لم يزل أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، والتابعون، وتابعوهم، وأهل السنَّة والحديث قاطبة، وفقهاء الإسلام، وأهل التصوف والزهدِ على اعتقاد ذلك وإثباته؛ مستندين في ذلك إلى نصوص الكتابِ والسنَّة، وما عُلِمَ بالضرورة من أخبار الرُّسل كلهم من أوَّلهم إلى آخرهم، فإنَّهم دعوا الأمم إليها، وأخبروا بها. إلى أنْ نبغت نابغة من القدرية (^١) والمعتزلة (^٢) فأنكرت أنْ تكون الآن مخلوقة، وقالت: بل اللَّهُ ينشئها يومَ المعاد.
وحَمَلَهم على ذلك أصلهم الفاسد الَّذي وضعوا به شريعةً لِمَا (^٣) يفعله اللَّه تعالى، وأنَّه ينبغي له أنْ يفعلَ كذا، ولا ينبغي له أنْ يفعل كذا، وقاسوه على خلقه في أفعاله (^٤)، فهم مُشبِّهة في الأفعالِ، ودخل التجهُّم فيهم، فصاروا مع ذلك معطلة في الصفات. وقالوا: خَلْقُ الجنَّة قبل الجزاءِ عبث، فإنَّها تصير معطلة مُدَدًا متطاولة ليس فيها سكانها.
_________________
(١) هم منكروا القَدَر.
(٢) فرقةٌ ظهرت في عهد الحسن البصري، ثمَّ تطورت عقائدهم.
(٣) في "د": "فيما".
(٤) كذا في جميع النسخ، وجاء في "هـ" "أفعالهم" لكن ضرب عليها النَّاسخ وأثبت "أفعاله".
[ ١ / ٢٤ ]
وقالوا: ومن المعلوم أنَّ ملكًا لو اتخذ دارًا، وأعدَّ فيها ألوان الأطعمة والآلات والمصالح، وعطَّلها من النَّاسِ، ولم يُمَكِّنهم من دخولها قرونًا متطاولة = لم يكن ما فَعَلَهُ واقعًا على وجه الحكمة، ووجد العقلاء سبيلًا إلى الاعتراض عليه.
فحجروا على الربِّ ﵎ بعقولهم الفاسدة، وآرائهم الباطلة وشبَّهوا أفعاله بأفعالهم، وردوا من النصوص ما خالف هذه الشَّريعة الباطلة التي وضعوها للرب، أو حرَّفوها عن مواضعِها، وضلَّلوا وبدَّعوا من خالفهم فيها، والتزموا فيها لوازم أضحكوا عليهم فيها العقلاء.
ولهذا يذكر السلفُ في عقائدهم: أنَّ الجنَّة والنَّارَ مخلوقتان، ويذكر من صنَّف في المقالات أنَّ هذه مقالة أهل السنَّة، والحديث قاطبة لا يختلفون فيها (^١) .
قال الإمام أبو الحسن الأشعري في كتاب "مقالات الإسلاميين، واختلاف المصلِّين" (^٢): "جُملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنَّة: الإقرار باللَّه وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند اللَّه، وما رواهُ الثقات عن رسول اللَّه -ﷺ-، لا يَرُدُّون من ذلك شيئا، واللَّه تعالى إلهٌ واحدٌ فردٌ صمد، لم يتخذ صاحبةً ولا ولدًا، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله،
_________________
(١) انظر: "شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة" لِللالكائي: (٣/ ١١٨٤)، "والشريعة" للآجري: (٣/ ١٣٤٣)، و"الرسالة الوافية" للدَّاني ص (١٩٥).
(٢) (١/ ٣٤٥ - ٣٥٠) ط، مكتبة النهضة المصرية، تحقيق: محمد محيي الدِّين عبد الحميد.
[ ١ / ٢٥ ]
وأنَّ الجنَّة حقٌّ، وأنَّ النَّارَ حق، وأنَّ السَّاعة آتيةٌ لا ريب فيها، وأنَّ اللَّه يبعث من في القبور.
وأنَّ اللَّهَ تعالى على عرشه، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، وأنَّ له يَدَيْن بلا كيف، كما قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وكما قال: ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وأنَّ له عينين بلا كيف، كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]، وأنَّ له وجهًا، كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧].
وأنَّ أسماء اللَّه تعالى لا يقال: إنَّها غير اللَّه، كما قالت المعتزلة والخوارج، وأقرُّوا أنَّ للَّه عِلْمًا، كما قال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦]، وكما قال: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١].
وأثبتوا السَّمع والبصر، ولم ينفوا ذلك عن اللَّه، كما تَنْفيه (^١) المعتزلة، وأثبتوا للَّه القوَّة كما قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥].
وقالوا: إنَّه لا يكون في الأرضِ من خيرٍ ولا شر إلَّا ما شاء اللَّه، وإنَّ الأشياء تكون بمشيئة اللَّه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]، وكما قال المسلمون: ما شاء اللَّه كان، وما لم يشأ لا يكون (^٢) .
وقالوا: إنَّ أحدًا لا يستطيع أنْ يفعل شيئًا قبل أنْ يفعله، أو يكون
_________________
(١) في "ب، ج، د، هـ" "نَفَتْهُ".
(٢) في "ب، هـ" "وما لم يشأ لم يكن"، وفي المقالات "وما لا يشأ لا يكون".
[ ١ / ٢٦ ]
أحد يقدر أنْ يخرج عن علم اللَّه، أو أنْ يفعل شيئًا عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ لا يفعله.
وأَقَرُّوا أنَّه لا خالقَ إلَّا اللَّه (^١)، وأنَّ أعمال العباد يخلقها اللَّهُ، وأنَّ العباد لا يقدرون أنْ يخلقوا شيئًا.
