وقد اختلف في وجوبها كُلَّما ذُكِر اسمه ﷺ، فقال أبو جعفر الطحاوي (^١)، وأبو عبد الله (^٢) الحَلِيْمي (^٣): تجب الصلاة عليه ﷺ كلما ذكر اسمه. وقال غيرهما: إن ذلك مستحب، وليس بفرض يأثم تاركه.
ثم اختلفوا (^٤)؛ فقالت فرقة: تجب الصلاة عليه في العُمُرِ مَرَّةً واحدةً، لأن الأمر مطلق لا يقتضي تكرارًا، والماهية تحصل بمرة، وهذا محكي عن أبي حنيفة، ومالك، والثوري، والأوزاعي (^٥). وقال عياض (^٦) وابن عبد البر (^٧): وهو قول جمهور الأمّة.
وقالت فرقة: بل تجب في كل صلاة في تشهدها الأخير كما
_________________
(١) نقله عنه العيني في البناية شرح الهداية (٢/ ٣٢١).
(٢) في (ح) (عبيد الله) وهو خطأ.
(٣) انظر: الجامع لشعب الايمان (٤/ ١٨٣).
(٤) في (ب) إضافة (الماهية) بعد (اختلفوا).
(٥) انظر: تفسير القرطبي (١٤/ ٢٣٢ - ٣٣٣)، والبناية شرح الهداية (٢/ ٣٢٠)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/ ١٣٧).
(٦) في الشفا (٢/ ٦١ - ٦٣).
(٧) في التمهيد (١٦/ ١٩١).
[ ٤٥٣ ]
تقدم، وهو قول الشافعي، وأحمد في آخر الروايتين عنه، وغيرهما.
وقالت فرقة: الأمر بالصلاة عليه أمر استحباب، لا أمر إيجاب، وهذا قول ابن جرير وطائفة، وادعى ابن جرير فيه الإجماع (^١). وهذا على أصله، فإنه إذا رأى الأكثرين على قول، جعله إجماعًا يجب اتباعه، والمقدمتان هنا باطلتان.
واحتج الموجبون بحجج:
٤٠٧ - الحجة الأولى: حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي (^٢) ﷺ: "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي"، صححه الحاكم وحسنه الترمذي.
ورغم أنفه: دعاء عليه وذم له، وتارك المستحب لا يذم، ولا يدعى عليه.
٤٠٨ - الحجة الثانية: حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ؛ أنه صعد المنبر فقال: "آمين، آمين، آمين" فذكر الحديث المتقدم في أول الكتاب وقال فيه: "من ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات فدخل النار فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين"، رواه ابن حبان في "صحيحه" (^٣).
_________________
(١) في تهذيب الآثار ص (٢٢٤ - ٢٢٩ في القسم المفقود).
(٢) تقدم برقم (٢٥). تنبيه: سقط من (ب) من قوله (رغم أنف رجل) إلى قوله (عن النبي ﷺ).
(٣) تقدم برقم (٢٦)، ولفظة (فمات فدخل النار ..) غريبة جدًا.
[ ٤٥٤ ]
وقد تقدمت الأحاديث في هذا المعنى من رواية أبي هريرة (^١)، وجابر بن سمرة (^٢)، وكعب بن عجرة (^٣)، ومالك بن الحويرث (^٤)، وأنس بن مالك (^٥)، وكل منها حجة مستقلة، ولا ريب أن الحديث بتلك الطرق (^٦) المتعددة يُفِيْدُ الصِّحَّة.
٤٠٩ - الحجة الثالثة: ما رواه النسائي (^٧): عن محمد بن المثنى، عن أبي داود، عن المغيرة بن مسلم، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: "من ذكرت عنده فليصل علي، فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرًا ﷺ".
وهذا إسناد صحيح، والأمْرُ ظاهِرُهُ (^٨) الوجوب.
٤١٠ - الحجة الرابعة: ما رواه ابن حبان في "صحيحه" (^٩): من حديث عبد الله بن علي بن حسين، عن علي بن حسين، عن
_________________
(١) تقدم برقم (٢٧).
(٢) تقدم برقم (١٢٢).
(٣) تقدم برقم (٣).
(٤) تقدم برقم (١٢٣).
(٥) تقدم برقم (٥١).
(٦) سقط من (ب، ش).
(٧) تقدم تخريجه رقم (٤٧)، وعلَّته الانقطاع؛ لأن أبا إسحاق لم يسمع من أنس.
