قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١].
فجعل سبحانه الجنَّة ثمنًا لنفوس المؤمنين وأموالهم، بحيث إذا بذلوها فيه استحقُّوا الثَّمن، وعَقَدَ معهم هذا العقدَ، وأكَّدهُ بأنواع التأكيد: أحدها: إخبارُهُ سبحانه بصيغة الخبر المؤكَّد بأداة إنَّ.
الثاني: الإخبارُ بذلك بصيغة الفعل الماضي، الَّذي قد (^٢) وقع وثبت واستقر.
الثالث: إضافة هذا العقد (^٣) إلى نفسه سبحانه وأنَّه هو الَّذي اشترى هذا المبيع.
_________________
(١) في "أ، ج، هـ": "سلعة".
(٢) ليس في "أ".
(٣) في "ب": "الفعل".
[ ١ / ١٦٧ ]
الرَّابع: أنَّه أخبر بأنَّه وعد بتسليم هذا الثمن وَعْدًا لا يُخْلِفُهُ ولا يتركه.
الخامس: أنَّه أتى بصيغة "على" التي للوجوب، إعلامًا لعباده، بأنَّ ذلك حقٌّ عليه، أحَقَّه هو على نفسه.
السادس: أنَّه أكَّد ذلك بكونه حقًّا عليه.
السابع: أنَّه أخبر عن محل هذا الوعد، وأنَّه في (^١) أفضل كتبه المنزلة من السماء، وهي: التوراة والإنجيل والقرآن.
الثامن: إعلامه لعباده بصيغة استفهام الإنكار، وأنَّه لا أحد أوفى بعهده منه سبحانه.
التاسع: أنَّه سبحانه أمرهم أنْ يَبْشروا بهذا العقد، ويُبشِّر به بعضهم بعضًا بشارة من قد تمَّ له العقد ولزم، بحيث لا يثبت فيه خيار، ولا يعرض له ما يفسخه.
العاشر: أنَّه أخبرهم إخبارًا يؤكِّد (^٢) بأنَّ ذلك البيع الَّذي بايعوا به هو الفوز العظيم، والبيع ها هنا: بمعنى المَبِيع الَّذي أخذوه بهذا الثمن، وهو الجنَّة.
وقوله: ﴿بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ أي: عاوضتم وثامنتم به.
ثمَّ ذكر سبحانه أهل هذا العقد الذين وقع العقد وتمَّ لهم دون
_________________
(١) ليس في "أ، ج".
(٢) في "ب، د، هـ" ونسخةٍ على حاشية "أ": "مؤكَّدًا".
[ ١ / ١٦٨ ]
غيرهم، وهم:
- ﴿التَّائِبُونَ﴾ مما يكره.
- ﴿الْعَابِدُونَ﴾ له بما يحب.
- ﴿الْحَامِدُونَ﴾ له على ما يحبون وما يكرهون.
- ﴿السَّائِحُونَ﴾ وفُسِّرت السِّياحة: بالصيام، وفُسِّرت: بالسفر في طلب العلم، وفُسِّرت: بالجهاد، وفُسِّرت: بدوام الطاعة.
والتحقيق فيها: أنَّها سياحة القلب في ذكر اللَّه ومحبته والإنابة إليه والشوق إلى لقائه، ويترتب عليها كل ما ذكر من الأفعالِ، وكذلك وصف نساء النَّبي -ﷺ- الَّلاتي لو طلق أزواجه بدَّله بهن، بأنَّهنَّ ﴿سَائِحَاتٍ﴾ [التحريم: ٥] وليست سياحتهن جهادًا، ولا سفرًا في طلب العلم، ولا إدامة صيام، وإنَّما هي سياحة قلوبهنَّ في محبة اللَّه وخشيته والإنابة إليه وذكره.
وتأمَّل كيف جعل سبحانه التوبة والعبادة قرينين: هذه ترك ما يكره، وهذه فعل ما يحب. والحمد والسياحة قرينين: هذا الثناء عليه بأوصاف كماله، وسياحة اللسان في أفضل ذكره، وهذا سياحة القلب في حُبَّه وذكره وإجلاله.
كما جعل سبحانه العبادة والسياحة قرينين في صفة الأزواج: فهذه عبادة البدن، وهذه عبادة القلب.