وأنَّ اللَّهَ تعالى وفَّق المؤمنين لطاعته، وخذل الكافرين، ولطف بالمؤمنين، ونظرَ لهم، وأصلحهم، وهداهم، ولم يلطفْ بالكافرين، ولا أصلحهم، ولا هداهم، ولو أصلحهم لكانوا صالحين، ولو هداهم لكانوا مهتدين.
وأنَّ اللَّهَ تعالى يقدر أنْ يصلح الكافرين، ويلطف بهم حتَّى يكونوا مؤمنين، ولكنَّه أراد أنْ يكونوا كافرين كما علم، وخذلهم وأضلَّهم، وطبع على قلوبهم.
وأنَّ الخيرَ والشَّرَّ بقضاء اللَّه (^٢) وقدره، ويؤمنون بقضاء اللَّه وقدره خيره وشرِّه، حُلْوه ومُره، ويؤمنون أنَّهم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا إلَّا ما شاء اللَّهُ، كما قال، ويلجئون أمرهم إلى اللَّه، ويثبتون الحاجة إلى اللَّه في كلِّ وقتٍ، والفقر إلى اللَّهِ في كلِّ حال.
ويقولون: إنَّ القرآن كلام اللَّهُ غير مخلوق، والكلام في الوقف والَّلفظ من قال بالَّلفظ أو بالوقف فهو مبتدع عندهم، لا يقال: الَّلفظ بالقرآن مخلوق، ولا يقال: غير مخلوق.
_________________
(١) في المقالات "وأنَّ سيئات العباد يخلقها اللَّه"، وهي ليست في جميع النسخ.
(٢) في "ب" "بقضائه" بدلًا من "بقضاء اللَّه".
[ ١ / ٢٧ ]
ويقولون: إنَّ اللَّه تعالى يُرى بالأبصارِ يومَ القيامة، كما يُرى القمرُ ليلة البدر، ويراهُ المؤمنون، ولا يراهُ الكافرون؛ لأنَّهم عن اللَّه تعالى محجوبون، قال اللَّهُ تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]، وأنَّ موسى ﵇ سأل اللَّهَ ﷾ الرؤية في الدنيا، وأنَّ اللَّهَ تعالى تجلَّى للجبلِ فجعله دكًّا، فأعلمه بذلك أنَّهُ لا يراهُ في الدنيا، بل يراهُ في الآخرة.
ولا يكفِّرون أحدًا من أهل القبلة بذنبٍ يرتكبه، كنحو: الزِّنَى والسَّرقة، وما أشبه ذلك من الكبائر، وهم بما معهم من الإيمان مؤمنون، وإنْ ارتكبوا الكبائرَ.
والإيمان -عندهم- هو الإيمان باللَّه وملائكته وكتبه ورسله، وبالقدر خيره وشرِّه، حلوه ومُرِّه، وأنَّ ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، وأنَّ ما أصابهم لم يكن ليُخطئهم.
والإسلام هو: أنْ يشهد أنْ لا إله إلَّا اللَّه، [وأنَّ محمدًا رسول اللَّه] (^١)، كما جاء في الحديث، والإسلام عندهم غير الإيمان.
ويُقِرُّونَ بأنَّ اللَّهَ مقلِّب القلوب.
ويُقِرُّون بشفاعة رسول اللَّه -ﷺ-، وأنَّها لأهل الكبائر من أُمَّتِهِ، وبعذاب القبرِ، وأنَّ الحوضَ حقٌ، والصراط حقٌّ، والبعثَ بعد الموتِ حقٌّ، والمحاسبة من اللَّه للعباد حقٌّ، والوقوف بين يدي اللَّه تعالى حقٌّ.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين من "مقالات الإسلاميين".
[ ١ / ٢٨ ]
ويقرون بأنَّ الإيمان: قولٌ وعمل، يزيد وينقص (^١)، ولا يقولون: مخلوق، ولا غير مخلوق.
ويقولون: أسماءُ اللَّه هي اللَّه تعالى.
ولا يشهدون على أحدٍ من أهل الكبائرِ بالنَّارِ، ولا يَحْكُمُون بالجنَّة لأحدٍ من المُوَحِّدين، حتَّى يكونَ اللَّه تعالى نزَّلهم (^٢) حيث شاء، ويقولون: أمرهم إلى اللَّه، إنْ شاء عذَّبهم، وإنْ شاء غفرَ لهم، ويؤمنون بأنَّ اللَّهَ تعالى يُخرج قومًا من المُوَحِّدين من النَّار، على ما جاءت به الروايات عن رسول اللَّه -ﷺ-.
وينكرون الجدَلَ والمِرَاء في الدِّين، والخصومة في القَدَرِ، والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل ويتنازعون فيه من دينهم، بالتَّسليم للروايات الصحيحة، ولِمَا جاءت به الآثار التي رواها الثقات، عَدْلًا عن عدل، حتَّى ينتهي ذلك إلى رسول اللَّه -ﷺ-، ولا يقولون: كيف؟ ولا: لِمَ؛ لأنَّ ذلك بِدْعَة.
ويقولون: إنَّ اللَّه تعالى لم يأمر بالشَّرِّ، بل نهى عنه، وأمرَ بالخيرِ، ولم يَرْضَ بالشَّرِّ، وإنْ كان مريدًا له.
ويعرفون حقَّ السَّلف الَّذين اختارهم اللَّهُ تعالى لصحبة نبيه -ﷺ-، ويأخذون بفضائِلهم، ويُمْسِكُون عمَّا شجرَ بينهم صغيرهم وكبيرهم، ويُقَدِّمُون أبا بكر، ثمَّ عمر، ثمَّ عثمان، ثمَّ عليًّا ﵁، ويُقِرُّون
_________________
(١) في "ب": "يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية".
(٢) في المقالات "ينزلهم".
