يعتبر كتاب جلاء الأفهام من أهم وأنفس الكتب التي أُلِّفت في هذا المضمار، وتكْمُن أهميته في موضوعه ومضمونه ومحتواه، وذلك لانفراده وتميّزه بِعدَّه مميزات وخصائص عن الكتب التي ألفت قبله فمن ذلك:
١ - أنه من أول الكتب التي ألفت في موضوع فضل الصلاة والسلام على النبي ﷺ على هذا النمط والمنوال، فقد كانت عامة الكتب السابقة مقتصرة على سرد الأحاديث والآثار الواردة في الموضوع فقط.
٢ - جودة ترتيب الكتاب وتقسيمه.
٣ - إبرازه أوجه فضائل الخليلين محمد وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام وأهل بيتهما، وبيانها. وهذا لا تكاد تظفر به مجموعًا في كتاب قبله.
٤ - جمعه الأحاديث الواردة في هذا الموضوع، وتخريجها والكلام عليها وبيان صحيحها من سقيمها.
٥ - بيانه معاني هذا الدعاء (^١) وأسراره، وما اشتمل عليه من
_________________
(١) أي (اللهمّ صلِّ على محمَّد وعلى آل محمَّد ..).
[ ٢١ ]
الحِكَم والفوائد الغزيرة.
٦ - محاولته استقصاء مواطن الصلاة والسلام عليه ﷺ ومحالها من بطون كتب الحديث المختلفة، كالصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم والأجزاء وغيرها.
٧ - احتواؤه على جُملة من العلوم والمعارف في شتى الفنون، كالتوحيد والتفسير والحديث والفقه واللغة وعلومها وما يتعلق بها، منثورة في أثناء الكتاب.
٨ - بيانه بعض أسرار القرآن في ألفاظه ومفرداته وتراكيبه، وما يقترن بها، إضافة إلى ذكر شيء من القواعد التفسيرية وتطبيقاتها.
٩ - تضمنه جملةً صالحة من اختياراته وترجيحاته وتصويباته في شتى الفنون منثورة في الكتاب.
وأما منهجه فيه (^١) فيمكن إجماله وتلخيصه في النقاط الآتية:
١ - اعتماده على نصوص الوحْيين (الكتاب والسنة)، وتقديمه نصوص السنة في أول الكتاب؛ لشدة تعلق الموضوع بها، فهي مع الكتاب الأصل عند الاستدلال، والدِّعامة التي يرتكز عليها في الحُجَّة والبيان.
٢ - اعتماده أقوال الصحابة ﵃، ويظهر ذلك جليًا عند
_________________
(١) انظر كتاب "ابن قيم الجوزية حياته آثاره" للشيخ بكر أبو زيد ص ٨٥ - ١٢٨.
[ ٢٢ ]
عقده فصلًا -بعد الأحاديث المرفوعة- في المراسيل والموقوفات، ويبدو واضحًا أيضًا في الباب الثالث في مواطن الصلاة على النبي ﷺ كالموطن الرابع والخامس والتاسع، والثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر وغيرها.
٣ - السَّعة والشمول والإحاطة؛ وهو أسلوب لا يطيقه إلا من كان على شاكلته ممن حاز من العلوم قدرًا وفيرًا، ويتَّضح هذا الأسلوب في المسائل التي بحثها (^١) حيث يستوعب الكلام فيها من جميع جوانبها بسياق الأقوال والآراء، وإبراز أدلتها، وبيان وجوه الاستدلال منها، ثم يتبعها بمناقشتها، ثم ينتهي به المطاف غالبًا إلى اختيار القول الذي يدعمه الدليل السالم من المعارضة، وتقريره مؤيدًا له بما يسنده من وجوه الأدلة.
- فإذا مرَّ في كتابه بآية من كتاب الله، أتى بالأقوال في معناها، ثم أعقبها غالبًا ببيان الصواب في معناها (^٢)، وإذا اقتضى المقام ذكر قاعدة تفسيرية ذكرها مع بعض نظائرها.
- وإذا تطرَّق لحديث فيه علَّة قوية (^٣)، استقصى الكلام في ذلك، ناقلًا أقوال أهل العلم، ثم يعقِّب ويُجيب عن ذلك بما يراه ويختاره
_________________
(١) كحكم الصلاة على النبي ﷺ في التشهدين الأول والأخير، وحكم إفراد الصلاة على واحد من آله منفردًا عنه ﷺ، وحكم الصلاة عليه ﷺ كُلَّما ذُكر، وغيرها.
(٢) انظر ص ١٦٠.
(٣) كحديث أوس بن أوس، وزيادة محمد بن إسحاق (النَّبيّ الأمِّي) في حديث أبي مسعود وغيرها وراجع الفهرس.
[ ٢٣ ]
مدعّمًا بالدليل.
فهو أحيانًا يُرجِّح الموقوف على المرفوع، وتارة يحكم على الحديث بالخطأ والخلط فيه إلى غير ذلك، وإذا مرّ براوٍ فيه اختلاف، اختار فيه ما يراه أحسن الأقوال (^١)، أضف إلى ذلك كلامه على الأحاديث في أول الكتاب، وبيان صحيحها من سقيمها، وسبب ضعفها. وتطرقه أيضًا لبعض أنواع علوم الحديث، وبيانه لمعاني بعض الأحاديث الواردة في الكتاب.
- وإذا ذكر مسألة نحوية أو لغوية (^٢) نقل كلام أهل اللغة والنحو في ذلك، باسطًا الخلاف في ذلك، ومبينًا مأخذ كلا الفريقين، وما ردّ به كل فريق على الآخر، ثم يعقبه بما يختاره ويراه بأسلوب واضح.
- وإذا مرّ في أثناء بحثه بما له صلة وتعلق بالتوحيد أفاض في ذكره وتقريره، وكان غالبًا ما يشير إليه ولو إشارة (^٣).
٤ - الاستطراد التناسبي: وهذا الأسلوب ينبئ بكثرة المعلومات لدى المؤلف ﵀ ووفرتها وإلمامه بها، واستحضاره لها. ويتَّضح ذلك في أثناء كلامه على اسمه ﷺ، وأنها أسماء مدح، ثم عرّج على الكلام على أسماء الله الحسنى، واستطرد بتقرير أن أسماءه تعالى ليست أعلامًا محضة لا دلالة فيها ولا معاني لها (^٤).
_________________
(١) انظر ص ٣٤ وراجع الفهرس.
(٢) كالميم المشددة، (اللهمّ) ص ١٤٠ - ١٥٧.
(٣) انظر ص ١٨٤ - ١٩٠ و١٨٩ - ١٩٠.
(٤) انظر ص ١٨٤ - ١٩٠.
[ ٢٤ ]
٥ - شمول اختياراته وترجيحاته كافة العلوم.
لما كان المؤلف ﵀ واسع الاطلاع، متضلعًا من أنواع العلوم الشرعية ومحققًا فيها، قلَّ أنْ يذكر علمًا من العلوم في كتاب إلا وتجد له فيه اختيارًا وترجيحًا (^١).
ويظهر هذا جليًّا في كتابه جلاء الأفهام حيث ضمَّنه اختيارات وترجيحات وتصويبات في التوحيد والتفسير وعلومه والحديث وعلومه والفقه، والنحو والصَّرْف والإعراب.