روى مسلم في صحيحه من حديث عمرو بن العاص أنه سمع النبي ﷺ يقول: " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليّ فأنه من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي"
وقال أحمد أنبأنا عبد الرزاق أنبأنا سفيان عن ليث عن كعب عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ: "قال إذا صليتم فسلوا الله لي الوسيلة قيل يا رسول الله ﷺ وما الوسيلة قال أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلا رجل واحد وأرجو أن أكون أنا هو" هكذا الرواية أن أكون أنا هو ووجهها أن تكون الجملة خبرا عن اسم كان المستتر فيها ولا يكون أنا فصلا ولا توكيدا بل مبتدأ
وفي الصحيحين من حديث جابر قال قال رسول الله ﷺ: "من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمد الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة"
هكذا لفظ الحديث مقاما بالتنكير ليوافق لفظ الآية ولأنه لما تعين وانحصر نوعه في شخصه جرى مجرى المعرفة فوصف بما توصف به المعارف وهذا ألطف من جعل الذي وعدته بدلا فتأمله
وفي المسند من حديث عمارة بن غزية عن موسى بن وردان عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ: "الوسيلة درجة عند الله ﷿ ليس فوقها درجة فسلوا الله لي الوسيلة "
[ ٨١ ]
وذكره ابن أبي الدنيا وقال فيه: " درجة في الجنة ليس في الجنة درجة أعلى منها فسلوا الله أن يؤتينيها على رؤوس الخلائق"
وقال أبو نعيم أنبأنا سليمان بن أحمد حدثنا أحمد بن عمرو بن سلم الخلال حدثنا عبد الله بن عمران العبادي حدثنا فضيل بن عياض عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله ﷺ والله أنك لأحب إلي من نفسي وإنك لأحب إلي من أهلي وأحب إلي من ولدي وأحب إلي من كذا وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبين وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلمحتى نزل جبريل بهذا الآية ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ قال الحافظ أبو عبد الله المقدسي لا أعلم بإسناد هذا الحديث بأسا
وسميت درجة النبي ﷺ الوسيلة لأنها أقرب الدرجات إلى عرش الرحمن وهي أقرب الدرجات إلى الله وأصل اشتقاق لفظ الوسيلة من القرب وهي فعيلة من وسل إليه إذا تقرب إليه
قال لبيد:
بلى كل ذي رأي إلى الله واسل
ومعني الوسيلة من الوصلة ولهذا كانت أفضل الجنة وأشرفها وأعظمها نورا
وقال صالح بن عبد الكريم قال لنا فضيل بن عياض أتدرون لم حسنت الجنة لأن عرش رب العالمين سقفها وقال الحكم ابن أبان عن عكرمة عن ابن عباس نور سقف مساكنهم نور عرشه
وقال بكر عن أشعث عن الحسن إنما سميت عدن لأن فوقها العرش ومنه تفجر أنهار الجنة وللحور العدنية الفضل على سائر الحور والقربى والزلفى
[ ٨٢ ]
واحد وإن كان في الوسيلة معنى التقرب إليه بأنواع الوسائل
وقال الكلبي اطلبوا إليه القربة بالأعمال الصالحة وقد كشف سبحانه عن هذا المعنى كل الكشف بقوله ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَب﴾ فقوله أيهم أقرب هو تفسير للوسيلة التي يبتغيها هؤلاء الذين يدعوهم المشركون من دون الله فيتنافسون في القرب منه
ولما كان رسول أعظم الخلق عبودية لربه وأعلمهم به وأشدهم له خشية وأعظمهم له محبة كانت منزلته أقرب المنازل إلى الله وهي أعلى درجة في الجنة وأمر النبي ﷺ أمته أن يسألوها له لينالوا بهذا الدعاء زلفى من الله وزيادة الإيمان
وأيضا فإن الله سبحانه قدرها له بأسباب منها دعاء أمته له بها بما نالوه على يده من الإيمان والهدى صلوات الله وسلامه عليه
وقوله حلت عليه يروى عليه وله فمن رواه باللام فمعناه حصلت له ومن رواه بعلى فمعناه وقعت عليه شفاعتي والله أعلم.
[ ٨٣ ]