[ ١ / ٢٩ ]
بأنَّهم الخلفاء الرَّاشدون المهديون، وأنَّهم أفضلُ النَّاسِ كلِّهم بعد رسول اللَّه -ﷺ-.
ويُصَدِّقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول اللَّه -ﷺ- "إنَّ اللَّهَ ينزلُ إلى السَّماءِ الدنيا فيقول: هل من مستغفرٍ؟ " (^١)، كما جاء في الحديث عن رسول اللَّه -ﷺ-، ويأخذون بالكتاب والسنَّة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].
ويرون اتباع منْ سلف من أئمة الدِّين، وأنْ لا يتبعون (^٢) في دينهم ما لم يأذن به اللَّه، ويُقرون أنَّ اللَّه تعالى يجيء يوم القيامة، كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢]، وأنَّ اللَّه تعالى يَقْرُبُ من خلقه كيف شاء، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق: ١٦].
ويَرَوْن العيد والجمعة والجماعة خلف كلِّ إمامٍ، برٍّ وفاجر.
ويُثْبِتون أنَّ المَسْحَ على الخُفَّين سُنَّة، ويرونه في الحضَرِ والسَّفَر.
ويثبتون فرضَ الجهاد للمشركين منذ بعثَ اللَّهُ نبيه -ﷺ- إلى آخر عصابة تُقاتل الدَّجَّال، وبعد ذلك.
وَيَرَوْنَ الدُّعَاءَ لأئمة المسلمين بالصَّلاحِ، وأنْ لا يُخْرَج (^٣) عليهم بالسَّيف، وأنْ لا يقاتلوا في الفتنة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم (١٠٩٤)، ومسلم رقم (٧٥٨) واللفظُ له.
(٢) في المقالات "يبتدعوا".
(٣) في المقالات "يَخْرُجُوا".
[ ١ / ٣٠ ]
ويُصَدِّقون بخروج الدَّجَّال، وأنَّ عيسى بن مريم -ﷺ- يَقْتُلُه.
ويؤمنون بمُنْكَرٍ وَنَكِيْرٍ، والمعراج، والرُّؤيا في المنامِ، وأنَّ الدعاء لموتى المسلمين والصدقة عنهم بعد موتهم تَصِلُ إليهم، ويصدقون أنَّ في الدنيا سَحَرَة، وأنَّ السَّاحر كافر، كما قال اللَّه تعالى، وأنَّ السَّحْر كائنٌ موجودٌ في الدنيا.
وَيَرَوْنَ الصلاة على كلِّ مَنْ مات من أهل القبلة مؤمنهم (^١) وفاجرهم، ويقرون أنَّ الجنَّة والنَّارَ مخلوقتان.
وأنَّ من ماتَ ماتَ بأجله، وكذلك من قُتِلَ قُتِلَ بأجله.
وأنَّ الأرزاق من قِبَل اللَّه تعالى يرزقها عباده حلالًا كانت أو حرامًا.
وأنَّ الشيطان يوسوس للإنسان، ويشككه ويخبَّطه (^٢) .
وأنَّ الصالحين قد يجوز أنْ يَخُصَّهم اللَّه تعالى بآياتٍ تَظْهَرُ عليهم.
وأنَّ السُّنَّة لا تُنْسَخُ بالقرآن.
وأنَّ الأطفال أمرهم إلى اللَّهِ: إنْ شاء عذَّبهم، وإنْ شاء فعل بهم ما أراد.
وأنَّ اللَّه تعالى عالمٌ ما العبادُ عاملون، وكتب أنَّ ذلك يكون، وأنَّ
_________________
(١) في المقالات "بَرِّهم".
(٢) في المقالات "ويتخبَّطه".
[ ١ / ٣١ ]
الأمورَ بيدِ اللَّهِ تعالى.
ويرون الصبرَ على حكم اللَّه، والأخذ بما أمر اللَّه تعالى به، والانتهاء عمَّا نهى اللَّه عنه، وإخلاصَ العمل، والنصيحة للمسلمين، ويدينون بعبادة اللَّه في العابدين، والنصيحة لجماعة المسلمين، واجتناب الكبائر، والزنى، وقول الزور، والعَصَبيَّة (^١)، والفَخْر، والكِبْر، والإزراء على النَّاس، والعُجْب (^٢) .
ويرون مجانبة كل داعٍ إلى بدعة، والتشاغل بقراءة القرآن، وكتابة الآثار، والنَّظر في الفقه مع التواضع والاستكانة، وحُسن الخلق، وبذل المعروف، وكفِّ الأذى، وترك الغيبة والنميمة والسِّعاية، وتَفَقُّد المأكلِ والمشربِ.
فهذه جملةُ ما يأمرون به، ويستعملونه، ويرونه، وبكلِّ ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب، وما توفيقنا إلَّا باللَّهِ، وهو حسبنا ونعم الوكيل (^٣)، وبه نستعين، وعليه نتوكلُ، وإليه المصير".
والمقصود حكايته عن جميع أهل السنَّة والحديث: أنَّ الجنَّة والنَّار مخلوقتان، وسُقْنَا جملة كلامه ليكون الكتاب والسنَّة مُؤَسَّسًا على معرفة من يستحقُّ البِشَارة المذكورة، وأنَّ أهل هذه المقالة هم أهلها، وباللَّه التوفيق.
_________________
(١) من "هـ" والمقالات، وفي باقي النسخ "والمعصية".
(٢) سقط من "د".
(٣) قوله "ونعم الوكيل" ليس في "ب، د".
[ ١ / ٣٢ ]
وقد دلَّ على ذلك من القرآن: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ [النجم: ١٣ - ١٥].
