وهذا قد اختلف فيه، فقال الشافعي في "الأم" (^١): يصلي على النبي ﷺ في التشهد الأول. هذا هو المشهور من مذهبه، وهو الجديد (^٢)، لكنه يُسْتحَب، وليس بواجب، وقال في القديم: "لا يزيد على التشهد" وهذه رواية المزني عنه، وبهذا قال أحمد، وأبو حنيفة، ومالك، وغيرهم (^٣).
_________________
(١) (١/ ٢٧٠).
(٢) انظر: المجموع للنووي (٣/ ٤٤١).
(٣) انظر: الشرح الكبير على المقنع (٣/ ٥٤٠ - ٥٤١)، والبناية (٢/ ٢٣٧)، والمعونة للقاضي عبد الوهاب (١/ ٢٢٤).
[ ٤٢٤ ]
٣٦٤ - واحْتُجَّ لقول الشافعي بما رواه الدارقطني: من حديث موسى بن عبيدة، عن (^١) عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد: التحيات الطيبات الزاكيات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، ثم يصلي على النبي ﷺ (^٢).
٣٦٥ - وروى الدارقطني (^٣) أيضًا: من حديث عمرو بن شمر، عن جابر، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: "يا بريدة! إذا صليت في صلاتك فلا تتركن الصلاة علي (^٤) فإنها زكاة الصلاة" وقد تقدم.
قالوا: وهذا يَعُمُّ الجلوس الأوَّل والآخر.
واحْتُجَّ له أيضًا بأن الله تعالى أمر المؤمنين بالصلاة والتسليم على رسوله ﷺ، فدل على أنه حيث شُرِع التسليم عليه شُرِعت الصلاة عليه، ولهذا سأله الصحابة (^٥) عن كيفية الصلاة عليه، وقالوا: "قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ "، فدل
_________________
(١) في (ب) (وعبد الله …) وهو خطأ.
(٢) في السنن (١/ ٣٥١). وسنده واهي فيه خارجة بن مصعب، ضعيف لا يحتج بمفاريده، وموسى بن عبيدة، تقدم، وهو ضعيف. انظر: تهذيب الكمال (٨/ ١٦ - ٢٣).
(٣) في السنن (١/ ٣٥٥). وسنده واهي جدًا، وتقدم برقم (٣٦١).
(٤) في (ح) (عليَّ فيها فإنها) ولفظه (فيها) غير موجودة في السنن.
(٥) في (ح) (أصحابه).
[ ٤٢٥ ]
على أن الصلاة عليه مقرونة بالسلام عليه ﷺ، ومعلوم أن المصلي يسلم (^١) على النبي ﷺ، فيشرع له أن يصلِّي عليه.
قالوا: ولأنَّه مكان شرع فيه التشهد والتسليم على النبي ﷺ؛ فشرع فيه الصلاة عليه كالتشهد الأخير.
قالوا: ولأنَّ التشهد الأول محلٌّ يستحب فيه ذكر الرسول ﷺ؛ فاستحب فيه الصلاة عليه، لأنه أكمل في ذكره.
٣٦٦ - قالوا: ولأن في حديث محمد بن إسحاق: "كيف نصلي عليك إذا نحن جلسنا في صلاتنا؟ " (^٢).
وقال الآخرون: ليس التشهد الأول بمحل لذلك، وهو القديم من قولي (^٣) الشافعي رحمه الله تعالى، وهو الذي صحَّحَهُ كثير من أصحابه؛ لأن التشهد الأول تخفيفه مشروع.
٣٦٧ - وكان النبي ﷺ (^٤) إذا جلس فيه كأنه على
_________________
(١) في (ظ) (أن المصلي مسلم يصلي على ..) وفي (ب) (معلوم أن يسلم المتشهد) وفي (ش) (ومعلوم أن المسلم يصلي …)، وفي حاشية (ب) قال الناسح: صوابه .. (يسلّم المتشهد).
(٢) تقدم تحت رقم (١).
(٣) في (ب) (قول) وهو خطأ.
(٤) أخرجه الترمذي (٣٦٦)، وأبو داوود (٩٩٥)، والنسائى (١١٧٦)، وأحمد (١/ ٣٨٦) وغيرهم. من طريق أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود فذكره. قال الترمذي: "هذا حديث حسن، إلا أن أبا عبيدة، لم يسمع من أبيه".
[ ٤٢٦ ]
الرُّضْف (^١)، ولم يثبت عنه أنه كان يفعل ذلك فيه، ولا علَّمه للأُمَّة، ولا يُعْرف أنَّ أحدًا من الصَّحابة استحبَّه، ولأن مشروعية ذلك لو كانت كما ذكرتم من الأمر لكانت واجبة في المحل كما في الأخير؛ لِتناوُل الأمر لهما. ولأنه لو كانت الصلاة مستحبَّة في هذا الموضع؛ لَاسْتُحِبَّ فيه الصّلاة على آله ﷺ؛ لأن النبي ﷺ لم يفْرد نَفْسَه دون آله بالأمر بالصّلاة عليه، بل أمرهم بالصلاة عليه وعلى آله، في الصلاة وغيرها؛ ولأنه (^٢) لو كانت الصلاة عليه في هذا الموضع (^٣) مشروعة؛ لشرع فيها ذكر إبراهيم وآل إبراهيم، لأنها هي صفة الصلاة المأمور بها؛ ولأنها لو شرعت في هذا (^٤) الموضع؛ لشرع فيه الدعاء بعدها لحديث فضالة، ولم يكن فرق بين التشهد الأوَّل والأخير.
قالوا: وأما ما استدللتم به من الأحاديث؛ فمع ضعفها بموسى بن عبيدة، وعمرو بن شمر، وجابر الجعفي، لا تدل، لأن المراد بالتشهد فيها هو الأخير، دون الأول، بما ذكرناه من الأدلة، والله أعلم.
_________________
(١) الرُّضْف: هي الحجارة المحمَّاة بالنار أو الشمس، واحدتها: رَضْفة. انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (٤/ ١٢٥).
(٢) في (ب) (لأنه).
(٣) في (ظ) (هذه المواضع) وفي (ش) (في هذا المشروعة لشرع)، وهو خطأ.
(٤) في (ظ) (هذه المواضع مشروعة لشرع فيها).
[ ٤٢٧ ]