(٨) من (ظ) وفي باقي النسخ (ظاهر في الوجوب).
(٩) تقدم برقم (٩٤).
[ ٤٥٥ ]
أبيه، عن النبي ﷺ قال: "إن البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي"، ورواه الحاكم في "صحيحه"، والنسائي والترمذي. قال ابن حبان: "هذا أشبه شيء روي عن الحسين بن علي، وكان الحسين ﵁ حين قُبضَ النبي ﷺ ابن سبع سنين إلا أشهرًا (^١)، وذلك أنه ولد لليال خلون من شعبان سنة أربع، وابن (^٢) ست سنين وأشهرًا، إذا كانت لغته عربية (^٣) يحفظ الشيء بعد الشيء".
وقد تقدمت الأحاديث في هذا المعنى والكلام عليها.
٤١١ - قال أبو نعيم: حدثنا أحمد بن عبد الله، حدثنا الحارث ابن محمد، حدثنا عبيد الله بن عائشة (^٤)، حدثنا حماد، عن أبي الهلال العنزي، قال: حدثني رجل في مسجد دمشق، عن عوف بن مالك الأشجعي؛ أن رسول الله ﷺ قعد إلى أبي ذر (^٥)، أو قعد أبو ذر -فذكر حديثًا طويلًا- وفيه: قال رسول الله ﷺ: "إن أبخل الناس من ذكرت عنده، فلم يصل علي" (^٦).
٤١٢ - وقال قاسم بن أصبغ: حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا
_________________
(١) في (ش) (شهرًا).
(٢) في (ب) (فابن).
(٣) من (ب)، وفي باقي النسخ (العربية)، وسقط من (ج) (الشيء) الثانية.
(٤) في (ب، ش) (عامر).
(٥) سقط من (ح)، قوله (إلى أبي ذر).
(٦) تقدم برقم (١٣٣).
[ ٤٥٦ ]
جرير بن حازم، قال: سمعت الحسن يقول: قال رسول الله ﷺ: "بحسب المؤمن من البخل أن أذكر عنده فلم يصل علي" (^١).
٤١٣ - وقال سعيد بن منصور: حدثنا هشيم، عن أبي حرّة، عن الحسن، قال: قال رسول الله ﷺ: "كفى به شحًّا أن أذكر عنده فلا يصلي علي ﷺ" (^٢).
قالوا: فإذا (^٣) ثبت أنه بخيل فوجه الدلالة له من وجهين:
أحدهما: أنّ البُخْل اسم ذمٍّ، وتارك المستحب لا يستحق اسم الذم. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [الحديد: ٢٣ - ٢٤]، فقُرِنَ البُخل بالاختيال والفخر، والأمْرِ بالبخل، وذَمَّ على المجموع، فدلَّ على أن البخل صفة ذمٍّ، وقال النبي ﷺ:
٤١٤ - "وأيُّ دَاءٍ أدْوَأُ مِنَ البُخْلِ" (^٤).
الثاني: أن البخيل هو: مانع ما وجب عليه. فمن أدَّى الواجب عليه كله لم يُسَمَّ بخيلًا، وإنما البخيل مانع ما يستحق عليه إعطاؤه وبذله.
_________________
(١) تقدم برقم (١٥٠).
(٢) تقدم برقم (١٥١).
(٣) في (ظ، ت، ج) (فأثبت أنه بخيل فوجه الدلالة من وجهين:).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه في (٦١) الخمس (٢٩٦٨) واللفظ له، ومسلم في (٤٣) الفضائل (٢٣١٤) ولم يذكر هذه اللفظة. من حديث جابر بن عبد الله، وله طرق أخرى عن جابر.
[ ٤٥٧ ]
الحجة الخامسة: أن الله ﷾ أمر بالصلاة والتسليم عليه، والأمر المطلق للتكرار، ولا يمكن أن يقال: التكرار هو في كل وقت (^١)، فإن الأوامر المُكَرَّرَة إنما تَتكرَّرُ في أوقاتٍ خاصَّة، أو عند شروط وأسباب تقتضي تكرارها، وليس وقت أولى من وقت؛ فتكرر المأمور به (^٢) بتكرر ذكر النبي ﷺ أولى لما تقدم من النصوص.
فهنا ثلاث مقدمات:
الأولى: أن الصلاة مأمور بها أمرًا مطلقًا، وهذه معلومة.
