الذي كان بينهم وبين النبي ﷺ لم يقدم المدينة، فمتى قدِم وَزوَّجَ النبي ﷺ أم حبيبة؟ فهذا غلط ظاهر.
وأيضًا فإنه لا يصح أن يكون تزويجه إياها في حال كفره، إذ لا ولاية له عليها، ولا تأخر ذلك إلى بعد إسلامه، لما تقدم، فعلى التقديرين لا يصح قوله: أزوجك أم حبيبة.
وأيضًا فإن ظاهر الحديث يدل على أن المسائل الثلاثة وقعت منه في وقت واحد، وأنه قال: ثلاث أعطنيهن .. الحديث، ومعلوم أن سؤاله تأميره، واتخاذ معاوية كاتبًا إنما يُتَصوَّر بعد إسلامه،
[ ٢٨٢ ]
فكيف يُقال: بل سأل بعض ذلك في حال كفره، وبعضه هو مسلم؟! وسياق الحديث يَرُدُّه.
وقالت طائفة: "بل يمكن حمل الحديث على مَحْمل صحيح يخرج به عن كونه موضوعًا، إذ القول بأن في "صحيح مسلم" حديثًا موضوعًا مِمَّا ليس يَسْهُل. قال: ووجْهُهُ أن يكون معنى "أزوجكها" أرضى بزواجك بها، فإنه كان على رغم مني، وبدون اختياري، وإن كان نكاحك صحيحًا، لكن هذا أجمل وأحسن وأكمل لما فيه تأليف القلوب، قال: وتكون إجابة النبي ﷺ بنعم كانت تأنيسًا له، ثم أخبره بعد بصحة العقد، فإنه لا يشترط رضاك ولا ولاية لك عليها، لاختلاف دينكما حالة العقد. قال: وهذا مما لا يمكن دفع احتماله". ولا يَخْفى شِدَّة بُعْد هذا التأويل من اللفظ، وعدم فهمه منه؛ فإن قوله: "عندي أجمل العرب أزوجكها"، لا يفهم منه أحد أن زَوْجَتَكَ التي هي في عصمة نكاحك أرضى زواجك بها. ولا يطابق هذا المعنى أن يقول له النبي ﷺ: "نعم"، فإنه إنما (^١) سأل من النبي ﷺ أمرًا تكون الإجابة إليه من جهته ﷺ، فأما رضاه بزواجه بها فأمر قائم بقلبه هو، فكيف يطلبه من النبي ﷺ.
ولو قيل: طلب منه أن يقِرّه على نكاحه إياها، وسمى إقراره نكاحًا، لكان مع فساده أقرب إلى اللفظ. وكل هذه تأويلات
_________________
(١) في (ظ، ت، ج) (لما).
[ ٢٨٣ ]
مستكرهة (^١) في غاية المنافرة لِلَّفْظِ، ولمقصود الكلام.
وقالت طائفة: "كان أبو سفيان يخرج إلى المدينة كثيرًا فيحتمل أن يكون جاءها وهو كافر، أو بعد إسلامه حين كان النبي ﷺ آلى من نسائه شهرًا واعتزلهن، فتوهم أن ذلك الإيلاء طلاق كما توهمه عمر ﵁، فظن وقوع الفرقة به، فقال هذا القول للنبي ﷺ، متعطفًا له ومتعرضًا، لعله يراجعها، فأجابه النبي ﷺ بنعم، على تقدير: إن امتد الإيلاء، أو وقع طلاق، فلم يقع شيء من ذلك".
وهذا أيضًا في الضعف من جنس ما قبله، ولا يخفى أن قوله: "عندي أجمل العرب وأحسنه أزوجك إياها". أنه لا يفهم منه ما ذكر من شأن الإيلاء ووقوع الفُرْقة به، ولا يَصِحُّ أن يُجابَ بنعم، ولا كان أبو سفيان حاضرًا وقت الإيلاء أصلًا، فإن النبي ﷺ اعتزل في مَشْربة له، حَلَفَ أن لا يدخل على نسائه شهرًا (^٢)، وجاء عمر بن الخطاب فاستأذن في الدخول عليه (^٣) مرارًا فأذن له في الثالث، فقال: أطلقت نساءك؟ فقال: "لا". فقال عمر: الله أكبر". واشتهر عند الناس أنه لم يطلق نساءه، وأين كان أبو سفيان حينئذ؟.
_________________
(١) في (ح) (مستنكرات).
(٢) أخرجه البخاري في (٦٨) التفسير/ التحريم (٤٦٢٩)، ومسلم في (١٨) الطلاق (١٤٧٩) من حديث عمر بن الخطاب مطولًا.
(٣) في (ح) (فاستأذن عليه في الدخول).