وقد رأى النَّبي -ﷺ- سِدرَة المنتهى (^١)، ورأى عندها الجنَّة، كما في "الصحيحين" من حديث أنس -﵁- في قصة الإسراء وفي آخره: "ثُمَّ انطلق بي جبريل حتَّى أتى سِدْرَةَ المنتهى، فغشيها ألوانٌ لا أدري ما هي؟ قال: ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجنَّة، فإذا فيها جَنابذُ الَّلؤلؤ، وإذا ترابها المسكُ" (^٢) .
وفي "الصحيحين" (^٣) من حديث عبد اللَّه بن عمر -﵄- أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إنَّ أحدكم إذا ماتَ عُرِضَ على (^٤) مقعده بالغداة والعَشِيِّ، إنْ كانَ من أهل الجنَّة فمن أهل الجنَّة، وإنْ كان من أهل النَّارِ فمن أهل النَّارِ، فيُقال: هذا مقعدك حتَّى يبعثك اللَّه يومَ القيامة (^٥) ".
وفي "المسند" و"صحيح الحاكم" و"ابن حبان" وغيرهم من حديث البراء بن عازب -﵁- قال: خرجنا مع رسول اللَّه -ﷺ- في جَنَازة رجلٍ من الأنصارِ -فذكر الحديث بطوله- وفيه: "فينادي مناد
_________________
(١) قوله: "سدرة المنتهى" ليس في "ب".
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٣١٦٤)، ومسلم برقم (١٦٣)، واللفظ للبخاري.
(٣) أخرجه البخاري رقم (١٣١٣)، ومسلم رقم (٢٨٦٦).
(٤) في "هـ": "عليه".
(٥) قوله "يوم القيامة" ليس في "ب".
[ ١ / ٣٣ ]
من السَّماءِ: أنْ صَدَقَ عبدي، فأفرشوهُ من الجنَّة، وألبسوهُ من الجنَّة، وافتحُوا له بابًا إلى الجنَّة، قال: فيأتيه من رَوْحِها وطيبها" (^١)، وذكر الحديث.
وفي "الصحيحين" (^٢) من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنَّ العبدَ إذا وُضِعَ في قبره، وتولَّى عنه أصحابه، وإنَّه ليسمع قَرْعَ نعالِهم قال: فيأتيه ملكان فيقعدانه، فيقولان له: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجل؟ قال: فأمَّا المؤمنُ فيقول: أشهدُ أنَّه عبدُ اللَّهِ ورسوله، قال: فيقولان له: انظر إلى مقعدك من النَّارِ، قد أبدلك اللَّه به مقعدًا من الجنَّة. قال نبيُ اللَّه -ﷺ- فيراهما جميعًا".
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٢٨٧، ٢٨٨، ٢٩٥، ٢٩٧)، وأبو داود (٣٢١٢، ٤٧٥٣، ٤٧٥٤) والنسائي (٤/ ٧٨)، وابن ماجه (١٥٤٨) و(١٥٤٩) والحاكم (١/ ٩٣) رقم (١٠٧) وأبو عوانة كما في "إتحاف المهرة" (٢/ ٤٥٩)، وابن منده في الإيمان (١٠٦٤)، والبيهقي في إثبات عذاب القبر رقم (٢١) و(٤٣) وغيرهم. من طريق زاذان عن البراء بن عازب فذكره. والحديث صحَّحه: أبو عوانة وابن منده والحاكمُ والبيهقي وابن القيم وغيرهم. قال ابن القيم في الروح ص (٩١): "هذا حديث ثابتٌ مشهورٌ مُسْتفيض، صححه جماعة من الحفاظ، ولا نعلمُ أحدًا من أئمة الحديث طعن فيه، بل رووه في كتبهم وتلقوه بالقبول، وجعلوه أصلًا من أصول الدِّين في عذاب القبر ونعيمه، ومساءلة منكر ونكير، وقبض الأرواحِ وصعودها إلى بين يدي اللَّهِ، ثمَّ رجوعها إلى القبر. . . ".
(٢) أخرجه البخاري برقم (١٣٠٨)، ومسلم برقم (٢٨٧٠)، واللفظ لمسلم.
[ ١ / ٣٤ ]
وفي "صحيح أبي عوانة الإسْفَراييني" و"سنن أبي داود" من حديث البراء بن عازب الطويل في قبض الرُّوح: "ثمَّ يُفتح له بابٌ من الجنَّة، وبابٌ من النَّارِ، فيُقال: هذا كان منزلك لو عصيتَ اللَّه أبدلك اللَّهُ به هذا، فإذا رأى ما في الجنَّة قال: ربِّ عجِّل قيامَ السَّاعة كَيْمَا أرجعُ إلى أهلي ومالي، فيُقال: اسْكن" (^١) .
وفي "مُسند البزَّار" وغيره من حديث أبي سعيد ﵁ قال: شهدنا مع النَّبي -ﷺ- جَنازةً، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "أيُّها النَّاسُ، إنَّ هذه الأُمَّة تُبْتَلى في قبورها، فإذا دُفِنَ الإنسانُ وتفرَّق عنه أصحابه، جاءهُ مَلكٌ في يده مِطْرَاقٌ فأقعده فقال: ما تقولُ في هذ الرجل؟ -يعني محمدًا -ﷺ- فإنْ كان مؤمنًا، قال: أشهدُ أنَّ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، فيقولون (^٢): صدقت، ثمَّ يُفتح له بابٌ إلى النَّارِ فيقولون: هذا كان منزلَك لو كفرت بربك، فأمَّا إذْ آمنت به فهذا منزلك، فيُفتحُ له بابٌ إلى الجنَّة فيريدُ أنْ ينهض إلى الجنَّة فيقولون: اسْكن" (^٣) وذكر الحديث.
