لا خلاف في مشروعيتها فيها، واختُلِف في تَوقُّف صِحّة الصلاة عليها، فقال الشافعي، وأحمد في المشهور (^١) من مذهبهما (^٢): إنها واجبة في الصلاة، لا تصح إلا بها. ورواه البيهقي (^٣): عن عبادة بن الصامت وغيره من الصحابة. وقال مالك (^٤)، وأبو حنيفة (^٥): تستحب وليست بواجبة، وهو وجه لأصحاب الشافعي.
والدليل على مشروعيتها في صلاة الجنازة، ما روى الشافعي في:
٣٧٢ - "مسنده"، أخبرنا مطرف بن مازن، عن معمر، عن
_________________
(١) في (ب) (المشروع) وهو خطأ.
(٢) انظر المجموع للنووي (٥/ ٢٣٥) والمغني لابن قدامه (٣/ ٤١٢).
(٣) في السنن الكبرى (٤/ ٤٠) وهو ثابت عن عبادة بن الصامت وغيره.
(٤) انظر مواهب الجليل للحطَّاب (٣/ ١٤ - ١٥).
(٥) انظر البناية في شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٥٢).
[ ٤٣١ ]
الزهري، قال: أخبرني أبو أمامة بن سهل؛ أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ: "أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرًّا في نفسه، ثم يصلي على النبي ﷺ، ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات لا يقرأ في شيء منهن، ثم يسلم سرًّا في نفسه" (^١).
٣٧٣ - وقال إسماعيل بن إسحاق في كتاب "الصلاة على النبي ﷺ" (^٢): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا معمر، عن الزهري، قال: سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف يحدث سعيد بن المسيب، قال: "إن السنة في صلاة الجنازة أن يقرأ بفاتحة الكتاب، ويصلي على النبي ﷺ، ثم يخلص الدعاء للميت حتى يفرغ، ولا يقرأ إلا مرة واحدة، ثم يسلم في نفسه".
وأبو أمامة هذا صحابي صغير، وقد رواه عن صحابي آخر كما ذكره (^٣) الشافعي.
٣٧٤ - وقال صاحب "المغني" (^٤) رُوىَ (^٥) عن ابن عباس؛ أنه صلى على جنازة بمكة فكبر، ثم قرأ وجهر وصلى على النبي ﷺ،
_________________
(١) تقدم برقم (١٢٠)، وهو لا يصحُّ.
(٢) رقم (٩٤) وقد تقدم الكلام عليه رقم (١٢١) وهو ثابت عنه.
(٣) في (ب) (ذكر).
(٤) (٣/ ٤١٢).
(٥) في (ظ، ت) (يُروى).
[ ٤٣٢ ]
ثم دعا لصاحبه (^١) فأحسن، ثم انصرف، وقال: "هكذا ينبغي أن تكون الصلاة على الجنازة" (^٢).
٣٧٥ - وفي موطأ يحيى بن بكير (^٣)، حدثنا مالك بن أنس، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه؛ أنه سأل أبا هريرة: كيف نصلي على الجنازة؟ فقال أبو هريرة ﵁: أنا لعمر الله أخبرك، أتبعها من أهلها، فإذا وضعت كبرت، وحمدت الله تعالى، وصليت على نبيّه (^٤) ﷺ، ثم أقول: "اللَّهُم إنه عبْدُك وابنُ عبدِك، وابنُ أمَتِك (^٥)، كان يشْهد أنْ لا إله إلَّا أنْت، وأنَّ محمّدًا عبدُك ورسولُك، وأنْت أعلمُ به، اللهُمّ إنْ كان محْسِنًا فَزِد في إحسانه، وإن كان مُسِيْئًا فتجاوز عن سَيِّئاته، اللَّهُمّ لا تَحْرِمْنا أجْره، ولا تَفْتِنَّا بَعْدَه".
_________________
(١) كذا في جميع النسخ، وفي المغني (٣/ ٤١٢) (لصاحبها).
(٢) * أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٥١٢) رقم (١٣٢٩) وغيره، وفي سنده لين، وله شاهد عند أحمد بن منيع في مسنده كما في المطالب العالية (٥/ ٣٩٧) وفيه انقطاع *. وروي في بعض الطرق عن ابن عباس، بعد الفاتحة، زيادة: (وسورة) وفي ثبوتها نظر.