[ ٢٨٤ ]
ورأيت للشيخ محب الدين الطبري كلامًا على هذا الحديث، قال في جملته: يحتمل أن يكون أبو سفيان قال ذلك كله قبل إسلامه بمدَّة تَتَقدَّم على تاريخ النكاح، كالمشترط ذلك في إسلامه، ويكون التقدير: ثلاث إن أسلمت تعطنيهن: أم حبيبة أزوجكها، ومعاوية يسلم فيكون كاتبًا بين يديك، وتؤمرني بعد إسلامي فأقاتل الكفار، كما كنت أقاتل المسلمين.
وهذا باطل أيضًا من وجوه:
أحدها: قوله: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان، ولا يقاعدونه. فقال: يا نبي الله ثلاث أعطنيهن. فيا سبحان الله! هذا يكون قد صدر منه وهو بمكة قبل الهجرة، أو بعد الهجرة، وهو يجمع الأحزاب لحرب رسول الله ﷺ؟ أو وقت قدومه المدينة وأم حبيبة عند النبي ﷺ لا عنده؟ فما هذا التكلف البارد؟ وكيف يقول وهو كافر: حتى أقاتل المشركين كما كنت أقاتل المسلمين؟ وكيف ينكر جفوة المسلمين له وهو جاهد في قتالهم وحربهم وإطفاء نور الله ﷾؟ وهذه قصة إسلام أبي سفيان معروفة، لا اشتراط فيها ولا تعرض لشيء من هذا.
وبالجملة فهذه الوجوه وأمثالها مما يُعْلم بطلانها واستكراهها (^١) وغثاثتها، ولا تفيد الناظر فيها علمًا، بل النظر فيها والتَّعرُّض لإبطالها من مثارات (^٢) العلم، والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) وقع في (ب) (واستكرارها) وهو خطأ.
(٢) في (ح) (منارات).
[ ٢٨٥ ]
فالصَّواب أن الحديث غير محفوظ، بل وقع فيه تخليط، والله أعلم.
وهي التي أكرمت فراش رسول الله ﷺ أن يجلس عليه أبوها لما قدم المدينة، وقالت: "إنك مشرك" (^١). ومنعته من الجلوس عليه.
* وتزوج رسول الله ﷺ أم سلمة (^٢)، واسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر (^٣) بن مخزوم بن يقظة بن مُرَّة بن كعب بن لؤي بن غالب. وكانت قبله عند أبي سلمة بن عبد الأسد. توفيت سنة اثنين وستين، ودفنت بالبقيع، وهي آخر أزواج النبي ﷺ موتًا، وقيل: بل (^٤) ميمونة.
٢٧٤ - ومن خصائصها: أن جبرائيل دخل على النبي ﷺ وهي عنده، فرأته في صورة دحية الكلبي، ففي "صحيح مسلم" (^٥): عن أبي عثمان، قال: "أنبئت أن جبرائيل أتى النبي ﷺ وعنده أم
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبير (١٠/ ٩٧) ط. الخانجي. وفيه الواقدي، وهو متروك الحديث.
(٢) انظر الطبقات لابن سعد (١٠/ ٨٥ - ٩٤) والإصابة (٨/ ٢٠٣ - ٢٠٤) والسير (٢/ ٢٠١).
(٣) في جميع النسخ (عمرو) وهو خطأ. انظر: أسد الغابة (٧/ ٣٤٠).
(٤) ليس في (ب).
(٥) أخرجه مسلم في (٤٤) فضائل الصحابة (٢٤٥١) من حديث سلمان ﵁.
[ ٢٨٦ ]
سلمة، قال: فجعل يتحدث، ثم قام، فقال نبي الله ﷺ لأم سلمة: "من هذا؟ "-أو كما قال- قالت: هذا دحية الكلبي. قالت: أيم الله ما حسبته إلا إياه، حتى سمعت خطبة نبي الله ﷺ يُخْبرُ خبرنا -أو كما قال-". قال سليمان التيمي: فقلت لأبي عثمان: ممن سمعت هذا الحديث؟ قال: من أسامة بن زيد.
وزوجها ابنها عمر من رسول الله ﷺ.
وردَّت طائفة ذلك: بأن ابنها لم يكن له من السِّنِّ حينئذ (ما يعقل به التزويج) (^١).
وردَّ الإمامُ أحمد ذلك وأنكر على مَنْ قاله.
٢٧٥ - ويدل على صحة قوله ما روى مسلم في "صحيحه" (^٢): أن عمر بن أبي سلمة ابنها سأل النبي ﷺ عن القُبْلة للصَّائم، فقال: "سَلْ هذه؟ "، يعني أُمَّ سَلَمة، فأخبرته أنَّ رسولَ الله ﷺ يفعله. (فقال: لسْنَا كرسول الله ﷺ يُحلُّ اللهُ لِرَسُولهِ مَا شَاء، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "إنِّي أتْقَاكُم للهِ وأعْلمكم به") (^٣) أو كما قال. ومثل هذا لا يقال لصغير جِدًّا، وعُمَر وُلِدَ بأرض الحبشة قَبْل
_________________
(١) وقع في (ش) (ما يقبل التزويج)، وسقط من (ظ، ت، ب) (به).
