وهي أن النبي ﷺ أفضل من إبراهيم، فكيف طلب له ﷺ من الصلاة ما لإبراهيم ﷺ، مع أن المشبَّه به أصله أن يكون فوق المشبَّه؟ فكيف الجمع بين هذين الأمرين المتنافيين (^٢)؟.
ونحن نذكر ما قاله الناس في هذا، وما فيه من صحيح وفاسد.
* فقالت طائفة: هذه الصلاة علَّمها النَّبي ﷺ أُمَّته قبل أن يعرف أنَّه سَيِّد ولد آدم.
ولو سكت قائل هذا لكان أولى به وخيرًا له، فإنَّ هذه هي الصلاة التي علَّمهم النبي ﷺ إياها لما سألوه عن تفسير ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فعلمهم هذه الصلاة وجعلها مشروعة في صلوات الأُمَّة إلى يوم القيامة، والنبي ﷺ لم يَزَلْ أفضل ولد آدم قبل أن يعلم بذلك وبعده. وبعد أن عَلِمَ بذلك (^٣)، لم يُغيِّر نظم
_________________
(١) سقط من (ب) (وبيان ما فيها).
(٢) في (ب) (المنافين) وهو خطأ.
(٣) سقط من (ب) (وبعدَه، وبعد أن علم بذلك).
[ ٣١٨ ]
الصلاة التي عَلَّمَها أمته، ولا أبدلها بغيرها، ولا روى عنه أحد خلافها، فهذا من أفسد جواب يكون.
* وقالت طائفة أخرى: هذا السؤال والطلب شُرِع لِيتَّخذه الله خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، وقد أجابه الله تعالى (^١) إلى ذلك.
٢٩٦ - كما ثبت عنه (^٢) في "الصحيح" (^٣): "أَلَا وَإنَّ صَاحِبَكم خَلِيلُ الرَّحْمَنِ" يعني نفسه.
وهذا الجواب من جنس ما قبله؛ فإن مضمونه: أنه بعد أن اتخذه الله خليلًا، لا تُشرَع الصلاة عليه على هذا الوجه، وهذا من أبطل الباطل.
* وقالت طائفة أخرى: إنما هذا التَّشبيه راجع إلى المُصَلِّي فيما يحصل له من ثواب الصَّلاة عليه، فطلب من ربه تعالى ثوابًا، وهو أن يصلي عليه كما صلى على آل إبراهيم، لا بالنسبة إلى النبي ﷺ، فإن المطلوب لرسول الله ﷺ مِن الصَّلاة أجل وأعْظَمُ ممّا هو حاصل لغيره من العالمين.
وهذا من جنس ما قبله، أو أفسد، فإن التشبيه ليس فيما يحصل للمصلِّي، بل فيما يحصل للمصلَّى عليه، وهو النبي ﷺ
_________________
(١) من (ب) فقط قوله (تعالى).
(٢) سقط من (ظ، ت) (كما ثبت عنه)، وفي (ج) طمس من الأصل.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه في (٤٤) فضائل الصحابة (٢٣٨٣) من حديث ابن مسعود ﵁.
[ ٣١٩ ]
وآله، فمن قال: إن المعنى اللهم أعطني من ثواب صلاتي عليه كما صليت على آل إبراهيم، فقد حَرَّف الكلم، وأبطل في كلامه.
ولولا أن هذه الوجوه وأمثالها قد ذكرها بعض الشُّرَّاح وسَوَّدُوا بها الطُّروس (^١)، وأوهموا الناس أن فيها تحقيقًا، لكان الإضراب عنها صفحًا أولى من ذكرها، فإنَّ العالم يستحيي من التَّكلم على هذا والاشتغال بردِّه.
* وقالت طائفة أخرى: التشبيه عائد إلى الآل فقط، وتَمَّ الكلام عند قوله: "اللهم صل على محمد"، ثم قال: ""وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم"، فالصلاة المطلوبة لآل محمد هي المشبَّهة بالصلاة الحاصلة لآل إبراهيم، وهذا نقله العِمْراني (^٢) عن الشافعي.