المقدمة الثانية: أن الأمر المطلق يقتضي التكرار، وهذا مختلف فيه، فنفاه طائفة من الفقهاء والأصوليين، وأثبته طائفة، وفَرَّقت طائفة بين الأمر المُطْلق، والمعلَّق على شرط أو وقْتٍ، فأثبتت التِّكْرار في المعلَّق دون المطلق، والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد والشافعي، وغيرهما (^٣). ورجَّحت هذه الطائفة التكرار بأنَّ عامَّة أوامر الشَّرع على التِّكرار، كقوله تعالى: ﴿آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾
_________________
(١) في (ب، ش) (وقتٍ وقت).
(٢) من (ت) قوله (به) وسقط من بقية النسخ، ووقع في (ح) (بتكرار ذكر …).
(٣) انظر الكلام في ذلك: أصول السرخسي (١/ ٢١ - ٢٥)، والإبهاج شرح المنهاج للسبكي وولده (٢/ ٥٤ - ٥٦)، وإحكام الفصول في أحكام الأصول لأبي الوليد الباجي ص ٨٩ - ٩٦، والفصول في الأصول للجصاص (٢/ ١٣٣ - ١٤٤)، وإرشاد الفحول للشوكاني ص ١٨٧، وقواطع الأدلة للسمعاني (١/ ٦٥ - ٧٥) وغيرها.
[ ٤٥٨ ]
[البقرة: ٢٠٨]، ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، وقوله تعالى: ﴿وَخَافُونِ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: ١٥٠]، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ [الحج: ٧٨]، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ [النحل: ٩١]، ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: ٣٤]، وقوله تعالى في اليتامى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥]، وقوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، وقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]، وقوله: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣]، وقوله: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. وذلك في القرآن أكثر من أن يُحْصَر، وإذا كانت أوامر الله ﷿ ورسوله ﷺ على التكرار حيث وردت إلا في النادر، عُلِم أن هذا عُرْف خطاب الله ورسوله للأمة، والأمر وإن لم يكن في لفظه المُجَرَّد ما يؤذِن بتكرار ولا فوْر، فلا ريب أنه في عُرْف خِطَاب الشَّارع (^١) للتكرار، فلا يحمل كلامه إلا على عُرْفِهِ والمألوف من
_________________
(١) في (ب) (التنازع) وهو خطأ، وسيتكرَّر هذا الخطأ في موضعين آتيين.
[ ٤٥٩ ]
خطابه؛ وإن لم يكن ذلك مفهومًا من أصْل الوضْع (^١) في اللُّغة، وهذا كما قلنا: إنَّ الأمْر يقتضي الوجوب، والنهي يقتضي الفساد. فإن هذا معلوم من خطاب الشارع، وإن كان لا تَعرُّض لصحَّة (^٢) المنْهيِّ ولا لفَسَاده (^٣) في أصل موضوع اللغة. وكذا خطاب الشارع لواحد من الأمة يقتضي بعُرْفه (^٤) الخاص أن يكون اللفظ متناولًا له، ولأمثاله (^٥)، وإن كان موضوع اللفظ لغة لا يقتضي ذلك، فإن هذا لغة صاحب الشرْع وعُرْفه في مصادر كلامه وموارده، وهذا معلوم بالاضطرار من دينه قبل أن يُعْلم (^٦) صحَّة القياس واعتباره وشروطه، وهكذا فالفرق بين اقتضاء اللفظ، وعدم اقتضائه الغة، وبين اقتضائه) (^٧) في عرف الشارع وعادة خطابه.
المقدمة الثالثة: أنه (^٨) إذا تكرر المأمور به، فإنه لا يتكرر إلا بسبب أو وقت، وأولى الأسباب المقتضية لتكراره ذكر اسمه ﷺ، لإخباره برغم أنف من ذكر عنده فلم يصل عليه، وللإسْجَال (^٩) عليه
_________________
(١) في (ب) (اللفظ).
(٢) في (ب، ش، ج) (بصحة).
(٣) في (ش، ظ، ت، ج) (ولا فساده).
(٤) من (ب)، وفي باقي النسخ (معرفة).
(٥) ليس في (ب).
(٦) في (ب) (تعلُّم).
(٧) سقط من (ب) ما بين القوسين.
(٨) ليس في (ب، ش، ج) (أنه)، وسقط من (ج) (المقدمة).