(٢) أخرجه مسلم في (١٣) الصيام (١١٠٨).
(٣) كذا وقع في جميع النسخ. والذي عند مسلم: (.. فقال يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) فقال له رسول الله ﷺ: (أما والله إني لأتقاكم لله، وأخشاكم له).
[ ٢٨٧ ]
الهجرة.
وقال البيهقي: وقول من زعم أنه كان صغيرًا دَعْوى، ولم يثْبُت صِغَره بإسنادٍ صحيح.
وقول من زعم أنه زوَّجها (بالبُنُوَّةِ، مقابَلٌ بقول من قال: إنه زوجها) (^١) بأنه كان من بني أعمامها، ولم يكن لها ولي هو أقرب منه إليها، لأنه عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وأم سلمة: هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
وقد قيل: إن الذي زوجها هو عمر بن الخطاب، لا ابنها، لأن في غالب الروايات: "قم يا عمر فزوج رسول الله ﷺ ". وعمر بن الخطاب هو كان الخاطب.
وَرُدَّ هذا بأن في "النسائي" (^٢): فقالت لابنها عمر: "قُم فزوج رسول الله ﷺ".
وأجاب شيخنا أبو الحجاج المِزِّي الحافظ بأن الصحيح في هذا". قم يا عمر، فزوج رسول الله ﷺ". وأما لفظ: "ابنها" فوقعت من بعض الرواة؛ لأنه لما كان اسم ابنها "عمر" وفي
_________________
(١) سقط من (ب، ج) ما بين القوسين، في (ج) (لأنه كان من بني ..).
(٢) أخرجه النسائي (٣٢٥٤). وسنده ضعيف فيه محمد بن عمر بن أبي سلمة، قال أبو حاتم: لا أعرفه. جرح (٨/ ١٨).
[ ٢٨٨ ]
الحديث: "قم يا عمر فزوج رسول الله ﷺ"، ظنَّ- الرواي أنه ابنها، وأكثر الروايات في المسند (^١) وغيره: "قم يا عمر" من غير ذكر (^٢) "ابنها" قال: ويدل على ذلك أن ابنها عمر كان صغير السن، لأنه قد صَحَّ عنه أنه قال: كنت غلامًا في حِجْرِ النبي ﷺ، وكَانتْ يَدِيْ تَطِيْشُ في الصَّحْفَة، فقال النبي ﷺ:
٢٧٦ - "يَا غلام! سَمِّ الله، وكُلْ بيَمِيْنِكَ، وكُل مِمَّا يَلِيْك" (^٣). وهذا يدل على صِغر سِنِّه حين كَان رَبِيْبَ النبي ﷺ. والله أعلم.
(وذكر ابن إسحاق: أن الذي زوجها ابنها سلمة بن أبي (سلمة) والله أعلم) (^٤).
* وتزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش (^٥) من بني خزيمة ابن مدركة بن إلياس بن مضر، وهي بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب، وكانت قبل عند مولاه زيد بن حارثة، فطلَّقها، فزوجها
_________________
(١) انظر: مسند الإمام أحمد (٦/ ٢٩٥، ٣١٣ - ٣١٤).
(٢) سقط من (ح).
(٣) أخرجه البخاري في (٧٣) الأطعمة (٥٠٦١)، ومسلم في (٣٦) الأشربة (٢٠٢٢).
(٤) سقط من (ح) ما بين القوسين، ووقع في (ب) (أوفى) بدلًا من (ابن أبي سلمة) وهو خطأ.
(٥) انظر الطبقات لابن سعد (١٠/ ٩٨ - ١١١) وأسد الغابة لابن الأثير (٧/ ١٢٥ - ١٢٧) والسير (٢/ ٢١١).
[ ٢٨٩ ]
اللهُ إياه من فوق سبع سماوات، وأنزل عليه: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فقام فدخل عليها بلا استئذان. وكانت تفخر بذلك على سائر أزواج رسول الله ﷺ وتقول:
٢٧٧ - "زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماواته" (^١). وهذا من خصائصها. توفيت بالمدينة سنة عشرين ودفنت بالبقيع.
* وتزوج رسول الله ﷺ زينب بنت خزيمة الهلالية (^٢)، وكانت تحت عبد الله بن جحش، تزوجها سنة ثلاث من الهجرة، وكانت تُسمَّى أُمّ المَسَاكين، لكثرة إطعامها المساكين، ولم تلبث عند رسول الله ﷺ إلَّا يسيرًا شهرين أو ثلاثة وتوفيت ﵂.