وجعل الإسلام والإيمان قرينين: فهذا علانية، وهذا في القلب؛
[ ١ / ١٦٩ ]
كما في "المسند" عنه -ﷺ-: "الإسلام علانية، والإيمان في القلبِ" (^١) .
وجعل القنوت والتوبة قرينين: فهذا فعل ما يحب، وهذا تركُ ما يكره.
وجعل الثُّيوبة والبَكَارة قرينين، فهذه قد وطئت وارتاضتْ وذُلِّلت صعوبتها، وهذه رَوْضَة أُنُفٌ (^٢) لم يُرتع فيها بعد.
وجعل الركوع والسجود قرينين، وجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قرينين، وأدخل بينهما الواو دون ما تقدم إعلامًا بأنَّ أحدهما لا يكفي حتى يكون مع الآخر، وجعل ذلك قرينًا لحفظ
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: (٣/ ١٣٥)، وابن أبي شيبة في "المصنف": (٦/ ١٥٩) رقم (٣٠٣١٠)، وفي الإيمان رقم (٦)، وأبو يعلى في "مسنده": (٥/ ٣٠١ - ٣٠٢)، والعقيلي في "الضعفاء الكبير": (٣/ ٢٥٠) وابن عدي في "الكامل": (٥/ ٢٠٧)، وابن حبان في "المجروحين": (٢/ ١١١) وغيرهم. من طريق علي بن مسعدة عن قتادة عن أنس فذكره. والحديث منكر، تفرَّد به علي بن مسعدة عن قتادة، وعلي بن مسعدة فيه ضعف، والحديث عدَّه العقيلي وابن عدي وابن حبان من منكرات علي بن مسعدة، بل قال ابن عدي: "ولعلي بن مسعدة غير ما ذكرت عن قتادة، وكلها غير محفوظة" قلت: كحديث: "كل بني آدم خطَّاء، وخير الخطائين التوابون" عند الترمذي برقم (٢٤٩٩) وغيره. وقال: "غريبٌ لا نعرفه إلَّا من حديث علي بن مسعدة"، وجعله ابن عدي وابن حبان من منكراته. انظر: تهذيب الكمال: (٢١/ ١٢٩ - ١٣٢).
(٢) قال الجوهري في "الصحاح": (٢/ ١٠٢٢): "وروضة أُنُف، بالضم، أي لم يَرْعهَا أحد".
[ ١ / ١٧٠ ]
حدوده، فهذا حِفْظُها في نفس الإنسان، وذاك (^١) أمرُ غيرِهِ بحفظها. وأفهمت الآية: خطر النفس الإنسانية وشرفها، وعظم مقدارها، فإنَّ السلعة إذا خفي عليك قدرها فانظر إلى المشتري لها من هو، وانظر إلى الثمن المبذول فيها ما هو؟ وانظر إلى من جرى على يده عقد التبايع، فالسِّلعة: النفس، واللَّهُ سبحانه: المشتري لها، والثمن: جنَّات النعيم، والسَّفِيْر في هذا العقد: خير خلقه من الملائكة وأكرمهم عليه، وخيرهم من البشرِ وأكرمهم عليه.
قد هيؤوكَ لأَمرٍ لو فَطِنْتَ له فارْبأْ بِنفسِكَ أَنْ تَرْعَى مَعَ الهَمَلِ (^٢)
وفي "جامع الترمذي" من حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "من خافَ أدلج، ومن أدلَجَ بلغَ المنزلَ، ألَا إنَّ سلعةَ اللَّهِ غاليةٌ، ألَا إنَّ سلعةَ اللَّهِ الجنَّة" (^٣) . قال: "هذا حديثٌ حسن غريب".
_________________
(١) في "أ": "ذلك".
(٢) البيت للطغرائي في "لامية العجم". انظر: "الغيث المسجم في شرح لامية العجم" للصفدي: (٢/ ٤٣٨) وفيه "رشَّحُوك" بدل "هيَّؤوك".
