وقد اختلف في اشتراطها لصحة الخطبة، قال الشافعي (^٢) وأحمد (^٣) في المشهور من مذهبهما: لا تصح الخطبة إلا بالصلاة عليه ﷺ، وقال أبو حنيفة (^٤) ومالك (^٥): تصح بدونها، وهو وجه في مذهب أحمد (^٦).
واحتج لوجوبها في الخطبة، بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشرح: ١ - ٤]،
_________________
(١) زيادة من (ظ، ج)، وسقطت من (ب، ش).
(٢) الأم (١/ ٢٣٠).
(٣) انظر: المغني (٣/ ١٧٣ - ١٧٤).
(٤) انظر: البناية (٣/ ٦٨).
(٥) انظر: المعونة للقاضي عبد الوهاب (١/ ٣٠٦).
(٦) انظر: المغني (٣/ ١٧٤).
[ ٤٣٦ ]
٧٧ - قال ابن عباس ﵄ (^١): "رفع الله ذكره، فلا يذكر إلا ذكر معه".
وفي هذا الدليل نظر؛ لأن ذكره ﷺ مع ذكر ربه ﵎ هو الشهادة له ﷺ بالرسالة إذا شهد لمرسله بالوحدانية، وهذا هو الواجب في الخطبة قطعًا، بل هو ركنها الأعظم.
٣٧٨ - وقد روى أبو داود، وأحمد، وغيرهما (^٢): من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "كُلُّ خُطبَة لَيْسَ فيها تَشَهُّد فَهِيَ كاليَدِ الجَذْمَاء"، واليدُ الجذماء: المقطوعة. فمن أوجب الصلاة على النبي ﷺ في الخطبة دون التشهد فقوله (^٣) في غاية الضعف.
٣٧٩ - وقد روى (^٤) يونس، عن شيبان، عن قتادة: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشرح: ٤]، قال: "رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ابتدأها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله".
_________________
(١) تقدم برقم (٣١٥).
(٢) أخرجه أبو داوود (٤٨٤١)، وأحمد (٢/ ٣٠٢ و٣٤٣)، والترمذي (١١٠٦)، والبخاري في تاريخه (٧/ ٢٢٩)، وابن حبان (٧/ ٣٦ و٣٧) رقم (٢٧٩٦ و٢٧٩٧) وغيرهم، وسنده صحيح.
(٣) سقط من (ب).
(٤) أخرجه عبد بن حميد في تفسيره كما في الدر (٦/ ٦١٥)، وسنده صحيح، فإن عبد بن حميد يروي عن يونس بن محمد المؤدب هذا. وأخرجه الطبري في تفسيره (٣٠/ ٢٣٥) وغيره بنحوه.
[ ٤٣٧ ]
٣٨٠ - وقال عبد بن حميد (^١): أخبرني عمرو بن عون، عن هشيم، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشرح: ٤]، قال: "إذا ذكرت ذكرت معي، ولا يجوز خطبة ولا نكاح إلا بذكرك معي (^٢) ".
٣٨١ - وقال عبد الرزاق (^٣): عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشرح: ٤]، قال: "لا أُذْكَرُ إلا ذُكرتَ معى: الأذان، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله".
فهذا (^٤) هو المراد من الآية، وكيف لا يجب التشهد الذي هو عقد الإسلام في الخطبة، وهو أفضل كلماتها، وتجب الصلاة على النبي ﷺ فيها؟.
والدليل على مشروعية الصلاة على النبي ﷺ في الخطبة:
_________________
(١) أخرجه عبد بن حميد في تفسيره. وفي سنده جويبر، ضعيف جدًا، وما رواه عن الضحاك: قال أحمد: "فهو على ذاك أيسر". انظر: تهذيب الكمال (٥/ ١٦٧ - ١٧١).
(٢) لفظة (معي) زيادة من تفسير عبد بن حميد كما في الدر (٦/ ٦١٥) وسقطت من جميع النسخ.
(٣) في تفسيره (٢/ ٣٠٩) رقم (٣٦٤٥)، والبيهفي في الكبرى (٣/ ٢٠٩) وغيرهما وسنده حسن.
(٤) في (ب، ت، ش) (وهذا).