(٣) الموطأ (١/ ٢٢٨، رواية يحيى بن يحيى) وعبد الرزاق في المصنف (٣/ ٤٨٨) رقم (٦٤٢٥)، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة (٩٣) وسنده صحيح.
(٤) في (ح) (على النبي ﷺ).
(٥) سقط من (ب، ش).
[ ٤٣٣ ]
٣٧٦ - وقال أبو ذر الهروي (^١): أخبرنا أبو الحسن بن أبي سهل السرخسي، أخبرنا أبو علي أحمد بن محمد بن رزين، حدثنا علي بن خشرم، حدثنا أنس بن عياض، عن إسماعيل بن رافع، عن رجل، قال: سمعت إبراهيم النخعي يقول: كان ابن مسعود رضي الله تعالى عنه إذا أتي بجنازة استقبل الناس، وقال: يا أيها الناس، سمعت رسول الله ﷺ -يقول: "لكل مائة أمة، ولم يجتمع مائة لميت فيجتهدون له في الدعاء إلا أذهب (^٢) الله ذنوبه لهم، وإنكم جئتم شفعاء لأخيكم، فاجتهدوا في الدعاء، ثم يستقبل القبلة، وإن كان رجلًا قام عند وسطه، وإن كانت (^٣) امرأة قام عند منكبها، ثم قال: اللهم عبدك وابن عبدك، أنت خلقته، وأنت هديته للإسلام، وأنت قبضت روحه، وأنت أعلم بسريرته وعلانيته، جئنا شفعاء له، اللهم إنا نستجير بحبل جوارك له، فإنك ذو وفاءٍ وذو رحمة، أعذه من فتنة القبر، وعذاب جهنم، اللهم إن كان محسنًا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئًا فتجاوز عنه سيئاته، اللهم نور له في قبره وألحقه بنبيه. قال: يقول هذا كلما كبر، وإذا كانت
_________________
(١) أخرجه سحنون في المدونة الكبرى (١/ ١٥٩ - ١٦٠) عن أنس بن عياض به مثله، وأبو ذر الهروي، ومن طريقه النميري كما في القول البديع ص ١٩٧، وهو حديث منكر، وفي سنده: رجل مبهم، وانقطاع، وضعف إسماعيل بن رافع وهو المدني، وأما المتن ففيه ألفاظ ظاهرة النكارة.
(٢) في (ظ، ت، ج) (وهب)، وفي (ح) (أوهب)، والمثبت من (ب، ش).
(٣) في (ب) (كان) وهو خطأ.
[ ٤٣٤ ]
التكبيرة الآخرة، قال مثل ذلك. ثم يقول: اللهم صل على محمد وبارك على محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم صل على أسلافنا وأفراطنا اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، ثم ينصرف.
قال إبراهيم: كان ابن مسعود يعلم هذا في الجنائز وفي المجلس، قال: وقيل له: أكان رسول الله ﷺ يقف على القبر إذا فرغ منه؟ قال: نعم، كان إذا فرغ منه وقف عليه، ثم قال: "اللهم نزل بك صاحبها وخلف الدنيا وراء ظهره، ونعم المنزول به، اللهم ثبت عند المسألة منطقه ولا تبتله في قبره بما لا طاقة له به، اللهم نور له في قبره، وألحقه بنبيه ﷺ، كلما ذكره" (^١).
إذا تقرر هذا فالمستحب أن يُصَلَّى عليه ﷺ في الجنازة كما يُصَلَّى عليه (^٢) في التشهد، لأن النبي ﷺ علم ذلك أصحابه لما سألوه عن كيفية الصلاة عليه.
وفي "مسائل عبد الله بن أحمد" (^٣) عن أبيه قال: "يصلي على النبي ﷺ ويصلي على الملائكة المقربين".
قال القاضي (^٤): "فيقول: اللهم صل على ملائكتك المقربين
_________________
(١) في (ظ، ت) (ذكر)، والمثبت من (ب، ش).
(٢) سقط من (ب) قوله (في الجنازة كما يصلَّى عليه).
(٣) (٢/ ٤٦٩ - ٤٧٠) رقم (٦٥٥).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (٣/ ٤١٢).
[ ٤٣٥ ]
وأنبيائك والمرسلين، وأهل طاعتك أجمعين من أهل السماوات والأرضين، إنك على كل شيءٍ قدير".