* وتزوج رسول الله ﷺ جُوَيْرِية بنت الحارث (^٣)، من بني المصطلق، وكانت سبيت في غزوة بني المصطلق، فوقعت في سهم ثابت بن قيس، فكاتبها، فقضى رسول الله ﷺ كتابتها، وتزوجها سنة ست من الهجرة، وتوفيت سنة ست وخمسين.
٢٧٨ - وهي التي أعتق المسلمون بسببها مائة أهل بيت من
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه في (١٠٠) التوحيد، (٢٢) باب (وكان عرشه على الماء) رقم (٦٩٨٤) وراجع رقم (٤٥٠٩).
(٢) انظر الطبقات لابن سعد (١٠/ ١١١ - ١١٢) والاستيعاب (٤/ ٤٠٩) والسير (٢/ ٢١٨).
(٣) انظر الطبقات لابن سعد (١٠/ ١١٣ - ١١٦) والإصابة (٨/ ٤٣ - ٤٤) والسير (٢/ ٢٦١).
[ ٢٩٠ ]
الرقيق، وقالوا: أصْهَار رسول الله ﷺ. وكان ذلك من بَرَكَتِها على قومها (^١).
* وتزوج رسول الله ﷺ صَفيّة بنت حُيَيّ (^٢) من ولد هارون بن عمران أخي موسى ﵉، سنة سبع، فإنها سبيت من خيبر، وكانت قبله تحت كنانة بن أبي الحُقَيْق، فقتله رسول الله ﷺ، توفيت سنة ست وثلاثين، وقيل: سنة خمسين.
٢٧٩ - ومن خصائصها: أن رسول الله ﷺ أعتقها وجعل عتقها صداقها، قال أنس: "أمهرها نفسها" (^٣).
وصار ذلك سُنَّة للأُمَّة إلى يوم القيامة، يجوز للرجل أن يجعل عتق جاريته صداقها، وتصير زوجته، على منصوص الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
٢٨٠ - قال الترمذي (^٤): حدثنا إسْحاق بن منصور، وعَبْد بن
_________________
(١) أخرجه أحمد (٦/ ٢٧٧)، وأبو داود (٣٩٣١)، وابن الجارود (٧٠٥) وابن حبان (٩/ ٤٠٥٤) وغيرهم والحديث صححه ابن حبان وابن الجارود والحاكم وغيرهم.
(٢) انظر الطبقات لابن سعد (١٠/ ١١٦ - ١٢٥) وأسد الغابة (٧/ ١٦٩ - ١٧١) والسير (٢/ ٢٣١).
(٣) أخرجه البخاري في (٦٧) المغازي (٣٩٦٥)، ومسلم في (١٥) الحج (١٣٦٥) من حديث أنس بن مالك.
(٤) أخرجه الترمذي (٣٨٩٤)، وأحمد (٣/ ١٣٥ - ١٣٦)، وابن حبان (١٦/ ١٩٤) رقم (٧٢١١) وغيرهم. وسنده صحيح، والحديث صححه=
[ ٢٩١ ]
حُمَيْد، قالا: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن ثابت، عن أنس، قال: "بَلغَ صفيَّة أنَّ حَفْصَة قالت: صَفيَّة بنت يَهُوديّ، فَبكتْ، فدخل عليها النَّبي ﷺ وهي تَبْكي، فقال: "مَا يُبْكيكِ؟ "، قالتْ: قالتْ لِيْ حَفْصَة: إنِّي ابنةَ يهُودي. فقال النَّبي ﷺ: "إنَّكِ لابْنة نَبِيّ، وإنَّ عمَّكِ لَنَبِيّ، وإنَّكِ لتَحْت نَبِي، فَبمَ تفْخَر عَليْكِ؟ " ثم قال: "اتَّقِ اللهَ يَا حَفصة"، قال الترمذي: "هَذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه".
وهذا من خصائصها ﵂.
* وتزوج رسول الله ﷺ ميمونة بنت الحارث الهلالية (^١)، تزوجها بِسَرِف وبَنَى بها بسَرِف، وماتت بِسَرِف، وهو على تسعة (^٢) أميال من مكة، وهي آخرَ من تزوج من أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن، وتوفيت سنة ثلاث وستين، وهي خالة عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما؛ فإن أُمَّهُ أم الفَضْل بنت الحارث، وهي خالة خالد بن الوليد أيضًا، وهي التي اختلف في نكاح النبي ﷺ هل نكحها حَلَالًا أو مُحْرِمًا؟ فالصحيح أنه تزوَّجها حلالًا، كما قال أبو رافع السَّفِير في نِكَاحها (^٣)، وقد بَيَّنت وَجْه غلط مَن قال: نَكَحَها
_________________
(١) = الترمذي وابن حبان.