[ ٤٣٨ ]
٣٨٢ - ما رواه عبد الله بن أحمد (^١): حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا خالد، حدثني عون بن أبي جحيفة، كان أبي من شرط علي، وكان تحت المنبر، فحدثني: أنه صعد المنبر - يعني عليًّا ﵁ فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ وقال: "خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، والثاني عمر. وقال: يجعل الله الخير حيث شاء" (^٢).
٣٨٣ - وقال محمد بن الحسن بن جعفر الأسدي: حدثنا أبو الحسن علي بن محمد الحميري، حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، قال: سمعت أبي يذكر، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله؛ أنه كان يقول بعدما يفرغ من خطبة الصلاة، ويصلي على النبي ﷺ: "اللهم حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر، والفسوق، والعصيان، أولئك هم الراشدون، اللهم بارك لنا في أسماعنا، وأبصارنا،
_________________
(١) وقع في جميع النسخ (حدثنا أبي) وهو خطأ، انظر المسند.
(٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند (١/ ١٠٦)، والبخاري في تاريخه معلقًا (٣/ ١٨٠)، وابن عساكر في تاريخه (٤٤/ ١٩٧). وقد وقع اختلاف في هذه اللفظة (وصلّى على النبي ﷺ) وفي ثبوتها نظر، حيث خولف منصور بن أبي مزاحم، وخولف أيضًا خالد وهو ابن يزيد الزيات. انظر: تاريخ ابن عساكر (٣٠/ ٣٥١ - ٣٧٦) و(٤٤/ ١٩٦ - ٢١٨).
[ ٤٣٩ ]
وأزواجنا، وقلوبنا، وذرياتنا" (^١).
٣٨٤ - وروى الدارقطني (^٢): من طريق ابن لهيعة، عن الأسود بن مالك الحضرمي، عن بَحِيْر (^٣) بن ذاخر المعافري، قال: "ركبت أنا ووالدي إلى صلاة الجمعة. فذكر حديثًا، وفيه: فقام عمرو بن العاص على المنبر فحمد الله وأثنى عليه حمدًا موجزًا، وصلى على النبي ﷺ، ووعظ الناس فأمرهم ونهاهم".
٣٨٥ - وفي الباب حديث ضَبَّة بن مِحْصن (^٤)؛ أن أبا موسى كان إذا خطب فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ﷺ دعا لعمر، فأنكر عليه ضَبَّة الدعاء لعمر قبل الدعاء لأبي بكر ﵄، فرفع ذلك إلى عمر ﵁ فقال لضبة: "أنت أوفق منه وأرشد (^٥) ".
_________________
(١) أخرجه النميري ومحمد بن الحسن بن جعفر الأسدي كما في القول البديع ص ١٩٢، فيه علي بن محمد بن هارون الحميري أبو الحسن، وهو ثقة، لكن ذهبت عامة كتبه وكان يحفظ عامة حديثه، وباقي رجاله ثقات. انظر: تاريخ بغداد (١٢/ ٦٨ - ٦٩)، ومحمد بن الحسن الأسدي، ينظر مَنْ هو.
(٢) في المؤتلف والمختلف (٢/ ١٠٠٢ - ١٠٠٥)، وابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ٩٨ - ٩٩ مطولًا، وابن عساكر (٤٦/ ١٦١). وسنده ضعيف، ابن لهيعة ضعيف، والراوي عنه إسحاق بن الفرات متكلم فيه، والأسود بن مالك: مجهول. انظر: الميزان (١/ ٣٤٨).
(٣) في جميع الأصول (يحيى) والتصويب من المؤتلف للدارقطني وغيره.
(٤) في (ب) (محسن) وفي (ج) (محيص) وكلاهما خطأ، انظر: المؤتلف والمختلف للدارقطني (٣/ ١٤٦١).
(٥) أخرجه ابن بلبان المقدسي في تحفة الصِّديق في فضائل أبي بكر الصِّديق ص ١٢٤ - ١٢٦ طـ دار ابن كثير. وسنده ضعيف جدًا. فيه فُرات بن السائب =
[ ٤٤٠ ]
فهذا دليل على أنّ الصَّلاة على النبي ﷺ في الخطب كان أمرًا مشهورًا معروفًا عند الصحابة ﵃ أجمعين.
وأما وجوبها فلم نرَ فيه (^١) دليلًا يجب المصير (إليه و) (^٢) إلى مثله. والله أعلم.