وهو باطل عليه قطعًا، فإن الشافعي أجلُّ من أن يقول مثل هذا، ولا يليق هذا بعلمه وفصاحته، فإن هذا في غاية الرَّكاكة والضَّعف (^٣).
_________________
(١) جمع طِرْس، وهي الصحيفة. انظر: اللسان (٦/ ١٢١) مادة: طرس.
(٢) هو أبو الحسن يحيى بن أبي الحسن العِمْراني، شيخ الشافعية في اليمن، (ت: ٥٧٨ هـ). طبقات فقهاء اليمن للجعدي ص ١٧٤. وانظر البيان للعمراني (٢/ ٢٤٥).
(٣) قال ابن حجر: "وليس التركيب المذكور بركيك … " لكن تعقبه الزركشي. انظر فتح الباري (١١/ ١٦٥)، والقول البديع للسخاوي ص ٨٤.
[ ٣٢٠ ]
وقد تقدم في كثير من أحاديث الباب: "اللهم صل على محمد كما صليت على آل إبراهيم"، وقد تقدمت الأحاديث بذلك (^١). وأيضًا فإنه لا يَصحُّ من جهة العربيّة، فإن العامل إذا ذُكِر معموله وعطف عليه غيره، ثم قُيِّد بظرف، أو جار ومجرور، أو مصدر أو صفة مصدر، كان ذلك راجعًا إلى المعمول وما عطف، عليه، هذا الذي لا تحتمل (^٢) العربية غيره، فإذا قلت: جاءني زيد وعمرو يوم الجمعة، كان الظرف مقيدًا لمجيئهما، لا لمجيء عمرو وحده، وكذلك إذا قلت: ضربت زيدًا وعَمْرًا ضربًا مؤلمًا، أو أمام الأمير، أو سَلَّم عليَّ زيد وعمرو يوم الجمعة ونحوه.
فإن قلت: هذا متوجِّه إذا لم يَعد العامل، فأما إذا أُعِيد العامل حَسُن ذلك، تقول: سَلِّم على زيد وعلى عمرو إذا لقيته، لم يمتنع أن يختصَّ ذلك بعمرو، وهنا قد أُعِيْد العامل في قوله: "وعلى آل محمد".
قيل" هذا المثال ليس بمطابق (^٣) لمسألة الصلاة، وإنما المطابق أن نقول: سلِّم على زيد وعلى عمرو، كما تُسلِّم على المؤمنين، ونحو ذلك، وحينئذ فادِّعَاء أن التَّشبيه لِسَلامِه على عمرو وحْده دون زيد دعوى باطلة.
_________________
(١) سقط من (ب).
(٢) وقع في (ب) (لا تحتمل عليه العربية غيره).
(٣) في (ب، ش) (قيل: ليس هذا المثال بمطابق).
[ ٣٢١ ]
* وقالت طائفة أخرى: لا يلزم أن يكون المشبَّه به أعلى من المشبَّه، بل يجوز أن يكونا متماثلين، وأن يكون المشبَّه (^١) أعلى من المشبه به. قال هؤلاء: والنبي ﷺ أفضل من إبراهيم ﷺ من وجوه غير الصلاة، وإن كانا متساويين في الصلاة. قالوا: والدليل على أن المشبَّه قد يكون أفضل من المشبَّه به قول الشاعر (^٢):
بَنُونَا بَنُو أبْنَائِنا، وبَنَاتُنَا … بَنُوهُنَّ أبْنَاءُ الرِّجَالِ الأبَاعِدِ
وهذا القول أيضًا ضعيف من وجوه:
أحدها: أن هذا خلاف المعلوم من قاعدة تشبيه الشيء بالشيء، فإن العرب لا تشبه الشيء إلا بما (^٣) هو فوقه.