(٩) أصْل السَّجْل، الدلو العظيم، والمراد: صبّ عليه البخل صبًّا. انظر: أساس =
[ ٤٦٠ ]
بالبخل وإعطائه اسمه.
قالوا: ومما يُؤيِّد ذلك أن الله سبحانه أمَرَ عباده المؤمنين بالصَّلاة عليه عَقِب إخباره لهم بأنه سبحانه وملائكته يصلون عليه (^١) ومعلوم أن هذه الصلاة من الله تعالى وملائكته عليه ﷺ (^٢) لم تكن مرَّة وانقطعت، بل هي صلاة متكررة، ولهذا ذَكَرها مُبيِّنًا بها فضله وشرفه وعلو منزلته عنده، ثم أمر (^٣) المؤمنين بها، فتكرارها في حقِّهم أحقّ وآكد لأجْل الأمْر.
قالوا: ولأن الله تعالى أكَّد السَّلام بالمصْدر الذي هو التَّسْلِيْم، وهذا يقتضي المبالغة والزيادة في كِمِّيَّتِهِ، وذلك بالتكرار.
قالوا: ولأن لفظ الفعل المأمور به يدلُّ على التَّكْثيْر، وهو (^٤) "صلَّى وسَلَّم" فإن "فَعَّل" المشدَّد يدل على تكرار الفعل، كقولك: كَسَّر الخبز، وقطَّعَ اللحم، وعلَّم الخير، وشدَّد في كذا، ونحوه.
قالوا: ولأن الأمر بالصلاة عليه في مُقابلة (^٥) إحسانه ﷺ إلى الأمَّة، وتعليمهم وإرشادهم وهدايتهم، وما حصل لهم ببركته من سعادة الدنيا والآخرة، ومعلوم أن مقابلة مثل هذا النفع العظيم لا
_________________
(١) = البلاغة للزمخشري ص ٢٠٣. تنبيه: في (ج) (والاسجال).
(٢) سقط من (ش) (عليه).
(٣) سقط من (ح) من قوله (ومعلوم) إلى ﷺ.
(٤) في (ب) (أمره).
(٥) في (ب) (وهو التكرير صلَّى وسلَّم).
(٦) في (ح) (مقابل).
[ ٤٦١ ]
يحصل بالصَّلاة عليه مرة واحدة في العُمُر، بل لو صلَّى العبد عليه بِعَدَدِ أنْفَاسِه لم يكن مُوَفِّيًّا لحقه ولا مؤدِّيًا لنعمته، فجعل ضابط شكر هذه النعمة بالصلاة عليه عند ذكر اسمه ﷺ.
قالوا: ولهذا أشار النبي ﷺ إلى ذلك بتسْميةِ (^١) من لم يُصَلِّ عليه عند ذكره بخيلًا، لأن من أحسن إلى العبد الإحسان العظيم، وحصل له به هذا (^٢) الخير الجسيم، ثم يُذكَرُ عنده ولا يثني عليه، ولا يبالغ في حمده (^٣) ومدحه وتمجيده، ويبدي ذلك ويعيده، ويعتذر من التقصير في القيام بشكره وحقه؛ عَدَّه الناس بخيلًا لَئِيْمًا كَفُورًا، فكيف بمن أدْنى إحسانه إلى العبد يَزِيْدُ على أعظم إحسان المخلوقين بعضهم لبعض، الذي بإحسانه حصل للعبد خير الدنيا والآخرة، ونجا من شرِّ الدنيا والآخرة، الذي لا تَتَصوَّر القلوبُ حقيقةَ (^٤) نعمته وإحسانه، فضلًا عن أن يقوم بشكره، أليس هذا المنعم المحسن أحق بأن يُعظَّم ويُثْنَى عليه، ويُسْتفْرَغَ الوُسْع في حمده ومدحه إذا ذُكر بين الملأ؟ فلا أقلَّ من أنْ يُصَلَّى عليه مرَّةً إذا ذكر اسمه ﷺ.
قالوا: ولهذا دعا عليه النبي ﷺ برغم أنفه، وهو أن يُلْصَقَ أنفه بالرّغام وهو التُّراب، لأنه لما ذكر عنده فلم يصل عليه استحق
_________________
(١) في (ح) (بتسميته).
(٢) سقط من (ب) (هذا).
(٣) في (ب، ش) (في مدحه وحمده).
(٤) في (ظ، ت) (حقيقته)، وفي (ج) (الذي لا يتصور حقيقة نعمته).