(٢) انظر الطبقات لابن سعد (١٠/ ١٢٨ - ١٣٥) والاستيعاب (٤/ ٤٦٧ - ٤٧٠) والسير (٢/ ٢٣٨).
(٣) في (ح) (وهي على سبعة).
(٤) أخرجه الترمذي (٨٤١)، وأحمد (٦/ ٣٩٣). وهو معلول بالارسال. قال الترمذي: "هذا حديث حسن، ولا نعلم أحدًا أسنده غير حماد بن زيد عن=
[ ٢٩٢ ]
مُحْرِمًا، وتقديم حديث من قال: "تزوجها حلالًا" من عشرة أوجه مذكورة في غير هذا الموضع (^١).
فهؤلاء جُمْلة مَنْ دخل بِهِنَّ من النساء، وهنَّ إحدى عشرة ﵅.
قال الحافظ أبو محمد المقدسي وغيره: وعقد ﷺ على سبع ولم يدخل بِهِنَّ (^٢).
فالصلاة على أزواجه تابعة لاحترامهنَّ وتحريمهنَّ على الأُمَّة، وأنَّهن نساؤه ﷺ في الدنيا والآخرة، فمن فارقها في حياتها، ولم يدخل بها، لا يثبت لها أحكام (^٣) زوجاته اللاتي دخل بهنَّ، ومات عنهنَّ، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وذريته وسلم تسليمًا.
فصل (^٤)
وأما الذُّرِّيَّة فالكلام فيها في مسألتين:
_________________
(١) = مطر عن ربيعة، وروى مالك عن ربيعة عن سليمان بن يسار أن النبي ﷺ … مرسلًا، ورواه أيضًا سليمان بن بلال عن ربيعة مرسلًا". فهو من أوهام مطر الورَّاق.
(٢) انظر: زاد المعاد (٥/ ١١٢ - ١١٣).
(٣) انظر الطبقات لابن سعد (١٠/ ١٣٦ - ١٤٤).
(٤) سقط من (ب) (أحكام).
(٥) سقط من (ظ، ت) (فصل).
[ ٢٩٣ ]
المسألة الأولى في لفظها، وفيها ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها من ذرأ الله الخلق، أي: نشرهم وأظهرهم، إلا أنهم تركوا همزها استثقالًا، فأصلها: ذُرِّيئة بالهمز، فُعِّيلة (^١) من الذرء، وهذا اختيار صاحب الصحاح (^٢) وغيره.
والثاني: أن أصلها من الذَّرِّ (^٣) وهو النمل الصغار، وكان قياس هذه النسبة "ذَرية" بفتح الذال وبالياء، لكنهم ضموا أوله وهمزوا آخره (^٤). وهذا من باب تغيير النسب.
وهذا القول ضعيف من وجوه:
منها: مخالفة باب (^٥) النسب، ومنها إبدال الراء ياء، وهو غير مَقِيْس.
ومنها: أن لا اشتراك بين الذرية والذر إلا في الذال والراء،
_________________
(١) وقع في (ب، ت، ش) (فُعْلِيَّة) وهو خطأ، وفي (ح) تحريف.
(٢) انظر: الصحاح للجوهري (١/ ٩٣) مادة (ذرأ)، ولسان العرب (١/ ٨٠)، وتاج العروس (١/ ١٥٦).
(٣) في وزنها أربعة أوجه: فُعْليَّة = ذُرية، فُعِّيْلة = ذُرِّيْرة، فُعُّولة = ذُرُّورة، فُعْلولة ذرُّوة.
(٤) قوله (وهمزوا آخره) لا معنى له في هذا السياق، ولهذا لم يذكره في الرد على هذا الوجه. وكذلك قوله (مخالفة باب النسب) لا يوجد مخالفة، وإنما يوجد قلب الراء ياءً كما في الوجهين الأخيرين. وقوله (ومنها إبدال الراء ياء وهو غير مقيس) يصدق على الأوجه الأخرى التي لم يذكرها المؤلف. وقوله (إن الذر من المضاعف ..) لا يستقيم إلا إذا قطع بأن الذرية لست من الذر وعلى كلٍّ كلام المؤلف يحتاج إلى تحرير أدق.
(٥) من (ظ، ت، ش) ووقع في (ب) (ياء).
[ ٢٩٤ ]
وأما في المعنى فليس مفهوم أحدهما مفهوم الآخر.
ومنها: أن الذر من المضاعف، والذرية من المعتل أو المهموز، فأحدهما غير الآخر.