الثاني: أن الصلاة من الله تعالى من أجلِّ المراتب وأعلاها، ومحمد ﷺ أفضل الخلق (^٤)، فلا بدَّ أن تكون الصلاة الحاصلة له أفضل من كل صلاة تحصل لكلِّ (^٥) مخلوق، فلا يكون غيره مساويًا له فيها.
الثالث: أن الله سبحانه أمر بها بعد أنْ أخبر أنه وملائكته
_________________
(١) سقط من (ب) من قوله (به أعلى) إلى (يكون المشبه).
(٢) تقدم ص (٢٩٠).
(٣) في (ب) (بمن).
(٤) في (ب) (الخلائق).
(٥) في (ب) (من كل).
[ ٣٢٢ ]
يُصلُّون عليه (^١)، فأمر (^٢) بالصَّلاة والسلام عليه، وأكَّدَه بالتسليم، وهذا الخبر والأمر لم يثبتهما في القرآن لغيره من المخلوقين.
٢٩٧ - الرابع: أن النبي ﷺ قال: "إن الله وملائكته يصلون على معلِّم الناس الخير" (^٣)، وهذا لأن بتعليمهم الخير قد أنقذوهم من شرِّ الدنيا والآخرة، وتسبَّبُوا بذلك إلى فلاحهم وسعادتهم، وذلك سبب دخولهم في جملة المؤمنين الذين يصلي عليهم الله وملائكته. فلما تسبَّب مُعلِّموا الخير إلى صلاة الله وملائكته على مَنْ يُعلِّم منهم، صلى الله عليهم وملائكته، ومن المعلوم أنه لا أحد من معلمي الخير أفضل ولا أكثر تعليمًا من النبي ﷺ، ولا أنصح لأُمَّته، ولا أصبر على تعليمه منه، ولهذا نال أُمَّته من تعليمه لهم مالم تنله أُمَّة من الأُمَمِ سِواهم، وحصل للأُمَّة من تعليمه ﷺ (^٤) من العلوم النافعة والأعمال الصالحة ما صارت به خير أمة أخرجت للعالمين (^٥)، فكيف تكون (^٦) الصلاة على هذا الرسول المُعَلِّم للخير ﷺ مساوية للصلاة على مَنْ لم يماثله في هذا التعليم؟.
_________________
(١) سقط من (ظ، ت، ج) (عليه).
(٢) في (ح) (وأمر).
(٣) أخرجه الترمذي (٢٦٨٥)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٧٨) رقم (٧٩١٢) وغيرهما ورفعه خطأ، والصواب عن مكحول مرسلًا. أخرجه الدارمي في مسنده (١/ ٣٣٤) رقم (٢٩٧) وغيره.
(٤) وقع في (ت، ظ، ش، ح) (تعليمهم).
(٥) في (ح) (للناس).
(٦) سقط من (ظ).
[ ٣٢٣ ]
وأما استشهادهم بقول الشاعر على جواز كون المشبّه أفضل من المشبه به (^١) فلا يَدلُّ على ذلك، لأن قوله: "بنونا بنو أبنائنا" إما أن يكون المبتدأ فيه مؤخَّرًا والخبر مُقدَّمًا، ويكون قد شَبَّه بني أبنائه ببنيه، وجاز (^٢) تقديم الخبر هنا (^٣) لظهور المعنى، وعدم وقوع اللَّبْس؛ وعلى هذا فهو جار على أصل التشبيه. وإما أن يكون من باب عكس التشبيه، كما يُشَبَّه القمر بالوجه الكامل في حسنه، ويُشَبَّه الأسد بالكامل في شجاعته، والبحر بالكامل في جُوْده، تنزيلًا لهذا الرجل منزلة الأصل المشبه به، وتنزيلًا للقمر، والأسد، والبحر، منزلة (^٤) الفرع المشبه. وهذا يجوز إذا تضمَّن عكس التشبيه مثل هذا المعنى. وعلى هذا فيكون هذا الشاعر قد نَزَّلَ بنى أبنائه منزلة بنيه، وأنهم فوقهم عنده ثُمَّ شَبَّه بنيه بهم، وهذا قول طائفة من أهل المعاني.