_________________
(١) أخرجه أبو عوانة في صحيحه كما في إتحاف المهرة لابن حجر (٢/ ٤٥٩)، وأبو داود برقم (٤٧٥٣). ولعلَّ هذا لفظ أبي عوانة في صحيحه، والحديث تقدَّم الكلام عليه مختصرًا.
(٢) كذا في جميع النسخ "فيقولون"، وكذا ما بعده، وفي مصادر التخريج "فيقول".
(٣) أخرجه أحمد (٣/ ٣ - ٤) والبزَّار كما في "كشف الأستار" رقم (٨٧٢)، وابن أبي عاصم في "السنَّة" رقم (٨٦٥)، والطبري في تفسيره (١٣/ ٢١٤)، =
[ ١ / ٣٥ ]
وفي "صحيح مسلم" (^١) عن عائشة ﵂ قالت: خَسَفَتِ الشمسُ في حياةِ رسول اللَّه -ﷺ- فذكرت الحديث إلى أنْ قالت:- ثمَّ قام فخطب النَّاسَ، فأثنى على اللَّهِ بما هو أهله، ثمَّ قال: "إنَّ الشمس والقمر آيتان من آيات اللَّه تعالى، لا يخْسفان لموتِ أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصَّلاة".
وقال رسول اللَّه -ﷺ-: "رأيتُ في مقامي هذا كلَّ شيءٍ وُعِدْتُم، حتَّى لقد رأيتني آخذ قِطْفًا من الجنَّة حين رأيتموني أُقَدِّمُ، ولقد رأيتُ جهنَّم يَحْطِمُ بعضُها بعضًا حين رأيتموني تأخَّرْتُ".
وفي "الصحيحين" (^٢) -واللفظ للبخاري- عن عبد اللَّه بن عباس
_________________
(١) = والبيهقي في "إثبات عذاب القبرِ" رقم (٣١). من طريق عبَّاد بن راشد البصري عن داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري فذكره. وقد تفرَّد به عباد -وهو صدوقٌ له أوهام- عن خاله داود بن أبي هند مرفوعًا. قال البزَّارُ: "لا نعلمهُ عن أبي سعيد إلَّا بهذا الإسنادِ، وهذا من أغربِ ما كان يُسْأَلُ عنه الحسين وابن معمر". وقد خولف عباد، خالفه مسلمة بن علقمة فأوقفه. فرواه عن داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: فذكر نحوًا من حديث عباد بن راشد ولم يرفعه. أخرجه عبد اللَّه بن أحمد في "السنَّة" رقم (١٤٦٠). ولعلَّ الموقوف أشبه.
(٢) رقم (٩٠١)، وهو عند البخاري أيضًا رقم (٩٩٧ و١١٥٤).
(٣) أخرجه البخاري رقم (٣٥٨)، ومسلم رقم (٩٠٧).
[ ١ / ٣٦ ]
قال: انخسفت الشمسُ على عهد النَّبي -ﷺ- فذكر الحديث وفيه - فقال: "إنَّ الشمسَ والقمر آيتان من آيات اللَّه، لا يخسفان لموتِ أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا اللَّه، فقالوا: يا رسول اللَّه رأيناكَ تناولتَ شيئًا في مقامك، ثمَّ رأيناك تكعكعت (^١)، فقال: إنِّي رأيت الجنَّة، وتناولتُ عنقودًا، ولو أصبتُه لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، وأُرِيتُ النَّارَ، فلم أرَ منظرًا كاليومِ قطُّ أفظعَ، ورأيتُ أكثرَ أهلها النساء، قالوا: بِمَ يا رسول اللَّه؟ قال: بَكُفْرِهنَّ. قيل: أيكفرن باللَّه؟ قال: يَكفرنَ العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنتَ إلى إحداهنَّ الدهرَ كلَّه، ثمَّ رأتْ منك شيئًا، قالت: ما رأيت منْكَ خيرًا قطُّ".
وفي "صحيح البخاري" (^٢) عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ عن النَّبي -ﷺ- في صلاة الكسوف، قال: "قد دَنَتْ منِّي الجنَّة، حتَّى لو اجترأتُ عليها لجئتكم بقطافٍ من قطافها، ودنت منِّي النَّارُ حتَّى قُلتُ: أي ربِّ، وأنا معهم؟ فإذا امرأةٌ -حسِبْتُ أنَّه قال:- تَخدشها هِرَّةٌ، قلتُ: ما شأن هذه؟ قالوا: حَبَستْها حتَّى ماتت جوعًا، لا أطعمتها ولا أرسلتها تأكل".
وفي "صحيح مسلم" (^٣) من حديث جابر ﵁ في هذه القصة قال: "عُرِضَ عليَّ كلُّ شيءٍ تُولجونه (^٤)، فعُرِضَتْ عليَّ الجنَّة
_________________
(١) تكعكع: هاب وتراجع بعدما أقدم. المعجم الوسيط ص (٨٢٦). و"تكعكعت" من رواية الكشميهني، كما في الفتح (٢/ ٥٤١).
(٢) رقم (٧١٢).
(٣) رقم (٩٠٤) - (٩).
(٤) في "د" وفي نسخةٍ على حاشية "ب، ج": "تُوْعَدُونه" بدلًا من "تولجونه".
[ ١ / ٣٧ ]
حتَّى تناولتُ منها قطفًا فقصُرتْ يدي عنه، وعُرِضَتْ عليَّ النَّارُ، فرأيتُ فيها امرأةً من بني إسرائيل تُعَذَّبُ في هِرَّةٍ لها" وذكر الحديث.