[ ٤٦٢ ]
أن يذلَّه الله، ويلصق أنفه بالتُّراب.
وقالوا: ولأن الله سبحانه نهى الأُمَّة أن يجعلوا دعاءَ الرسول بينهم كدُعاء بعضهم بعضًا، فلا يُسمُّونه إذا خاطبوه باسمه كما يسمي بعضهم بعضًا، بل يدعوه (^١) برسول الله ونبي الله، وهذا من تمام تَعْزِيره وتَوْقِيره وتعْظِيمه، فهكذا ينبغي أن يُخَصَّ باقتران اسمه بالصلاة عليه، ليكون ذلك فَرْقًا بينه وبين ذِكْر غيره، كما كان الأمر بدعائه بالرسول والنبي فَرْقًا بينه وبين خطاب غيره، فلو كان عند ذكره لا تجب الصلاة عليه كان ذكره كذكر غيره في ذلك. هذا على أحد التفسيرين في الآية.
وأما على التفسير الآخر، وهو أن المعنى لا تجعلوا دُعاءَه إِيَّاكُم كدعاء بعضكم بعضًا، فتؤخِّرُوا الإجابة بالاعتذار والعلل التي يؤخِّر بها بعضكم إجابة بعض، ولكن بادروا إليه إذا دعاكم بسرعة الإجابة، ومعاجلة الطاعة، حتى لم يجعل اشتغالهم بالصلاة عذرًا لهم في التخلف عن إجابته، والمبادرة إلى طاعته، فإذا لم تكن الصلاة التي فيها شغل عذرًا يستباح به (^٢) تأخير إجابته فكيف ما دونها من الأسباب والأعذار؟ فعلى هذا يكون المصدر مضافًا إلى الفاعل، وعلى القول الأول يكون مضافًا إلى المفعول.
وقد يقال -وهو أحسن من القولين-: إنَّ المصدر هنا لم
_________________
(١) في (ح) (بل يدعونه).
(٢) في (ح) (بها) وهو خطأ.
[ ٤٦٣ ]
يضف إضافته إلى فاعل ولا مفعول، وإنما أُضيف إضافة الأسماء المَحْضَة، ويكون المعنى: لا تجعلوا الدعاء المُتَعلِّق بالرسول المضاف إليه كدعاء بعضكم بعضًا. وعلى هذا فيعُم الأمْرَين معًا، ويكون النهي عن دعائهم له باسمه، كما يدعو بعضهم بعضًا، وعن تأخير إجابته ﷺ. وعلى كل تقدير فكما أمر الله سبحانه بأن يُمَيَّز عن غيره في خطابه، ودعائه إياهم، قيامًا للأُمَّة بما يجب عليهم من تعظيمه وإجلاله، فتمييزه بالصلاة عليه عند ذكر اسمه من تمام هذا المقصود (^١).
قالوا: وقد أخبر النبي ﷺ أن من ذكر عنده فلم يصل عليه خَطِئَ طريق الجنة، هكذا رواه البيهقي (^٢)، وهو من مراسيل محمد بن الحنفية، وله شواهد قد ذكرناها في أول الكتاب (^٣)، فلولا أن الصلاة عليه واجبةٌ عند ذكره لم يكن تاركها (^٤) مخطئًا لطريق (^٥) الجنة.
قالوا: وأيضًا فمن ذكر النبي ﷺ أو ذكر عنده فلم يصل عليه فقد جفاه، ولا يجوز لمسلم جفاؤه ﷺ.
٤١٥ - فالدليل على المقدمة الأولى ما رواه أبو (^٦) سعيد بن
_________________
(١) في (ت، ظ، ج) (من تمام الصلاة).
(٢) تقدم برقم (١٥٧)، وراجع رقم (١٥٦).
(٣) راجع رقم (٢٧، ٤٧، ٨٧، ١٥٥، ١٥٧).
(٤) في (ب) (لم تكن تاركًا) وهو خطأ.
(٥) في (ب) (بطريق).
(٦) سقط من (ح) (أبو).
[ ٤٦٤ ]
الأعرابي: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من الجفاء أن أذكر عند الرجل فلا يصلي علي" ﷺ (^١). ولو تركنا وهذا المُرْسَل وحْده لم نحتجّ به، ولكن له أصول وشواهد قد تقدمت من تسمية تارك الصلاة عليه عند ذكره بخيلًا وشحيحًا، والدعاء عليه بالرغم، وهذا من موجبات جفائه.