والذي عندي فيه: أنَّ الشَّاعر لم يرد ذلك، وإنما أراد التَّفْريق بين بني (^٥) بنيه وبني (^٦) بناته، فأخبر أن بني بناته تبع لآبائهم، ليسوا بأبناء لنا، وإنما أبناؤنا بنو أبنائنا، لا بنو بناتنا، فلم يرد تشبيه بني بنيه ببنيه، ولا عكسه، وإنما أراد ما ذكرنا من المعنى، وهذا
_________________
(١) في جميع النسخ (المشبه به أفضل من المشبه)، لكن ليس في (ب) (به).
(٢) في (ب، ش) (وكان).
(٣) في (ب، ش) (لها).
(٤) سقط من (ظ) من قوله (الأصل) إلى (منزلة).
(٥) سقط من (ح) (بني).
(٦) في (ظ) (وبين).
[ ٣٢٤ ]
ظاهر.
* وقالت طائفة أخرى: إنَّ (^١) النبي ﷺ له من الصَّلاة الخاصة به التي لا يساويها صلاة ما لم يشركه فيها أحد، والمسؤول له إنما هو صلاة زائدة على ما أُعْطِيْه مضافًا إليه، ويكون ذلك الزائد مُشَبّهًا بالصلاة على إبراهيم، وليس بمستنكر أن يسأل للفاضل فضيلة أعطيها المفضول مُنْضَمًّا إلى ما اختصَّ به هو من الفضل الذي لم يحصل لغيره.
قالوا: ومثال ذلك: أن يعطي السلطان رجلًا مالًا عظيمًا، ويعطي غيره دون ذلك المال، فيسأل السلطان أن يُعْطِيَ صاحب المال الكثير مثل ما أعطى من هو دونه؛ لينضم ذلك إلى ما أُعطيه، فيحصل له من مجموع العطاءين أكثر مما يحصل من الكثير وحده.
وهذا أيضًا ضعيف؛ لأن الله تعالى أخبر أنه وملائكته يُصلُّون عليه، ثم أمر بالصَّلاة عليه، ولا ريب أن المطلوب من الله هو نظير (^٢) الصلاة المخبر بها، لا ما هو دونها، وهو أكمل الصلاة عليه وأرجحها، لا الصلاة المرجوحة (المفضولة.
وعلى قول هؤلاء: إنما يكون الطَّلب لصلاة مرجوحة) (^٣) لا راجحة، وإنما تصير راجحة بانضمامها إلى صلاة لم تطلب، ولا
_________________
(١) سقط (إنّ) من (ب، ح، ش).
(٢) تكررت في (ظ) (نظير).
(٣) سقط من (ب، ش) ما بين القوسين.
[ ٣٢٥ ]
ريب في فساد ذلك، فإن الصلاة التي تطلبها الأمة له ﷺ من ربه هي أجلُّ صلاةٍ وأفضلها.
* وقالت طائفة أخرى: التشبيه المذكور إنما هو في أصْل الصَّلاة، لا في قَدْرِها، ولا في كَيْفِيَّتها، فالمسؤول إنما هو (^١) راجع إلى الهيئة، لا إلى قدر (^٢) الموهوب. وهذا كما تقول للرجل: أحسن إلى ابنك كما أحسنت إلى فلان، وأنت لا تريد بذلك قدر الإحسان، وإنما تريد به (^٣) أصل الإحسان. وقد يُحْتَجُّ لذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧]، ولا ريب أنه لا يقدر أحد أن يحسن بقدر ما أحسن الله تعالى إليه، وإنما أريد به أصل الإحسان، لا قدره، ومنها قولة تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]، وهذا التشبيه في أصل الوحي، لا فى قدره وفضل (^٤) الموحى به، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)﴾ [الأنبياء: ٥]، إنما مرادهم جنس الآية لا نظيرها. وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور: ٥٥]، ومعلوم أنَّ كَيْفِيَّة الاستخلاف مختلفة، وأن ما لهذه الأُمَّة أكمل مِمَّا لغيرهم.