وفي "صحيح مسلم" (^١) عنه في هذا الحديث: "ما من شيء تُوْعَدُوْنَهُ إلَّا قد رأيتُه في صلاتي هذه، لقد جيء بالنَّارِ، وذلك حين رأيتموني تأخرتُ مخافةَ أنْ يصيبني من لَفْحِها، وحتَّى رأيتُ فيها صاحب المِحْجَنِ يجرُّ قُصْبَه في النَّارِ، وكان يسرقُ الحاجَ بِمِحْجَنِه، فإنْ فُطِنَ له قال: إنَّما تَعَلَّقَ بمحجني، وإنْ غُفِل عنه ذهب به، وحتَّى رأيتُ فيها صاحبة الهِرَّة التي ربطتها؛ فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض، حتَّى ماتت جوعًا، ثمَّ جيء بالجنَّة، وذلكم حين رأيتموني تقدمت حتَّى قمت في مقامي، ولقد مددتُ يدي -وأنا أريدُ أنْ أتناولَ من ثمرها لتنظروا إليه- ثمَّ بدا لي أنْ لا أفعل، فما من شيءٍ توعدونه إلَّا قد رأيته في صلاتي هذه".
وفي "مسند الإمام أحمد" و"سنن أبي داود" و"النسائي" من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄ في هذه القصة: "والَّذي نفسُ محمدٍ بيده لقد أُدْنِيَت الجنَّةُ مِنِّي، حتَّى لو بَسَطْتُ يدي لتعاطيتُ من قطوفها، ولقد أُدْنِيت النَّارُ منِّي حتَّى لقد جعلتُ أتَّقِيْها خشيةَ أنْ تغشاكم" وذكر الحديث (^٢) .
_________________
(١) رقم (٩٠٤) - (١٠).
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ١٨٨ و١٩٨)، وأبو داود رقم (١١٩٤)، والترمذي في الشمائل رقم (٣٢٤)، والنسائي (٣/ ١٣٧) رقم (١٤٨٢) واللفظ له، وابن خزيمة في صحيحه رقم (١٣٩٢ و١٣٩٣)، وابن حبان في صحيحه =
[ ١ / ٣٨ ]
وفي "صحيح مسلم" (^١) من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: بينما رسولُ اللَّهِ -ﷺ- ذاتَ يومٍ، إذْ أُقيمت الصلاةُ فقال: "أيُّها النَّاسُ، إنِّي إمَامُكم، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، ولا بِرَفْعِ رؤوسكم؛ فإنِّي أراكم من أمامي ومن خلفي، وأيمُ (^٢) الَّذي نفسي بيده، لو رأيتم ما رأيتُ لضحكتم قليلًا، وبكيتم (^٣) كثيرًا، قالوا: وما رأيت يا رسول اللَّه؟ قال: رأيتُ الجنَّة والنَّار".
وفي "الموطأ" و"السنن" من حديث كعب بن مالك قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنَّما نَسَمَةُ المؤمن طَيرٌ تعلقُ في شجر الجنَّة حتَّى يرجعها اللَّه إلى جسده يوم القيامة" (^٤) .
_________________
(١) = (٧/ رقم ٢٨٣٩)، والحاكم (١/ ٤٧٨) رقم (١٢٢٩) وغيرهم مختصرًا ومطوَّلًا. والحديث صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وهو كما قالوا.
(٢) رقم (٤٢٦).
(٣) ليست في "هـ" ولا في "صحيح مسلم".
(٤) من (أ). وفي باقي النسخ، وحاشية "أ"، وصحيح مسلم "ولبكيتم".
(٥) أخرجه مالك في "الموطأ" رقم (٦٤٣)، وابن ماجه (٤٢٧١)، والنسائي (٤/ ١٠٨)، وأحمد (٣/ ٤٥٥ و٤٥٦) واللفظ له، والطبراني (١٩/ ٦٥) وغيرهم. من طريق مالك ومعمر ويونس وشعيب والأوزاعي كلهم عن الزهري حدثني عبد الرحمن بن كعب عن أبيه كعب بن مالك فذكره. وسنده صحيح، وصححه ابن حبان، لكن وقع فيه اختلاف في سنده ومتنه، وخلاصته: أمَّا السندُ: فطريق مالك ومن تابعه أرجحها. وأمَّا المتنُ: فسيأتي في الحديث الآتي. =
[ ١ / ٣٩ ]
وهذا صريحٌ في دخول الروح الجنَّة (^١) قبل يوم القيامة (^٢) .
ومثله حديث كعب بن مالك ﵁ أيضًا عن النَّبي -ﷺ-: "إنَّ أرواح الشهداء في طيْرٍ خُضرٍ تعلقُ من ثمر الجنَّة -أو شجر الجنَّة-" (^٣) رواهُ أهل السُّنن، وصحَّحه الترمذي.
وسيأتي في آخر هذا الكتاب في الباب الَّذي يذكر فيه دخول أرواح المؤمنين الجنَّة قبل يوم القيامة، تمامُ هذه الأحاديث إنْ شاء اللَّهُ تعالى، وذكر دلالة القرآن على ما دلَّت عليه السُّنة من
_________________
(١) = انظر: التمهيد لابن عبد البر (١١/ ٥٦ - ٥٨)، وكلام محقق كتاب "الجهاد" لابن أبي عاصم (٢/ ٥٢١ - ٥٢٧).
(٢) من قوله "حتى يرجعها اللَّهُ" إلى "الجنَّة" سقط من "ج".
(٣) جاء في "هـ" ونسخة على حاشية "أ": "ورواه الإمام أحمد والشافعي في مسنديهما، رضوان اللَّهِ عليهما".
