قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ *﴾. [الأعرَاف: ٥٥] وقد فُسِّر الاعتداء - في معنى الآية - بتكلُّف السَّجْع في عبارات الدعاء، أو التفصيل فيه بتكلُّفٍ، وكذلك فسُرِّ برفع الصوت به،
_________________
(١) متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁: أخرجه البخاريّ؛ كتاب الدعوات، باب: يستجاب للعبد مالم يعجَل برقم (٦٣٤٠). ومسلم؛ كتاب الذّكر والدُّعاء، باب: بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجَل برقم (٢٧٣٥).
[ ٢٨ ]
قالَ ابنُ عَّباسٍ ﵄ لعِكْرِمَةَ ﵀: [فَانُظرِ السَّجْعَ مِنَ الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ، فَإِنِّي عَهِدتُّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ لا يَفْعَلُونَ إِلاَّ ذَلِكَ] (١٧).
وقال عبد الله بن مغفل ﵁ لابنه حين سمعه يدعو: اللَّهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة، إذا دخلتُها!! قال له: أيْ بُنَيَّ، سَلِ الله الجنة وعُذْ به من النار، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ» (١٨).
_________________
(١) أخرجه البخاريّ؛ كتاب الدعوات، باب: ما يكره من السَّجْع في الدُّعاء، برقم (٦٣٣٧) عن ابن عباس ﵄. ومعنى: " لا يفعلون إلا ذلك" أي لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب. كما بيّنه البخاريّ عقب الرواية.
(٢) أخرجه ابن ماجَهْ؛ كتاب: الدعاء، باب: كراهية الاعتداء في الدعاء، برقم (٣٨٦٤)، عن أبي نعامة ﵁، صحّحه الألباني، انظر: صحيح ابن ماجه، برقم (٣١١٦).
[ ٢٩ ]
ويقول النبيُّ ﷺ مرشدًا مَنْ جَهَرَ بالتكبير في سفره: «أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَسْتُمْ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا» (١٩).
هذا، ومن الاعتداء بالدعاء كذلك: أن يخالف الداعي في المعنى بين ما يدعو به وما يتوسَّل به من أسماء الله الحسنى وصفاته العُلى، كأن يدعو قائلًا: اللَّهم اغفر لي وارحمني يا شديد العقاب، أو يقول: اللَّهم عليك بالكافرين الظالمين يا أرحم
_________________
(١) أخرجه البخاري؛ كتاب الدعوات، باب: لا حول ولا قوة إلا بالله، برقم (٦٤٠٩)، عن أبي موسى ﵁. ومسلم؛ كتاب: الذكر والدعاء، باب: استحباب خفض الصوت بالذكر، برقم (٢٧٠٤)، عنه أيضًا. واللفظ لمسلم.
[ ٣٠ ]
الراحمين، ونحو ذلك.
والحاصل من ذلك كلِّه: أن الأَوْلَى بالمسلم أن يخفض صوته في الدعاء، فيكون ذلك بين المخافتة فيه والجهر به، ثم أن يقتصر في دعائه على المأثور، وبخاصةٍ الجامع منه، فما كلُّ أحدٍ يُحسن الدعاء، فيُخاف عليه عندها الاعتداءُ به.