_________________
(١) سقط من (ب).
(٢) في (ب) (القدر).
(٣) سقط من (ب).
(٤) في (ب، ش) (والفضيلة).
[ ٣٢٦ ]
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، والتشبيه إنما هو في أصل الصوم، لا في عَيْنِهِ وقَدْرِه وكيْفِيَّتِهِ. وقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، ومعلوم تفاوت ما بين (^١) النشأة الأولى وهي المبدأ، والثانية وهي المعاد. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥)﴾ [المزمل: ١٥]، ومعلوم أن التشبيه في أصل الإرسال لا يقتضي تماثل الرسولين.
٢٩٨ - وقال النبي ﷺ: "لو أنكم تَتَوكَّلُون عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرزَقكُم كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْر تَغْدُو خِمَاصًا وتَرُوحُ بطَانًا" (^٢) فالتشبيه هنا في أصل الرزق، لا في قدره ولا كيفيته، ونظائر ذلك.
وهذا الجواب ضعيف أيضًا لوجوه:
منها أن ما (^٣) ذكروه يجوز أن يستعمل في الأعلى والأدنى والمساوي. فلو قلت: أحسن إلى ابنك (^٤) وأهلك كما أحسنت إلى
_________________
(١) في (ب) (تفاوة بين).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٣٤٤)، وأحمد (١/ ٣٠)، وابن حبان (٢/ ٥٠٩) (٧٣٠)، والحاكم (٤/ ٣١٨) رقم (٧٨٩٤) وغيرهم. والحديث صححه الترمذي وابن حبان والحاكم. قال علي بن المديني: "لم نجده إلا من هذا الوجه، وإسناده مصري، ورجاله معروفون عند أهل مصر". مسند الفاروق (٢/ ٦٣٧).
(٣) في (ب) فقط (ما ذكره).
(٤) في (ظ) غير منقوطة، وفي (ح) (فلان) بدلًا من (ابنك).
[ ٣٢٧ ]
مركوبك وخادمك ونحوه، جاز ذلك. ومن المعلوم أنه لو كان التشبيه في أصل الصلاة، لحسن أن نقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل أبي أوفى، أو كما صليت على آحاد المؤمنين ونحوه، أو كما صليت على آدم، ونوح، وهود، ولوط، فإن التشبيه عند هؤلاء إنما هو واقع في أصل الصلاة، لا في قَدْرها ولا صِفَتِها، ولا فَرْق في ذلك بين كلِّ من صلى عليه، وأيُّ مِزيَّة (^١) وفضيلة في ذلك لإبراهيم وآله، وما الفائدة حينئذ في ذكره وذكر آله؟ وكان الكافي في ذلك أن يقال: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد فقط.
الثاني: أن (^٢) ما ذكروه من الأمثلة ليس بنظير الصلاة على النبي ﷺ، فإن هذه الأمثلة نوعان: خبر، وطلب؛ فما كان منها خبرًا فالمقصود بالتشبيه به: الاستدلال والتقريب إلى الفَهْم وتقرير ذلك الخبر، وأنه مما لا ينبغي لعاقل إنكاره كنظير المشبَّه به، فكيف تنكرون الإعادة وقد وقع الاعتراف بالبداءة وهي نظيرها، وحكم النظير حكم نظيره، ولهذا يَحْتَجُّ سبحانه بالمبدأ على المعاد كثيرًا، قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾ [الأعراف: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩]،
_________________
(١) في (ح) ونسخة على حاشية (ب) (مزيَّة)، وفي (ب) (ميزية)، والباقي (ميزة).
(٢) في (ب) (ما ذكره).