والقول الثالث: أنها من ذرا يذرو (^١): إذا فرَّق، من قوله تعالى: ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: ٤٥]، وأصلها على هذا "ذُرِّيوَة" فعلية من الذرو، ثم قلبت الواو ياءً لسبق إحداهما بالسكون.
والقول الأول (^٢) أصح، لأن الاشتقاق والمعنى يشهد له. فإن أصل هذه المادة من الذرء، قال الله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: ١١]، وفي الحديث:
٢٨١ - "أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ" (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا
_________________
(١) من (ح). وفي بقية النسخ وقع تحريف.
(٢) سقط من (ب).
(٣) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٤١٩) رقم (١٥٤٦١)، وابن السني في عمل اليوم والليلة رقم (٦٣٧)، والبيهقي في الدلائل (٧/ ٩٥) وفي الأسماء والصفات (١/ رقم ٣٥)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ١١٤) وغيرهم. من طرق عن جماعة عن جعفر الضبعي عن أبي التَّيّاح قال: سأل رجل عبد الرحمن بن خنبش فذكر الحديث مطولًا. وخالفهم سيار بن حاتم فرواه عن جعفر عن أبى التياح قال: قلت لعبد الرحمن بن خنبش، فذكره. أخرجه أحمد (٣/ ٤١٩) رقم (١٥٤٦٠). وهذا خطأ، أعله البخاري وابن منده، والصواب الأول. وعليه فالإسناد ضعيف، للانقطاع. انظر: الإصابة لابن حجر (٤/ ١٥٧).
[ ٢٩٥ ]
ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ [النحل: ١٣]، فالذُّرِّية فُعِّيْلَة (^١) منه، بمعنى مَفْعُولة، أي: مَذْرُوْأَة (^٢)، ثم أبدلوا همزها فقالوا: ذُرِّيّة.
المسألة الثانية: في معنى هذه اللفظة.
ولا خلاف بين أهل اللغة (^٣) أن الذرية تقال على الأولاد الصغار، وعلى الكبار أيضًا، قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٣ - ٣٤]، وقال: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)﴾ [الأنعام: ٨٧]، وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾ [الإسراء: ٢ - ٣].
وهل تقال الذرية على الآباء (^٤)؟ فيه قولان: أحدهما أنهم يسمون ذرية أيضًا.
واحتجوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي
_________________
(١) سقط من (ح) وفي (ب، ت، ظ، ش) (فعلية) وهو خطأ.
(٢) في (ح، ش، ت) (مذروه).
(٣) انظر الصحاح (١/ ٩٣) واللسان (١/ ٨٠).
(٤) انظر تاج العروس (١/ ١٥٦) ط: دار الفكر.
[ ٢٩٦ ]
الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١)﴾ [يس: ٤١].
وأنكر ذلك جماعةٌ من أهل اللغة، وقالوا لا يجوز هذا في اللغة، والذُّرِّيّة كالنَّسل والعقب لا يكون إلا للعمود الأسفل، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ﴾ [الأنعام: ٨٧]، فذكر جهات النسب الثلاث من فوق، ومن أسفل، ومن الأطراف.
قالوا: وأما الآية التي استشهدتم بها فلا دليل لكم فيها، لأن الذُّرِّيَّة فيها لم تُضَفْ (^١) إليهم إضافة نَسْلٍ وإيْلَاد، وإنما أضيفت إليهم بوجهٍ ما، والإضافة تكون بأدْنَى ملابسة واخْتِصَاص، وإذا كان الشَّاعر قد أضَافَ الكوكبَ في قوله (^٢):
إِذَا كَوْكَبُ الخَرْقَاءِ لاْحَ بِسَحْرةٍ … سُهَيْل أَذاعَتْ غَزْلَها في القَرائِب
فأضاف إليها الكوكب؛ لأنها كانت تغزل إذا لاح وظهر.
والاسم قد يُضاف بوجهين مختلفين إلى شيئين، وَجهَةُ إضافته إلى أحدهما غيرُ جهَةِ إضافته إلى الآخر، قال أبو طالب (^٣) في النبي ﷺ:
لَقَدْ عَلِمُوا أنَّ ابْنَنَا لا مُكَذَّبٌ … لَدَيْنَا ولا يُعْزَى لِقَوْلِ الأَبَاطِل
فأضاف بُنُوّته (^٤) إليه بجهةٍ غير جِهَة إضافته إلى أبيه عبد الله،
_________________
(١) وقع في (ب) (يضف) بالياء، وفي (ظ، ت) غير منقوطة.
(٢) انظر: خزانة الأدب (١/ ٤٩٧).
(٣) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٢٨٠).
(٤) في (ح) (نبوته) وهو خطأ.
