٤٤٣ - قال إسماعيل بن إسحاق في كتابه (^١): حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة، حدثنا حسين بن علي -وهو (^٢) الجعفي- عن جعفر بن بُرْقان، قال: كتب عمر بن عبد العزيز: (أما بعد فإن أناسًا من الناس قد التمسوا الدنيا بعمل الآخرة، وإنَّ مِن القُصَّاص قد أحدثوا في الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عدل صلاتهم على النبي ﷺ، فإذا جاءك كتابي هذا فمُرْهم أن تكون صلاتهم على النَّبيِّين ودعاؤهم للمسلمين عامَّة، ويَدَعُوا ما سِوى ذلك).
والصلاة على النبي (^٣) ﷺ في هذا الموطن، لأنه موطن لتبليغ العلم الذي جاء به ونشره في أُمَّته، وإلقائه (^٤) إليهم، ودعوتهم إلى سُنَّته وطريقته ﷺ. وهذا من أفضل الأعمال وأعظمها نَفْعًا للعبد في الدنيا والآخرة.
_________________
(١) "فضل الصلاة على النبي ﷺ" رقم (٧٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٨٣) رقم (٣٥٠٨٣)، وسنده صحيح.
(٢) ليس في (ش).
(٣) في (ب، ش) (والصلاة عليه ﷺ).
(٤) في (ب، ش) (وألقى به).
[ ٤٩١ ]
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] وسواءٌ كان المعنى أنا، ومن اتبعني يدعو إلى الله على بصيرة، أو كان الوقف عند قوله: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ ثم يبتدئ: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ فالقولان متلازمان، فإنه أمره سبحانه أن يخبر أن سبيله الدعوة إلى الله، فمن دعا إلى الله تعالى فهو على سبيل رسوله ﷺ، وهو على بصيرة، وهو من أتباعه، ومن دعا إلى غير ذلك فليس على سبيله ولا هو على بصيرةٍ ولا هو من أتباعه.
فالدعوة إلى الله تعالى هي وظيفة المرسلين وأتباعهم، وهم خلفاء الرسل في أُمَمِهم والناس تبع (^١) لهم؛ والله سبحانه قد أمر رسوله أن يُبَلِّغ ما أُنْزل إليه، وضَمِنَ له حفظه وعصمته من الناس، وهكذا المبلِّغون عنه من أُمَّته لهم من حفظ الله (^٢) وعصمته إياهم بحسب قيامهم بدينه وتبليغهم له، وقد أَمَرَ النبي ﷺ بالتبليغ عنه ولو آية (^٣)، ودعا لمن بلغ عنه ولو حديثًا (^٤) .. وتبليغُ سُنَّته إلى الأُمَّة أفضل من تَبْليغ السِّهام إلى نُحُور العَدُوّ، لأن ذلك التبليغ
_________________
(١) في (ب، ش) (تبعًا).
(٢) في (ش، ت، ظ) (حفظ الله لهم).
(٣) فقال (بلغوا عني ولو آية). أخرجه البخاري في (٦٤) الأنبياء (٣٢٧٤).
(٤) فقال: (نضَّر الله امرأً سمع منَّا شيئًا فبلغه كما سمع …). أخرجه الترمذي (٢٦٥٧)، وابن ماجه (٢٣٢). قال الترمذي: حسن صحيح، وقد ورد عن جماعة من الصحابة.
[ ٤٩٢ ]
يفعله كثير من الناس، وأما تبليغ السنن فلا تقوم به إلا ورثة الأنبياء وخلفاؤهم في أُمَمِهم، جعلنا الله تعالى منهم بمنِّه وكرمه.
٤٤٤ - وهم كما قال فيهم عمر بن الخطاب في خطبته التي ذكرها ابن وضَّاح في كتاب "الحوادث والبدع" له (^١)، قال: "الحمد لله الذي امتَنَّ على العباد بأن جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويحيون بكتاب الله أهل العمى؛ كم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وضالٍ تائه قد هدوه، بذلوا دماءهم وأموالهم دون هلكة العباد، فما أحسن أثرهم على الناس! وأقبح أثر الناس عليهم! يقتلونهم (^٢) في سالف الدهر وإلى يومنا هذا، فما نسيهم ربك: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ [مريم: ٦٤]، جعل قصصهم هدى، وأخبر عن حسن مقالتهم. فلا تقصر عنهم، فإنهم في منزلة رفيعة وإن أصابتهم الوضيعة (^٣) ".
٤٤٥ - وقال عبد الله بن مسعود ﵁: "إن لله عند كل بدعةٍ كِيْدَ بها الإسلام وليًّا من أوليائه، يذب عنها، وينطق بعلاماتها، فاغتنموا حضور تلك المواطن، وتوكلوا على الله" (^٤).
_________________
(١) رقم (٣)، وسنده ضعيف، فيه انقطاع وجهالة.
(٢) في (ب) (يقتلون).
(٣) من (ظ) والمطبوع لابن وضاح، وفي (ب، ش) (المضيعة).
(٤) أخرجه ابن وضاح في البدع والنهي عنها رقم (٤)، وسنده ضعيف، فيه ضعْف، وانقطاع.
[ ٤٩٣ ]
٤٤٦ - ويكفي في هذا قول النبي ﷺ لعلي (^١) ولمعاذ (^٢) أيضًا ﵄: "لأنْ يَهْدِيَ اللهُ بكَ رَجُلًا واحِدًا خَيْر لَكَ مِن حُمْرِ النَّعَم".
٤٤٧ - وقوله ﷺ: "من أحيا شيئًا من سنتي كنت أنا وهو في الجنة كهاتين" وضم بين أصبعيه (^٣).
٤٤٨ - وقوله: "من دعا إلى هدى فأتبع عليه، كان له مثل أجر من تبعه إلى يوم القيامة" (^٤).
فمتى يُدْرِك العامل هذا الفَضْل العظيم، والحظَّ الجسيم بشيء مِن عمله، وإنما ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، فحقيق بالمبلِّغ عن رسول الله ﷺ الذي أقامه الله في هذا
_________________
(١) أخرجه البخاري في (٦٠) الجهاد (٢٧٨٣)، ومسلم في (٤٤) فضائل الصحابة (٢٤٠٦). من حديث سهل بن سعد ﵁.
(٢) سقط من (ظ) قوله (لعلي ولمعاذ أيضًا ﵄. وحديث معاذ أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٢٣٨)، وهو حديث منكر، فيه ضُبَارة بن عبد الله الشامي، مجهول، لم يرو عنه غير بقية، وأحاديثه تدلُّ على ضعفه. انظر: الكامل لابن عدي (٤/ ١٠٢)، وبين دُوَيْد ومعاذ انقطاع.
(٣) ذكره ابن وضاح في البدع رقم (٨) بدون سند، ولم أقف عليه. وجاء بلفظ: " .. ومن أحيا سنتي فقد أحبّني، ومن أحبّني كان معي في الجنة". أخرجه الترمذي (٢٦٧٨) وقال. "حسن غريب من هذا الوجه".
(٤) ذكره ابن وضاح في البدع رقم (٩) بدون سند. وورد بلفظ قريب منه عند ابن ماجه رقم (٢٠٥) وسنده ضعيف.
[ ٤٩٤ ]
المقام أن يفتتح كلامه بحمد الله تعالى، والثناء عليه، وتمجيده، والاعتراف له بالوحدانية، وتعريف حقوقه على العباد، ثم بالصَّلاة على رسول الله ﷺ وتمجيده، والثناء عليه، وأن يختمه أيضًا بالصَّلاة عليه ﷺ تسليمًا.