(٤) أخرجه الترمذي برقم (١٦٤٠)، وأحمد (٦/ ٣٨٦)، وابن أبي عاصم في "الجهاد" رقم (٢٠٢)، وابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٦٠) من طريق أحمد وابن أبي عمر وابن كاسب عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن الزهري عن ابن كعب عن أبيه، فذكره. وخالفهم الحميدي -في مسنده (٢/ ٣٨٥) - في متنه، فوافق الجماعة. فرواه عن ابن عيينة عن عمرو به، فذكره بلفظ: "نسمة المؤمن" بدلًا من لفظ "أرواح الشهداء. . . ". ولعلَّ الوهم من ابن عيينة أو من عمرو بن دينار. فإنَّ الحديث رواه مالك ويونس وعقيل والليث والأوزاعي وشعيب ومعمر وغيرهم كلهم عن الزهري به باللفظ المتقدم "نسمة المؤمن. . . " وهذا اللفظ أصحُّ وأثبت. والحديث صححه الترمذي بقوله: "هذا حديثٌ حسنٌ صحيح".
[ ١ / ٤٠ ]
ذلك (^١) .
وفي "صحيح مسلم" و"السنن" و"المسند" من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: "لما خلقَ اللَّهُ تعالى الجنَّة والنَّار، أرسلَ جبريلَ إلى الجنَّة فقال: اذهب فانظر إليها، وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهبَ فنظر إليها وإلى ما أعدَّ اللَّهُ لأهلها فيها، فرجع فقال: وعزَّتك لا يسمعُ بها أحدٌ إلَّا دخلها، فأمر بالجنَّة فحُفَّت بالمكاره، فقال: فارجع فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر إليها، ثمَّ رجعَ فقال: وعزَّتك لقد خشيتُ أنْ لا يدخلها أحد، قال: ثمَّ أرسله إلى النَّارِ قال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر إليها فإذا هي يركبُ بعضها بعضًا، ثمَّ رجع فقال: وعزَّتك لا يدخلها أحد سمع بها، فأمر بها فحُفَّتْ بالشَّهَوَات ثمَّ قال: اذهب فانظر إلى ما أعددتُ لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها، فرجع فقال: وعزَّتك (^٢) لقد خشيتُ أنْ لا ينجو منها أحدٌ إلَّا دخلها" (^٣) .
قال الترمذي: "هذا حديثٌ حسنٌ صحيح".
_________________
(١) لم يذكر المؤلف ذلك في آخر هذا الكتاب، فلعله ذهل عنه.
(٢) من قوله: "لا يدخلها أحدٌ سمع بها" إلى "وعزَّتك" سقط من "ج".
(٣) أخرجه الترمذي رقم (٢٥٦٠)، وأبو داود رقم (٤٧٤٤)، والنسائي (٧/ ٣)، وأحمد (٢/ ٣٣٢ - ٣٣٣ و٣٥٤ و٣٧٣) وغيرهم. من طريق: محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة فذكره. والحديث صحَّحه الترمذي كما نقل المصنِّف عنه. تنبيه: لم يخرج مسلم هذا الحديث في صحيحه.
[ ١ / ٤١ ]
وفي "الصحيحين" (^١) من حديث أبي هريرة ﵁: "حُجِبت الجنَّة بالمكاره، وحُجِبَتِ النَّارُ بالشهوات".
وفي "الصحيحين" (^٢) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النَّبي -ﷺ- قال: "اختصمت الجنَّة والنَّارُ، فقالت الجنَّة يا ربِّ مالها إنَّما يدخلها ضُعَفَاءُ النَّاس وسَقَطُهُم؟ وقالت النَّارُ: يا رب ما لها يدخلها الجبَّارون والمتكبرون؟ فقال: أنت رحمتي أصيبُ بكِ مَنْ أشاءُ، وأنت عذابي أصيبُ بكِ من أشاءُ، ولكلِّ واحدةٍ منكما ملؤها".
وفي "الصحيحين" (^٣) من حديث (ابن عمر ﵄) (^٤) عن النَّبي -ﷺ- أنَّه قال: "اشْتكتِ النَّارُ إلى ربِّها فقالت: أي ربِّ أكلَ بعضي بعضًا، فأذنَ لها بنَفَسَين: نفسٍ في الشِّتاء، ونفسٍ في الصَّيف".
وروى الَّليثُ بن سعد عن معاوية بن صالح عن عبد الملك بن أبي بشير -رفع الحديث- قال: "ما من يوم إلَّا والجنَّة والنَّار يسألان، تقولُ الجنَّة: يا ربِّ قد طابت ثمرتي، واطَّردت (^٥) أنهاري، واشْتَقْتُ إلى أوليائي، فعجِّل إليَّ بأهلي، وتقول النَّارُ: اشتدَّ حرِّي، وبَعُدَ قَعْري،
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٦١٢٢)، ومسلم رقم (٢٨٢٣).
(٢) أخرجه البخاري رقم (٧٠١١)، ومسلم رقم (٢٨٤٦)، واللفظ للبخاري.
(٣) أخرجه البخاري رقم (٥١٢)، ومسلم رقم (٦١٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) كذا في جميع النسخ، والصوابُ (أبي هريرة ﵁).
(٥) أي: جَرَتْ. انظر: الصحاح (١/ ٤٢٧).
[ ١ / ٤٢ ]
وعظُمَ جَمْري، فعجِّل إليَّ بأهلي (^١) " (^٢) .
وفي "صحيح البخاري" (^٣) من حديث أنس ﵁ عن النَّبي -ﷺ- قال: "بَيْنَمَا أنا أسيرُ في الجنَّة، وإذا بنهرٍ في الجنَّة حافتاهُ قباب الدرِّ المجوف، قال: قلتُ: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثرُ الَّذي أعطاك ربُّك، فضرب المَلَك بيده فإذا طِيْنُه مِسْك أَذْفَر (^٤) ".
وفي "صحيح مسلم" (^٥) من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: سمعتُ رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "دخلتُ الجنَّة فرأيت فيها قصرًا ودارًا فقلتُ: لمن هذا؟ فقيل: لرجلٍ من قريش، فرجوتُ أنْ أكون أنا هو، فقيل لعمر بن الخطاب، فلولا غيرتُك يا أبا حفص
_________________
(١) من قوله: "وتقول النَّارُ" إلى "بأهلي" سقط من "ج".