والدليل على المقدمة الثانية: أن جفاءَه منافٍ لكمال حُبِّه، وتقديم محبته على النفس والأهل والمال، وأنه أولى بالمؤمن من نفسه؛ فإن العبد لا يؤمن (^٢) حتى يكون رسول الله ﷺ أحب إليه من نفسه، ومن ولده، ووالده، والناس أجمعين، كما ثبت عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال:
٤١٦ - يا رسول الله! والله لأنْتَ أَحَبُّ إليَّ مِنْ كلِّ شيءٍ إلَّا مِنْ نَفْسِي. قال: "لَا يَا عُمَر! حَتَّى أكُوْنَ أحَبَّ إليكَ مِنْ نَفْسِك". قال: فَوَالله لأنْتَ الآنَ أحَبُّ إليَّ مِنْ نَفْسِي. قال: "الآنَ يَا عُمَر" (^٣).
٤١٧ - وثبت عنه في "الصحيح" (^٤) أنه قال: "لا يُؤْمِنُ أحَدُكُم
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه كما في كنز العمال (١/ ٤٩١) رقم (٢١٥٦) والموجود في المطبوع (عن محمد بن على أبي جعفر مرسلًا، المصنف (٢/ ٢١٧).
(٢) (سقط من (ب، ج) (لا يؤمن)، ووقع في (ب) (فإن المؤمن).
(٣) أخرجه البخاري في (٨٦) الأيمان والنذور (٦٢٥٧) من حديث عبد الله بن هشام ﵁.
(٤) أخرجه البخاري في (٢) الإيمان رقم (١٥)، ومسلم في (١) الإيمان رقم =
[ ٤٦٥ ]
حتى أكُونَ أحبَّ إليْه مِن ولَدِه ووالدِه والنَّاسِ أجْمَعِيْن".
فذكر في هذا الحديث أنواع المحبَّة الثلاثة، فإنَّ المحبَّة إمَّا محبَّة إجلال وتعظيم؛ كمحبَّه الوالد، وإمَّا محبَّة تحنُّن (^١) وَودّ ولطف؛ كمحبَّة الولد، وإمّا محبَّة لأجْل الإحسان وصفات الكمال؛ كمحبَّة الناس بعضهم بعضًا، ولا يؤمن العبد حتى يكون حُبُّ الرَّسولِ ﷺ عنده أشدَّ من هذه المحابِّ كلِّها.
ومعلوم أن جَفَاءَه ﷺ ينافي ذلك.
قالوا: فلمَّا كانت مَحبَّته (^٢) فرضًا، وكانت توابعها من الإجلال والتعظيم والتوقير والطاعة والتقديم على النفس، وإيثاره بنفسه بحيث يقي نفسه بنفسه = فرضًا؛ كانت الصلاة عليه ﷺ إذا ذكر من لوازم هذه الأُحَبِّيَّة وتمامها. قالوا (^٣): وإذا ثبت بهذه الوجوه وغيرها وجوب الصلاة عليه ﷺ على من ذكر عنده، فوجوبها على الذاكر نفسه أولى، ونظير هذا أن سامع السجدة إذا أُمِرَ بالسُّجود إمَّا وجوبًا أو استحبابًا على القولين (^٤)، فوجوبها على التَّالي أوْلى. والله أعلم.
_________________
(١) = (٤٤). من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٢) من (ح)، وفي باقي النسخ (تحسين).
(٣) من (ظ، ج) فقط، وفي باقي النسخ (أحبيّته).
(٤) سقط من (ب، ش، ح)، (قالوا).
(٥) سقط من (ظ) فقط قوله (على القولين).
[ ٤٦٦ ]
فصل
قال نفاة الوجوب: الدليل على قولنا وجوه (^١):
أحدها: أنه (^٢) من المعلوم الذي لا ريب فيه: أن السلف الصالح الذين هم القدوة لم يكن أحدهم كُلَّما ذُكرَ ﷺ يقرن الصلاة عليه باسمه، وهذا في خطابهم للنبي ﷺ أكثر من أن يُذْكر، فإنهم كانوا يقولون: يا رسول الله، مقتصرين على ذلك، وربما كان يقول أحدهم: "صلَّى اللهُ عليك"، وهذا في الأحاديث ظاهر كثير، فلو كانت الصلاة عليه واجبةً عند ذكره لأنكر عليهم تَرْكها.