[ ٢٩٧ ]
وهكذا (^١) لفظة رسول الله ﷺ، فإن الله سبحانه يُضيفه إليه تارة، كقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ [المائدة: ١٥]، وتارة إلى المُرْسَل إليهم كقوله: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦٩]، فأضافه (^٢) سبحانه إليه إضَافَة رسولٍ إلى مُرْسِلهِ، وأضافه (^٣) إليهم إضافة رسولٍ إلى مرسَل إليهم. وكذا لفظ "كتابه"، فإنه يضاف إليه تارة، فيقال (^٤): كتاب الله. ويضاف إلى العباد تارة، فيقال: كتابنا القرآن، وكتابنا خير الكتب، وهذا كثير. فهكذا لفظ الذُّرِّيَّة، أُضِيْف إليهم بجهة غير الجهة التي أُضِيْف بها إلى آبائهم.
وقالت طائفة: بل المراد جنس بني آدم، ولم يقصد الإضافة إلى الموجودين في زمن النبي ﷺ، وإنما أُرِيْد ذُرِّيَّة الجِنْس.
وقالت طائفة: بل المراد بالذرية نفسها، وهذا أبلغ في قدرته وتَعْديد نعمه عليهم، أنْ حَمَلَ دريتهم في الفُلْك في أصْلاب آبائهم، والمعنى: أنَّا حَمَلْنا الذين هم ذُرِّيّة هؤلاء وهم نُطَفٌ في أصلاب الآباء، وقد أشْبَعْنا الكلام على ذلك في كتاب "الروح والنفس" (^٥).
_________________
(١) وقع في (ب) (وهذا).
(٢) في (ح) (فإضافته).
(٣) في (ح) (وإضافته).
(٤) سقط من (ش، ت).
(٥) هو كتاب غير كتاب (الروح) المطبوع، انظر كتاب ابن قيم الجوزية، حياته وآثاره ص ١٦١ - ١٦٢.
[ ٢٩٨ ]
إذا ثَبَتَ هذا، فالذُّرِّيَّةُ: الأولادُ وأوْلادُهم، وهل يدخل فيها أوْلاد البَنَات؟ فيه قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد (^١):
أحدهما (^٢): يدخلون، وهو (^٣) مذهب الشافعي.
والثانية: لا يدخلون، وهو مذهب أبي حنيفة.
واحتجَّ مَن قال بدخولهم: بأن المسلمين مُجمعون (^٤) على دخول أولاد فاطمة ﵂ في ذُرِّية النبي ﷺ المطلوب لهم من الله الصَّلاة، لأنَّ أحدًا مِنْ بناته لم يُعقب غيرها، فمَنِ انْتَسَب إليه ﷺ مِن أولاد ابنته، فإنما هو من جهة فاطمة ﵂ خاصَّة، ولهذا قال النبي ﷺ في الحسن ابن ابنته:
٢٨٢ - "إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّد" (^٥) فَسمَّاه ابنه.
ولمَّا (^٦) أنزل الله سبحانه آية المُبَاهَلَة: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] الآية.
٢٨٣ - دعا النبي ﷺ فاطمة وحَسَنًا وحُسَيْنًا، وخَرَجَ للمُبَاهَلَة (^٧).
_________________
(١) سقط من (ش).
(٢) في (ح) (إحداهما).
(٣) في (ب) (وهم) وهو خطأ.
(٤) في (ب) (مجتمعون).
(٥) أخرجه البخاري في (٥٧) الصلح (٢٥٥٧) من حديث أبي بكرة ﵁.
(٦) من (ش، ت، ظ) وفي (ب) غير واضحة.
(٧) أخرجه مسلم في (٤٤) فضائل الصحابة (٢٤٠٤) من حديث سعد بن أبي =
[ ٢٩٩ ]
قالوا: وأيضًا فقد قال الله تعالى في حقِّ إبراهيم: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٨٥]. ومعلوم أنَّ عيسى ﵊ لم ينْتَسِب إلى إبراهيم إلا من جهة أُمِّه مَرْيَم ﵍.
وأما من قال بعدم دخولهم: فَحُجَّتُه أنَّ ولَدَ البَنَاتِ إنَّما ينتسبون إلى آبائهم حقيقة، ولهذا إذا أولد (^١) الهُذَليّ أو التَّيْمِيّ أو العَدَوِي هَاشِميّة لم يكن ولدها هاشميًا، فإن الولد في النسب يتبع أباه، وفي الحُرِّيَّة والرِّقّ أُمّه، وفي الدِّيْن خيرهما دِيْنًا، ولهذا قال الشاعر (^٢):
بَنُوْنَا بَنُو أبْنَائِنَا، وبَنَاتُنا … بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الأبَاعِدِ
ولو وصَّى أو وقَف على قبيلة لم يدخل فيها أولاد (^٣) بناتها من غيرها.