(٣) أخرجه الترمذي رقم (٢٤٥٠)، والبخاري في تاريخه (٢/ ١١١) والعقيلي في "الضعفاء الكبير": (٤/ ٣٨٣) وغيرهم. من طريق يزيد بن سنان الرهاوي عن بكير بن فيروز عن أبي هريرة: والحديث منكرٌ بهذا الإسناد، تفرَّد به يزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي وهو ضعيف. ولهذا قال الترمذي: "حسنٌ غريب. . ". وقد جاء هذا المتن من حديث أُبيِّ بن كعب عند أبي نعيم في "الحلية": =
[ ١ / ١٧١ ]
وفي كتاب "صفة الجنَّة" لأبي نعيم من حديث أبان، عن أنس -﵁- قال: جاء أعرابي إلى رسول اللَّه -ﷺ- فقال: ما ثمن الجنَّة؟ قال: "لا إله إلَّا اللَّه" (^١) . وشواهد هذا الحديث كثيرةٌ جدًّا.
وفي "الصحيحين" (^٢) من حديث أبي هريرة -﵁-: "أنَّ أعرابيًّا جاء إلى رسول اللَّهِ -ﷺ-، فقال: يا رسول اللَّه، دُلَّني على عملٍ إذا عملته دخلتُ الجنَّة، فقال: "تعبد اللَّه لا تشركُ به شيئًا، وتقيمُ الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصومُ رمضان" قال: "والَّذي
_________________
(١) = (٨/ ٣٧٧)، والحاكم في المستدرك: (٤/ ٣٤٣) رقم (٧٨٥٢)، من طريق وكيع وعبد اللَّه بن الوليد العدني عن الثوري عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل عن الطفيل بن أُبي عن أبيه أُبي بن كعب فذكره، وفيه زيادة. قال أبو نعيم: "غريب تفرَّد به وكيع عن الثوري بهذا اللفظ". قلت: الراوي عن وكيع هو يحيى بن إسماعيل الواسطي، وقد خالفه الإمام أحمد وأبو كريب وعبد اللَّه بن هاشم العبدي وغيرهم كلهم رووه عن وكيع به بدون زيادة هذا المتن "من خاف أدلج. . "، وإنما بلفظ: "جاءت الراجفة تتبعها الرَّادفة. . . ". وأمَّا رواية العدني فلم يتابع عليه، فلم يروه من أصحاب الثوري إلَّا هو، ووكيع "في الرواية المرجوحة عنه". والحديث صححه الترمذي، وليس فيه هذا المتن. والحديث مدارهُ على ابن عقيل، وفيه لين.
(٢) أخرجه أبو نعيم في "صفة الجنَّة"، رقم (٥١). وإسناده واهٍ جدًّا، فيه محمد بن مروان السدي: متهمٌ بالكذب، وأمَّا أسيد بن زيد، وأبان فمتروكان. انظر: ميزان الاعتدال: (١/ ١٢٤، ٤١٩).
(٣) أخرجه البخاري رقم (١٣٣٣)، ومسلم رقم (١٤).
[ ١ / ١٧٢ ]
نفسي بيده لا أزيدُ على هذا شيئًا أبدًا ولا أنقصُ منه، فلمَّا ولَّى قال: "من سرَّهُ أنْ ينظرَ إلى رجلٍ من أهل الجنَّة فلينظر إلى هذا".
وفي "صحيح مسلم" (^١) عن جابر -﵁- قال: أتى النعمان بن قَوْقَل إلى رسول اللَّه -ﷺ- فقال: يا رسول اللَّهِ أرأيت إذا صليت المكتوبة، وحرَّمت الحرام، وأحللتُ الحلال، أدخل الجنَّة؟ فقال النَّبي -ﷺ-: "نعم".
وفي "صحيح مسلم" (^٢) عن عثمان بن عفان -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "من ماتَ وهو يعلمُ أن لا إله إلَّا اللَّه دخلَ الجنَّة".
وفي "المسند" و"سنن أبي داود" عن معاذ بن جبل -﵁- قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقولُ: "من كانَ آخرُ كلامه: لا إله إلَّا اللَّه، دخل الجنَّة" (^٣) .
_________________
(١) رقم (١٥).
(٢) رقم (٢٦).