الثاني: أنَّ الصَّلاة عليه لو كانت واجبةً كلما ذُكِرَ لكان هذا من أظهر الواجبات، ولَبَيَّنه النَّبي صلى الله تعالى عليه وسلم لأُمَّته بيانًا يقطع العِلَّة، وتقوم به الحُجَّة.
الثالث: أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم هذا القول، ولا يُعْرف (^٣) أحد منهم قال له، وأكثر الفقهاء، بل قد حكي الإجماع على أن الصلاة عليه ﷺ ليست من فروض الصلاة، وقد نسب القول بوجوبها إلى الشذوذ، ومخالفة الإجماع السابق، كما تقدم، فكيف تجب خارج الصلاة.
_________________
(١) وقع في (ح) فقط (من وجوه).
(٢) في (ح) (أن).
(٣) في (ظ) (ولا يُعْرَف أنَّ أحدًا منهم).
[ ٤٦٧ ]
الرابع: أنه لو وجبت الصلاة عليه عند ذكره دائمًا، لوجب على المؤذن أن يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ، وهذا لا يشرع له في الأذان فضلًا أن يجب عليه.
الخامس: أنه كان يجب على من سمع النداء وأجابه أن يصلي عليه ﷺ، وقد أمر ﷺ السامع أن يقول كما يقول المؤذن، وهذا يَدُلُّ (^١) على جواز اقتصاره على قوله: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله"، فإن هذا هو (^٢) مثل ما (^٣) يقول (^٤) المؤذن.
السادس: أن التشهد (^٥) الأول ينتهى عند قوله: "وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله" اتفاقًا (^٦)، واختلف هل يشرع أن يصلي على النبي ﷺ وعلى آله فيه، على (^٧) ثلاثة أقوال:
أحدها: لا يشرع ذلك إلا في الأخير (^٨).
والثاني: يشرع.
_________________
(١) في (ظ) (وهذا دليل على جواز …).
(٢) من (ب، ش، ت) (هو).
(٣) سقط من (ب)، (ج).
(٤) من (ظ)، وفي باقي النسخ (قال).
(٥) في (ب) (تشهد) وهو خطأ.
(٦) سقط من (ب).
(٧) من (ح) فقط قوله (على).
(٨) في (ب) (التأخير) وهو خطأ.
[ ٤٦٨ ]
والثالث: تشرع الصلاة عليه خاصة دون آله. ولم يقل أحد بوجوبها في الأول عند ذكر النبي ﷺ.
السابع: أن المسلم إذا دخل في الإسلام بتلفظه بالشهادتين لم يحتج أن يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ.
الثامن: أن الخطيب في الجُمَع والأعياد وغيرهما لا يحتاج أن يصلي على النبي ﷺ في نفس التشهد، ولو كانت الصلاة واجبة عليه عند ذِكْرِه لوجب عليه أن يقرنها بالشهادة، ولا يقال: تكفي الصلاة عليه في الخطبة، فإن تلك الصلاة لا تنعطف على ذكر اسمه عند الشهادة (^١)، ولاسيما مع طُوْل الفَصْل، والموجبون يقولون: تجب الصلاة عليه كُلَّما ذُكِر، ومعلوم أن ذكره ثانيًا غير ذكره أولًا.
التاسع: أنه لو وجبت (^٢) الصلاة عليه كلما ذكر لَوَجَبَ (^٣) على القارئ كلما مَرَّ بذكر اسمه أن يصلي عليه، ويقطع لذلك قراءته ليؤدي هذا الواجب، وسواء كان في الصلاة أو خارجها، فإن الصلاة عليه ﷺ لا تبطل الصلاة، وهي واجب قَدْ تعيَّن فلزم أداؤُه، ومعلوم أن ذلك لو كان واجبًا لكان الصحابة والتابعون أقوم به وأسرع إلى أدائه وترك إهماله.
_________________
(١) سقط من (ب، ش) من قوله (ولا يقال تكفي الصلاة …) -إلى- (الشهادة).
(٢) في (ظ) (لو وجب)، وفي (ب) (أنه لوجبت).
(٣) وقع في (ح) (لَوَجَبَتْ).