(٢) أخرجه البيهقي في البعث والنشور برقم (١٩٢) من طريق أبي العلاءِ الحسن بن سوار عن الليث به مثله. وأخرجه أبو نعيم في صفة الجنَّة برقم (٨٥) من طريق عبد اللَّه بن صالح عن معاوية بن صالح به مختصرًا. والحديث معضل، فإنَّ عبد الملك بن أبي بشير البصري، ثقة من أتباع التابعين. انظر: تهذيب الكمال (١٨/ ٢٨٧ - ٢٨٨).
(٣) رقم (٦٢١٠).
(٤) قال عبد الملك بن حبيب السلمي في وصف الفردوس ص (٧): "والأذفر: "الشديد الطيب الرائحة التي تكاد رائحته تَعُمُّ من شدَّةِ فيْحها وريحها".
(٥) أخرجه البخاري رقم (٦٦٢١)، ومسلم رقم (٢٣٩٤)، واللفظُ الَّذي ساقه المؤلفُ مُدْمَج من البخاري ومسلم.
[ ١ / ٤٣ ]
لدخلته، قال: فبكى عمر، وقال: أَوَيُغَار عليك يا رسول اللَّه؟
وسيأتي حديث بلال، وقول النَّبي -ﷺ-: "ما دخلتُ الجنَّة إلَّا سمعتُ خشخشتك (^١) بين يديَّ" (^٢) وغير ذلك من الأحاديث التي تأتي إنْ شاء اللَّه تعالى (^٣) .
وقال عبد اللَّه بن وهب: حدثنا معاوية بن صالح عن عيسى بن عاصم عن زرٍّ بن حُبَيْش عن أنس بن مالك ﵁ قال: صلَّى بنا رسول اللَّه -ﷺ- ذات يوم صلاة الصبح، ثمَّ مدَّ يده، ثمَّ أخرها، فلمَّا سلَّم قيل له: يا رسول اللَّه، لقد صنعت في صلاتك شيئًا لم تصنعه في غيرها، قال: إنِّي أُرِيْتُ (^٤) الجنَّة فرأيتُ فيها دالية (^٥)، قُطُوفها دانية،
_________________
(١) الخشخشة: صَوْت السلاح وغيره، إذا حُرِّكَ. انظر: الصحاح (١/ ٧٩١)، والمعجم الوسيط ص (٢٥٨).
(٢) أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٣٥٤ و٣٦٠)، والترمذي برقم (٣٦٨٩)، وابن خزيمة رقم (١٢٠٩)، وابن حبان (١٥/ رقم ٧٠٨٦ و٧٠٨٧)، والحاكم (٣/ ٣٢٢) رقم (٥٢٤٥). من حديث بريدة بن الحصيب ﵁. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب". والحديث صححه أيضًا: ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. وله شاهد: من حديث جابر عند مسلم برقم (٢٤٥٧)، وفيه: ". . ثمَّ سمعتُ خَشْخشَة أمامي، فإذا بلال".
(٣) انظر: ص (٢٣٥).
(٤) في نسخةٍ على حاشية "أ": "رأيت".
(٥) الدَّالية، جمعها دوالي: عنبٌ أسود غير حالك، وعناقيده أعظم العناقيد كلها. . . المعجم الوسيط ص (٣١٨).
[ ١ / ٤٤ ]
حَبُّها كالدُّباءِ، فأردتُ أنْ أتناول منها، فأُوحي إليها أنِ اسْتأخري، فاستأخرت، ثمَّ أُريت (^١) النَّارَ فيما بيني وبينكم، حتَّى لقد رأيت ظلَّي وظلكم، فأومأتُ إليكم أنِ استأخروا فأوحي إليَّ أقِرَّهم (^٢)، فإنَّك أسْلَمْتَ وأسلموا، وهاجرت وهاجروا، وجاهدت وجاهدوا، فلم أرَ لي عليكم فضلًا إلَّا بالنبوة" (^٣) .
فإنْ قيل: ما منعكم (^٤) من الاحتجاج على وجودها (^٥) الآن بقصة (^٦) آدم، ودخوله الجنَّة وإخراجه منها بأكله من الشجرة، والاستدلال بها في غاية الظهور؟!
قيل: الاستدلال بذلك وإنْ كان عند العامة في غاية الظهور، فهو في غاية الغموض؛ لاختلاف النَّاس في الجنَّة التي أسكنها آدم، هل كانت جنَّةَ الخُلْدِ التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة؟ أو كانت جنَّةً في الأرضِ في
_________________
(١) في "ج": "رأيت".
(٢) في "ب، د": "أن أقرَّهم".
(٣) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٢/ رقم ٨٩٢)، وأبو عوانة في صحيحه كما في "إتحاف المهرة لابن حجر": (٢/ ١٣)، والحاكم في مستدركه (٤/ ٥٠٣) رقم (٨٤٠٨)، وأبو نعيم في "صفة الجنَّة" رقم (٣٤٩) مختصرًا، والضياء المقدسي في المختارة (٦/ ١٣٨) رقم (٢١٣٦). والحديث صححه ابن خزيمة وأبو عوانة والحاكمُ والضياء المقدسي.
(٤) في نسخة على حاشية "د" "معكم"، وفي حاشية "أ" "فما منعكم".
(٥) في "أ": "دخولها".
(٦) في نسخةٍ على حاشية "أ": "بمعصية".
[ ١ / ٤٥ ]
شَرْقِيِّها؟ ونحن نذكر من قال بهذا ومن قال بهذا، وما احتج به كلُّ فريقٍ على قولهم، وما ردَّ به الفريقُ الآخر عليهم، بحول اللَّه وقوَّته.
[ ١ / ٤٦ ]