[ ٣٢٨ ]
وهذا كثير في القرآن، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥)﴾ [المزمل: ١٥]، أي: كيف يقع الإنكار منكم وقد تقدم قبلكم رسل مِنِّي مبشِّرين ومنْذِرين، وقد علمتم حال من عَصَى رُسُلي كيف أخذتهم أخذا وبِيْلًا. وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [النساء: ١٦٣] الآية. أي: لستَ أوَّل رسول طرق العالم، بل قد تقدمت قبلك رسل أوحيت إليهم كما أوحيت إليك، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]، فهذا ردٌّ وإنكار على من أنكر رسالة النبي ﷺ مع مجيئه بمثل ما جاءت به الرسل قبله (^١) من الآيات، بل أعظم منها، فكيف تنكر رسالته؟ وليست من (^٢) الأمور التي لم تطرق العالم، بل لم تَخْلُ الأرض من الرسل وآثارهم، فرسولكم جاء على منهاج مَنْ تقدمه مِنَ الرسل في الرسالة لم يكن بدعًا.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥]، إخبار (^٣) من عادته سبحانه في خلقه وحكمته التي لا تبديل لها، أن من آمن (^٤) وعمل صالحا مُكِّنَ له في الأرض، واستخلفه فيها، ولم
_________________
(١) سقط من (ح) (قبله).
(٢) سقط من (ب) (من).
(٣) في (ب، ش) (إخبارًا).
(٤) في (ش) (أعمل وعمل صالحًا).
[ ٣٢٩ ]
يهلكه ويقطع دابره، كما أهلك من كذَّب رسله وخالفهم، وقطع دابره. فأخبرهم سبحانه عن حكمته ومعاملته لمن آمن برسله وصدقهم، وأنه يفعل بهم كما فعل بمن قبلهم من أتباع الرسل. وهكذا قول النبي ﷺ (^١): "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير" إخبارٌ (^٢) بأنه سبحانه يرزق المتوكلين عليه من حيث لا يحتسبون، وأنه لا يخليهم من رزق قط، كما ترون ذلك في الطير، فإنَّها تغدو من أوكارها خِمَاصًا، فيرزقها الله سبحانه، حتى ترجع بطَانًا من رزقه، وأنتم أكرم على الله من الطير ومن سائر الحيوانات، فلوَ توكَّلْتم عليه لرزقكم من حيث لا تَحْتَسِبُون، ولم يمنع أحدًا منكم رزقه، هذا فيما (^٣) كان من قبيل الإخبار.
وأما في قسم الطلب والأمر: فالمقصود منه التنبيه على العِلَّة، وأن الجزاء (^٤) من جنس العمل. فإذا قلت: عَلِّم كما عَلَّمَكَ الله، وأحسن كما أحسن (^٥) اللهُ إليك، واعف كما عفا الله عنك، ونحوه، كان (^٦) في ذلك تنبيه للمأمور على شكر النِّعْمة التي أنعم الله تعالى بها عليه، وأنه حَقِيْق أن يقابلها بمثلها، ويقيِّدها بشكرها، فإن جزاء تلك النعمة من جنسها، ومعلوم أنه يمتنع خطاب الرَّبِّ
_________________
(١) تقدم قريبًا برقم (٢٩٨).
(٢) في (ب، ش) (إخبارًا).
(٣) سقط من (ظ) (فيما كان).
(٤) في (ب) (الجزاء به من جنس ..).
(٥) في (ب) (أحسنك) وهو خطأ.
(٦) سقط من (ب).
[ ٣٣٠ ]
سبحانه بشيء من ذلك، ولا يَحْسُنُ في حقه، فيصير ذكر التشبيه لغوًا لا فائدة فيه، وهذا غير جائز.
الثالث: أن قوله: "كما صليت على آل إبراهيم" صِفَة لِمَصْدر محذوف، وتقديره: صلاة مثل صلاتك على آل إبراهيم، وهذا الكلام حقيقته أن تكون الصلاة مماثلة للصلاة المشبهة بها، فلا يُعْدَلُ عن حقيقة الكلام ووجهه.