(٣) أخرجه أبو داود رقم (٣١١٦) وأحمد في المسند (٥/ ٢٣٤)، والطبراني في الكبير (٣/ ٢٧٠ - ٢٧١) رقم (١٣٧٢ - ١٣٧٣)، والبزار في مسنده (٧/ ٧٧) رقم (٢٦٢٥، ٢٦٢٦)، والحاكم (١/ ٥٠٣) رقم (١٢٩٩) وغيرهم. من طريق صالح بن أبي عريب عن كثير بن مُرَّة عن معاذ فذكره. وفيه صالح بن أبي عُريب، ذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه جماعة، وقال ابن القطان: "لا تعرف حاله". انظر: "تهذيب الكمال": (١٣/ ٧٣)، و"بيان الوهم والإيهام": (٢/ ٢٠٦). والحديث صحح إسناده الحاكم. وللحديث شاهد عن أبي هريرة: مرفوعًا، والصحيح موقوف. وعن ابن =
[ ١ / ١٧٣ ]
وفي "الصحيحين" (^١) عن أبي ذرٍّ -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "أتاني آتٍ من ربي فأخبرني -أو قال- فبشرني أنَّه من ماتَ من أمتك لا يشرك باللَّهِ شيئًا دخل الجنَّة، قلتُ: وإن زنى وإنْ سرق؟ قال: وإنْ زنى وإن سرق".
وفي "الصحيحين" (^٢) من حديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "من قال: أشهدُ أنْ لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبدُهُ ورسوله، وأنَّ عيسى عبدُ اللَّهِ ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، وأنَّ الجنَّة حقٌّ، وأنَّ النَّار حقٌّ، أدخلهُ اللَّهُ من أيِّ أبواب الجنَّة الثمانية شاء".
وفي لفظٍ: "أدخله اللَّهُ الجنَّة على ما كان من عمل" (^٣) .
وفي "صحيح مسلم" (^٤): "أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- أعطى أبا هريرة نعليه فقال: "اذهبْ بنعليَّ هاتين، فمن لقيتَ من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلَّا اللَّه مستيقنًا بها قلبُهُ، فبشِّره بالجنَّة".
وقال روح بن عبادة عن حبيب بن الشهيد عن الحسن قال:
_________________
(١) = مسعود: وسنده ضعيف. وعن عبد اللَّه بن جعفر: موقوفًا وفيه رجل مبهم. انظر: علل الدَّارقطني (١١/ ٢٣٨ - ٢٤١)، و"بيان الوهم والإيهام": (٢/ ٢٠٥) مع الحاشية.
(٢) البخاري رقم (١١٨٠)، ومسلم رقم (٩٤).
(٣) البخاري رقم (٣٢٥٢)، ومسلم رقم (٢٨).
(٤) راجع المصدرين السابقين.
(٥) رقم (٣١).
[ ١ / ١٧٤ ]
"ثمنُ الجنَّة لا إله إلَّا اللَّه" (^١)
وروى أبو نعيم: من حديث أبي الزبير، عن جابر - ﵁ - سمعتُ رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "لا يُدْخِلُ أحدًا منكم عمله الجنَّة، ولا يجيره من النَّار، ولا أنا إلَّا بتوحيد اللَّه" (^٢) .
وإسنادُه على شرط مسلم، وأصل الحديث في الصحيح.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (١٣/ ٥٢٩)، وأبو نعيم في "صفة الجنة" رقم (٥٠)، وسنده صحيح.
(٢) أخرجه أبو نعيم في صفة الجنَّة رقم (٥٢). من طريق زكريا الساجي عن سلمة بن شبيب عن الحسن بن أعين عن معقل بن عبيد اللَّه عن أبي الزبير عن جابر فذكره. وأخرجه مسلم في صحيحه رقم (٢٨١٧) عن سلمة بن شبيب به بمثله إلَّا أنَّه قال: "برحمة من اللَّه" بدلًا من "بتوحيد اللَّه". - ورواه ابن لهيعة عن أبي الزبير به بمثل لفظ مسلم. أخرجه أحمد (٣/ ٣٩٤). - ورواه الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بلفظ: "قاربوا وسدَّدوا، فإنَّه ليس أحدٌ منكم ينجيه عمله، قالوا: ولا إيَّاك يا رسول اللَّهِ؟ قال: ولا إيَّايَ، إلَّا أنْ يتغمدني اللَّهُ برحمته". أخرجه مسلم (٢٨١٧) وأحمد (٣/ ٣٣٧) وغيرها. وعليه فلفظة "بتوحيد اللَّه" شاذة واللَّه أعلم.
[ ١ / ١٧٥ ]