قالوا: وأما دخول أولاد (^٤) فاطمة ﵂ في ذُرية النبي ﷺ؛ فَلِشَرَفِ هذا الأصل العظيم والوالد الكريم، الذي لا
_________________
(١) = وقاص ﵁.
(٢) وقع في (ظ) (ولد) وهو خطأ.
(٣) البيت للفرزدق؛ انظر: خزانة الأدب (١/ ٤٢٣).
(٤) في (ب) (أبناء).
(٥) سقط من (ح).
[ ٣٠٠ ]
يُدانيه أحد من العالمين، سَرَى ونَفَذَ إلى أولاد البنات لقُوَّته وجلالته وعِظَمِ قَدْره، ونحن نرى من لا نسبة له إلى هذا الجَنَاب العظيم من العظماء والملوك وغيرهم تسْري حُرْمة إيلادهم وأبوتهم إلى أولاد بناتهم، فتلْحظهم العيون بلحْظ أبنائهم، ويكادون يضربون (^١) عن ذكر آبائهم صفحًا، فما الظنُّ بهذا الإيلاد، العظيم قدره الجليل خطره؟.
قالوا: وأما تَمسُّككم بدخول المسيح في ذُرية إبراهيم ﵊ فلا حُجَّة لكم فيه، فإن المسيح ﵇ لم يكن له أب، فنسبه من جهة الأب مستحيل، فقامت أُمُّه مقام أبيه (ولهذا ينسبه الله سبحانه إلى أُمِّه، كما ينسب غيره من ذوي الآباء إلى أبيه) (^٢)، وهكذا كل من انقطع نسبه من جهة الأب، إما (^٣) بلعان أو غيره، قامت أُمُّه في النَّسب مقام أبيه وأمه، ولهذا تكون في هذه الحال عَصبته في أصح الأقوال، وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد ﵁، وهو مقتضى النصوص، وقول ابن مسعود (^٤) ﵁ وغيره، والقياس يشهد له بالصحَّة؛ لأنَّ
_________________
(١) في (ب) (ويضربون) وهو خطأ.
(٢) سقط من (ح) ما بين القوسين.
(٣) انظر: تهذيب الفرائض لأبي الخطاب الكلوذاني ص ٢٨٦.
(٤) أخرجه الدارمي في مسنده (٤/ ١٩٩٦) رقم (٣١٤٥)، والبيهقي في الكبرى (٦/ ٢٥٨) وغيرهما. من طريق محمد بن سالم عن الشعبي عن علي وعبد الله قالا: (ولد الزنا بمنزلة ابن الملاعنة)، وسنده ضعيف. محمد بن سالم هو أبو سهل الكوفي =
[ ٣٠١ ]
النَّسبَ في الأصل للأب، فإذا انقطع مِن جهَته عاد إلى الأُمّ، فلو قُدِّرَ عَوْدُه مِن جهة الأب رجع من الأمّ إليه، وهكذا كما اتفق الناس عليه في الولاء أنه لموالي الأب، فإن تعذَّر رجوعه (^١) إليهم صار لِمَوالي الأمّ، فإن أمكن عَوْدُه إليهم رجع من موالي الأمّ إلى مَعْدَنِهِ وَقَرارِه (^٢). ومعلوم أنَّ الولاء فرع على النَّسب يُحْتدْى فيه حَذوه، فإذا كان عَصَبَات الأُمّ من جهة (^٣) الولاء عصبات لهذا المولى الذي انقطع تَعْصِيْبه من جهة موالي أبيه؛ فلأن تكون عصبات الأُمّ من النَّسب عصبات لهذا الولد الذي انقطع تعصيبه من جهة أبيه بطريق الأولى، وإلَّا فكيف يثبت هذا الحكم في الولاء ولا يثبت في النسب الذي غايته أن يكْون مُشَبَّهًا به ومُفَرَّعًا عليه؟! وهذا مِما يَدلُّ على أنَّ القياس الصحيح لا يفارق النَّص أصلًا، ويَدُلُّك على عُمْق عِلْم الصحابة ﵃، وبلوغهم في العلم إلى غايةٍ يَقْصُر عن نيْلها السُّبَّاق، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم (^٤).
_________________
(١) = ضعيف، وبعضُهم يضعِّفه جدًا. انظر: تهذيب الكمال (٢٥/ ٢٣٨ - ٢٤٢).
(٢) في (ظ) (رجوعهم).
(٣) انظر المغني لابن قدامة (٩/ ٢٢٨ - ٢٢٩).
(٤) سقط من (ظ، ت، ج، ح) قوله (جهة).
(٥) كأنَّ المؤلف يميل إلى القول بعدم دخول أولاد البنات عدا أولاد فاطمة ﵂ في ذرية النبي ﷺ.
[ ٣٠٢ ]