* وقالت طائفة أخرى: إن هذا التشبيه حاصل بالنسبة إلى كُلِّ صلاةٍ صلاةٍ (^١) - من صلوات المصلِّين، فكلُّ مصلِّ صلى على النبي ﷺ بهذه الصلاة فقد طلب من الله تعالى أن يصلي على رسوله ﷺ صلاة مثل الصلاة الحاصلة لآل إبراهيم، ولا ريب أنه إذا حصل من كل مصلٍ طلب من الله تعالى له صلاة (^٢) مثل صلاته على آل إبراهيم حصل له ﷺ من ذلك أضعاف مضاعفة من الصلاة، لا تعد ولا تحصى، ولم يقاربه فيها أحد، فضلًا عن أن يساويه أو يفضله ﷺ.
ونظير هذا أن يعطي ملك لرجل ألف درهم، فيسأله كل واحد من رعيته أن يعطي لرجل آخر أفضل منه نظير تلك الألف، فكل واحد قد سأله أن يعطيه ألفًا، فيحصل له من الألوف بعدد كل
_________________
(١) من جميع النسخ، ووضع عليها ناسخ (ب) كلمة (صح) إشارة إلى صحة تكرارها.
(٢) سقط من (ب)، ووقع في (ش) (من الله لصلاة مثل، وفي (ت) (طلب له من الله صلاة مثل صلاته) وسقط من (ج) من (طلب) إلى (أضعاف).
[ ٣٣١ ]
سائل.
وأورد أصحاب هذا القول على أنفسهم سؤالًا: وهو أن التشبيه حاصل بالنسبة إلى أصل هذه الصلاة المطلوبة، وكل فرد من أفرادها، فالإشكال وارد كما هو.
وتَقْريرُه أنَّ العطِيَّة التي يُعْطاها الفاضل لا بدَّ أن تكون أفضل من العطية التي يعطاها المفضول، فإذا سئل له عطية دون ما يستحقه لم يكن ذلك لائقًا بمنصبه.
وأجابوا عنه بأن هذا الإشكال إنما يَرِدُ (^١) إذا لم يكن الأمر للتكرار، فأما إذا كان الأمر للتكرار، فالمطلوب من الأمَّة أن يسألوا الله سبحانه له صلاة بعد صلاة، كل منها نظير ما حصل لإبراهيم ﷺ، فيحصل له من الصلوات ما لا يحصى مقداره بالنسبة إلى الصلاة الحاصلة لإبراهيم ﵇.
وهذا أيضًا ضعيف، فإن التشبيه هنا إنما هو واقع في صلاة الله تعالى عليه، لا في معنى (^٢) صلاة- المصلي، ومعنى هذا الدعاء: اللهم أعطه نظير ما أعطيت إبراهيم، فالمسؤول له صلاة مساوية للصلاة على إبراهيم، وكلما تكرر هذا السؤال كان هذا معناه، فيكون كل مصل قد سأل الله تعالى أن يصلي عليه صلاة دون التي يستحقها، وهذا السؤال والأمر به متكرر، فهل هذا إلا تقوية لجانب الإشكال؟.
_________________
(١) في النسخ (يُراد). ولعل المثبت هو الصواب.
(٢) سقط من (ب، ش، ج).
[ ٣٣٢ ]
ثم إن التشبيه واقع في أصل الصلاة وأفرادها، ولا يغني جوابكم عنه بقضيَّة (^١) التكرار شيئًا، فإن التكرار لا يجعل جانب المشبه به أقوى من جانب المشبه، كما هو مقتضى التشبيه، فلو كان التكرار يجعله كذلك، لكان الاعتذار به نافعًا، بل التكرار يقتضي زيادة تفضيل المشبه وقوته، فكيف يشبه حينئذ بما هو دونه؟ فظهر ضعف هذا الجواب.