[ ٤٦٩ ]
العاشر: أنه لو وجبت الصلاة عليه كُلَّما ذُكِرَ لوجب الثناء على الله ﷿ كُلَّما ذُكِر اسمه، فكان يجب على كل (^١) مَنْ (^٢) ذكر اسم الله أن يَقْرِنَه بقوله: "﷾" أو "﷿" أو "﵎" أو "جلَّت عَظَمته" أو "تعالى جدُّه" ونحو ذلك، بل كان ذلك أوْلى وأحْرى، فإن تعظيمَ الرَّسولِ وإجلالَهُ ومَحَبَّتَهُ وطاعَتَهُ تابعٌ لتعظيم مرسله سبحانه وإجلاله ومحبته وطاعته، فمحال أن تثبت المحبَّة والطَّاعة والتَّعظيم والإجلال للرسول ﷺ دون مرسله، بل إنما يثبت له (^٣) ذلك تبعًا لمحبَّة الله تعالى وتعظيمه وإجلاله، ولهذا كان (^٤) طاعة الرسول طاعة لله، فمن يطع الرسول فقد أطاع الله، ومبايعته مبايعة لله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، ومحبَّته محبّه لله، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وتعظيمُه ﷺ تعظيمًا لله، ونصرته نصرةٌ لله، فإنه رسوله وعبْده الدَّاعي إليه وإلى طاعته ومحبته وإجلاله، وتعظيمه وعبادته وحده لا شريك له، فكيف يقال: تجب الصلاة عليه كُلَّما (^٥) ذُكِرَ اسْمُه، وهي ثناء وتعظيم كما تقدم، ولا يجب الثناء والتعظيم للخالق ﷾
_________________
(١) من (ظ) وسقط من باقي النسخ.
(٢) من (ظ، ت، ح، ج) ونسخة (ظ) على حاشية (ب).
(٣) في (ح) (يثبت ذلك له).
(٤) في (ح) (كانت).
(٥) سقط من (ب).
[ ٤٧٠ ]
كُلَّما ذكر اسمه؟! هذا محالٌ من القول.
الحادي عشر: أنه لو جلس إنسانٌ ليس له هِجِّيْرَى (^١) إلا قوله: محمد رسول الله، أو اللهم صل على محمد وعلى (^٢) آل محمد، وبشرٌ كثير يسمعون، فإن قلتم: تجب على كل أولئك السامعين أن يكون هِجِّيْرَاهم الصلاة عليه ﷺ، ولو طال المجلس ما طال، كان ذلك حَرَجًا ومَشَقَّة وتَرْكًا لقراءة قارئهم، ودراسة دارسهم، وكلام صاحب الحاجة منهم، ومذاكرته في العلم، وتعليمه القرآن وغيره، وإن قلتم: لا تجب عليهم الصَّلاة عليه في هذه الحال، نقضْتُم مذهبكم؛ وإن قلتم: تجب عليه مرَّة أو أكثر، كان تحكُمًا بلا دَلِيل، مع أنه مبطل لقولكم.
الثاني عشر: أن الشهادة له بالرسالة أفرض (^٣) وأوجب من الصلاة عليه بلا ريب، ومعلوم أنه لا يدخل في الإسلام إلا بها، فإذا كانت لا تجب كلما ذكر اسمه، فكيف تجب الصلاة عليه كلما ذكر اسمه، وليس من الواجبات بعد كَلِمَة الإخلاص أفرض (^٤) من الشهادة له بالرسالة، فمتى أقرَّ له فهي أولى بوجوبها (^٥) عند ذكر
_________________
(١) أي: دأب وشأن وديدن. انظر: الفائق للزمخشري (٤/ ٣٩١ - ٣٩٢).
(٢) من (ظ، ت، ش، ج) قوله (على).
(٣) في (ب) (أفضل).
(٤) في (ب) (أو فرض).
(٥) وقع في (ش، ح) (فمتى أقرّ بوجوبها) وفي (ب) (فمتى أقر لها بوجوبها)، وسقط من (ج) (فمتى أقر له).
[ ٤٧١ ]
اسمه، تُذَكِّرُ العبد الإيمان (^١) وموجبات هذه الشهادة، فكان يجب على كل من ذكر اسمه أن يقول محمدٌ رسول الله، ووجوب ذلك أظهر بكثير من وجوب الصلاة عليه كُلَّما ذُكِر اسمه.
ولكلِّ فِرْقة من هاتين الفرقتين أجْوبة من حُجَجِ الفرقة المنازعة لها، بعضها ضعيفٌ جدًا (^٢)، وبعضها محتمل، وبعضها قويّ، ويظهر ذلك لمن تأمَّل حُجَجَ الفريقيْن. والله ﷾ أعلم بالصَّواب.