* وقالت طائفة أخرى: آل إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس في آل محمد مثلهم، فإذا طلب للنبي ﷺ ولآله من الصلاة مثل ما لإبراهيم وآله- وفيهم الأنبياء- حصل لآل النبي ﷺ من ذلك ما يليق بهم، فإنهم لا يبلغون مراتب الأنبياء، وتبقى الزيادة التي للأنبياء وفيهم إبراهيم لمحمد ﷺ، فيحصل له بذلك من المزِيَّة ما لم يحصل لغيره.
وتقرير ذلك: أن يجعل الصلاة الحاصلة لإبراهيم ولآله وفيهم الأنبياء جملة مقسومة على محمد ﷺ وآله، ولا ريب أنه لا يحصل لآل النبي ﷺ مثل ما حصل لآل إبراهيم، وفيهم الأنبياء، بل يحصل لهم ما يليق بهم، فيبقى قسم النبي ﷺ والزيادة المتوفرة التي لم يستحقها آله مختصَّة به ﷺ، فيصير الحاصل له من مجموع ذلك أعظم وأفضل من الحاصل لإبراهيم، وهذا أحسن من كل ما تقدمه.
_________________
(١) في (ب) (يقتضيه)، وفي (ظ) غير منقوطة.
[ ٣٣٣ ]
وأحسن منه أن يقال: محمد ﷺ هو من آل إبراهيم، بل هو خير آل إبراهيم، كما روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)﴾ [آل عمران: ٣٣]، قال ابن عباس:
٢٩٩ - "محمد من آل إبراهيم ﷺ" (^١).
وهذا نصٌّ، فإنه إذا دخل غيره من الأنبياء الذين هم من ذرية إبراهيم في آله، فدخول رسول الله- ﷺ أولى، فيكون قولنا: "كما صليت على آل إبراهيم" متناولًا للصلاة عليه، وعلى سائر النبيين من ذرية إبراهيم.
ثم قد أمرنا الله أن نصلي عليه وعلى آله خصوصًا بقدر ما صلينا عليه مع سائر آل إبراهيم عمومًا، وهو فيهم، ويحصل لآله من ذلك ما يليق بهم، ويبقى الباقي كله له ﷺ.
وتقرير هذا أنه يكون قد صلى عليه خُصُوصًا، وطلب له من الصلاة ما لآل إبراهيم، وهو داخل معهم، ولا ريب أن الصلاة الحاصلة لآل إبراهيم ورسول الله ﷺ معهم أكمل من الصلاة الحاصلة له دونهم، فيطلب له من الصلاة هذا الأمر العظيم الذي
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٦٣٥) رقم (٣٤١٤)، والطبري في تفسيره (٣/ ٢٣٤) وسنده حسن. ولفظه (هم المؤمنون من آل إبراهيم وآل عمران وآل ياسين، وآل محمد ﷺ).
[ ٣٣٤ ]
هو أفضل مما لإبراهيم قطعًا، ويظهر حينئذ فائدة التشبيه وجَرْيه على أصله، وأن المطلوب له من الصلاة بهذا اللفظ أعظم من المطلوب له بغيره، فإنه إذا كان المطلوب بالدعاء إنما هو مثل المشبه به، وله أوفر نصيب منه، صار له من المشبه المطلوب أكثر مما لإبراهيم وغيره، وانضاف إلى ذلك ما (^١) له من المشبه به من الحصَّة التي لم تحصل لغيره.
فظهر بهذا من فضله وشرفه على إبراهيم وعلى كُلٍّ مِنْ آله، وفيهم النبيون، ما هو اللائق به (^٢). وصارت هذه الصلاة دالة على هذا التفضيل وتابعة له، وهي من موجباته ومقتضياته، فصلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، وجزاه عَنَّا أفضل ما جزى نبيًّا عن أُمَّته، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
_________________
(١) في (ح) (مما).
(٢) سقط من (ب).
[ ٣٣٥ ]